(إلى روح الحبيب عبد الرحمن السلاوي، باسطة سلا، قبلني على علاتي وأحسن)
تمر بنا بشهر مارس )2009( هذا الذكرى الثلاثين لصدور مجلة “العربي الأفريقي” (مارس 1979) الشهرية التي لم يصدر منا سوى عدد بهي واحد وأغلقها نظام نميري بالضبة والمفتاح. وكان صاحب امتيازها هو الأستاذ عبد الرحمن السلاوي رجل الأعمال المعروف وقدت أنا هيئة تحريرها من وراء ستار.

جئت إلى رئاسة تحرير المجلة خلواً من خبرة مؤكدة في صالة التحرير. ولكنني التقطت بعض مفاهيم في التحرير انتهزت سانحة المجلة لتطبيقها. ومن تلك المفاهيم وجوب أن يكون للمجلة مركز معلومات. وبدأت بقص ما يرد في الصحف والمجلات في موضوعات بعينها لحفظها في فايلات ثم موالاتها بقص وإضافة ما يستجد في الأمر. وما زلت أعتقد أن غياب مثل هذا الأرشيف منقصة كبيرة في صحافتنا اليوم. فصحافيونا يهجمون على المسألة حارة من نارها لا يلطفها تاريخ لها أو منطق في ذلك التاريخ. ولذا كثيراً ما اتسمت تلك الكتابات ب “القطع الأخضر” المهوش. فيأتي الرأي فطيراً لا ينعدل به رأس البلد بحكمة النظر المحيط. ولا تستعين هذه الصحف حتى بأرشيف وكالة سونا الذي جمعت فيه مثل هذه الفايلات وأوعت. وبلغ بي اليأس من جفاء الصحف لإنشاء مراكز معلومات أن اقترحت على الحكومة أن تنشئ مركزاً تجري عليه من رسوم تفرضها على الصحف.

كان من بين أفكاري التحريرية الأخرى أن أسوى لغة المجلة. وأعني بذلك مسألتين. أن نتفق على طريق رسم كلمات خلافية حتى نكتبها بصورة موحدة في الجريدة. فكلمة مثل “مسئول” تعددت صور كتابتها. ولا يصح أن ترد في نفس المجلة برسوم مختلفة. هذه واحدة. أما الفكرة الأجرأ فكانت إعمال قلم التحرير فيما يرد من مقالات حتى نسوى الكتابة في المجلة على وتيرة واحدة تلتزم الديباجة العربية. وتذكرت تجربتي مع المجلة قبل أسابيع حين جمعتني بالدكتور عبد الله حمدنا الله مجلس امتحان لطالب دراسات عليا. فأحصى له عبد الله أخطاء في الأسلوب أخرجت البحث من مدار الديباجة العربية إلى سواها. وساقني هذا الحرص على هذه الديباجة لإخضاع مقالات لكتاب كبار لهذه السوية الأسلوبية. وخرجت من التجربة بأن أميز مثقفينا يحسنون التعبير عن أفكارهم باللغة الإنجليزية لأنهم تدربوا مدرسياً على ذلك. فإما العربية فهم يكتبون بها كفاحاً أو احتساباً.

ومن بين ذكريات تحرير العربي الأفريقي التي تمكنت مني هو نجاحنا في استدراج المرحوم إبراهيم حسن علام المراجع العام آنذاك للكتابة للمجلة بعد نزوله المعاش. فقد كنت قرأت له كلمة من أطرف ما عرفت أيامها مزج فيها بين اسمه (إبراهيم) وإطلاق “حاج إبراهيم” على (الكلب) عندنا. وراوح بين المعنيين خلال ملابسات في حياته ضحكت لها كثيراً. ولما فكرنا في كاتب لبابنا الأخير الخفيف “عن الزمان وأهله” اقترحت علاماً على السلاوي. وركبنا سيارته ساب وطفقنا ندور شوارع الامتداد الجديد بحثاً عنه. فوجدناه وأكرم وفادتنا وقبل بلطف أن يكتب لنا مرادنا. وكتب قطعة جميلة لعددنا الأول عنوانها “زواج عجوز فان”. وربما كان العنوان من اختياري. وهي عن عوائد الزواج بين شعب الجوامعة الذي نشأ هو بينه في بلدة أم روابة. فحدثنا عن الزواج بالمنيحة أو المنحة وهي الإمهال في الدفع. وعرض لدور النسيبة المبغوض بينهم. ولذا سموا شوكة الحسكنيت السوداء الفتاكة ب “خشم النسيبة”. وزواج العجوز من شابة من أبغض الحلال عندهم. فهم يأخذون الشاب “ساكت على حنجوره (الحنجرة)” بينما يلعنون الشائب ب “الملة الفوق صنقوره”. وحكي عن حفر الآبار وحيل ذلك كما تحدث عن إحسان الجوامعة لقص الأثر أو القيافة.

لم يحتمل نظام نميري العربي الأفريقي فأهلكها. مع أننا لم ندخر وسعاً في “ترقيد شعرة جلده”. فما كان خافياً علينا أنه نظام لا صبر له على التعبيرات المستقلة. واتخذ من ذريعة تحالف قوى الشعب العاملة سبباً ليطوي كل شيء تحت مظلته: الاتحاد الاشتراكي الفرد كما كان يقال بفخر مستبد. وفاتحت السلاوي، صاحب الامتياز، في ضرورة تأمين المجلة من القيل والقال وكيد النظام وشماتة المعارضين الذين لا يؤمنون أنه بوسع أحد أن يؤدي خدمة متجردة للوطن في شرط استبداد نميري. وهم سينتظرون إلى يوم الخلاص منه ليأذنوا بالصحافة. واقترحت عليه أن يجعل الغلاف كله لنميري. ولم يعجب السلاوي الاقتراح لأنه خشي ألسنة المعارضين الحداد. وراجعته فقبل على مضض. وما قبل حتى أبدع في اختياره صورة من أرشيف وزارة الثقافة والإعلام ظهر فيها نميري ينظر إلى مجسم للكرة الأرضية مركزاً على خارطة أفريقيا والشرق الأوسط. واقتطفنا عبارة له تقول: “لقد توحد السودان محققاً للأمة العربية صيغة جديدة لا تتعارض فيها أفريقيته مع عروبته”. وظننا أنّا ألقينا للوحش الهائج قطعة من اللحم النيء كما يقول اهل الإنجليزية عن ملاطفة الشرير. ولم تسلم المجلة من بطش نميري. فأوقفها.

ولا نعرف حتى الآن بالتحديد سبب تعطيلها للأبد. ولم يتفضل النظام علينا بوجهة وسمعنا بدلاً عن ذلك تكهنات. فسمعنا أن الصورة السخية التي ظهرت بها المجلة: مادة غنية ألوانها مفروزة تسر الناظر، وسوست للنظام. فظن أن ليبيا، عدوه اللدود آنذاك، هي التي انفقت عليها. وقيل لنا أن المؤسسة الصحفية الرسمية هي التي كانت وراء هذه الوسوسة لأنها فشلت بصورة ذريعة في إخراج أي من مجلاتها بما يشبه العربي الأفريقي من قريب أو بعيد. ولكن وجدت من رد التوقيف إلى نشرنا للدكتور عبد لله النعيم كلمة بعنوان “عودة الدين في الغرابة: الدين غائب، الدين عائد، وهو عائد في غرابة”. وهي كلمة خصصنا لها باباً عنوانه “رؤية إسلامية” ننشر فيه عقيدة الفرق الإسلامية السودانية في مناسبة بدء القرن الهجري الخامس عشر. وربما لم نوفق في البدء لرؤية الجمهوريين. فقد اتضح لي لاحقاً أن النصف الثاني من عقد السبعينات كان مسرحاً لصراع شديد بين الجمهوريين والعلماء الدينية. فقد تعقب العلماء الجمهوريين وأستاذهم محرضين المصلين عليهم في كل جامع وفوق كل منتدى لحمل الحكومة على تنفيذ حكم الردة في الأستاذ وفض تلاميذه عنه ومنعهم من الدعوة لفكرتهم. وأرادوا من ذلك تنفيذاً قرار محكمة الردة الأولى ضد الأستاذ محمود في 1968. وبدا لي من بحثي المتأخر أن جهلنا بخفايا صراع محمود والعلماء رمانا في نشر مقال ربما استفز العلماء المتنفذين لسد كل فرجة يتسرب منها فكر خصمهم الألد. ولم يمنع تحوطنا لكبر نفس نميري برسم صورته على الغلاف من التوقيف. فقد غابت عنا أشياء أخرى.

لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما رضيت من تجربة العربي الأفريقي بديلاً. كلها: باسطة سلا. رفقة عبد الرحمن وأخوته والمحررين والمصممين والمعينين كلهم. كنت رئيس تحرير لعدد واحد. ولكنه عدد ولا كل الأعداد.

عبد الله علي إبراهيم

إنضم لقناة النيلين على واتساب

المصدر

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: العربی الأفریقی

إقرأ أيضاً:

صحيفة كندية تؤكد قدرة القوات اليمنية على شل الحركة البحرية السعودية

وأكدت أن القوات المسلحة اليمنية أعلنت على لسان ناطقها العسكري العميد يحيى سريع يوم الاثنين أنها ستفرض حظراً بحرياً على السعودية رداً على الحصار المفروض على اليمن والهجوم الأخير على مطار صنعاء الدولي. وبذلك فإنها تهدد طريقاً بحرياً حيوياً آخر للشحن العالمي، مما يثير مخاوف من استئناف الصراع.

 

وذكرت الصحيفة الكندية أن مضيق باب المندب، الواقع في الطرف الجنوبي لشبه الجزيرة العربية، يُعد بوابة البحر الأحمر، حيث يمر عبره ما يقارب 12% من التجارة العالمية. ويمر ربع حركة الحاويات العالمية عبر هذا المضيق الذي يبلغ عرضه 32 كيلومتراً، من وإلى قناة السويس.

 

وأضافت أن المملكة كانت مُعرّضةً لضغوطٍ بالفعل لاستخدامها خط أنابيب النفط الممتد من الشرق إلى الغرب إلى البحر الأحمر كبديلٍ لمضيق هرمز، الذي لا يزال تحت السيطرة الإيرانية منذ الهجوم الأمريكي الإسرائيلي في 28 فبراير/شباط. وينقل السعوديون ملايين البراميل من النفط الخام يومياً عبر هذا الخط.

 

وأوضحت الصحيفة الكندية أنه منذ عام 2015 تقود السعودية تحالفاً عسكرياً ضد اليمن وفرضت عليه حصاراً جوياً وبرياً وبحرياً، حتى تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار عام 2022. وتعرضت هذه الهدنة للتهديد في الأيام الأخيرة، عندما استهدفت السعودية مطار صنعاء الدولي، في محاولة لعرقلة رحلة جوية مدنية إيرانية تقل مرضى وعالقين.

 

وأكدت الصحيفة أن لدى القوات المسلحة اليمنية مخزوناً كبيراً من الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية. ومع ذلك، فإن تعطل حركة المرور عبر مضيق باب المندب سيُجبر شركات الشحن على استخدام طريق رأس الرجاء الصالح، مما يزيد التكاليف بشكل كبير.

مقالات مشابهة

  • اعتراض أهالي زوطر على آلية الدخول إلى البلدة… ورفض لحصر المرور بمسلك واحد
  • 3 دول وهدف واحد.. استضافة أمم أفريقيا 2032
  • تحرير 20 محضر مخالفات ضد أصحاب مخابز بلدية وسياحية بالغربية
  • صحيفة الثورة الجمعة 10 صفر 1448- 24 يوليو 2026
  • ثروت : أنا أول واحد قلت إن الفيفا فيها نيفة
  • وزير الصحة لـ بسمة وهبة : تحرير 507 محاضر لمراكز علاج الإدمان المخالفة
  • صدور العدد السادس من مجلة بحوث الشريعة
  • صحيفة أمريكية تكشف حجم الخسائر الثقيلة التي تعرضت لها القوات الأمريكية بسبب الهجمات الإيرانية
  • صحيفة كندية تؤكد قدرة القوات اليمنية على شل الحركة البحرية السعودية
  • صحيفة عبرية: منح السعودية مفاعلا نوويا خطر وجودي على إسرائيل