البوابة نيوز:
2026-07-24@02:41:06 GMT

سامح قاسم يكتب.. غزة من قمرة القيادة

تاريخ النشر: 10th, April 2025 GMT

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

في زمنٍ يذوب فيه اليقين تحت أقدام المدافع، ويغدو الصمت خيانة، والدم أداة للتفاوض، ينبثق صوت خافت من قلب الحديد، يحمل توقيع ألف جناحٍ رفضت أن تواصل التحليق في سماء تغصُّ بالبكاء. حين أعلن ألف طيّار إسرائيلي رفضهم الاستمرار في القتال في غزة، لم يكن ذلك موقفًا عابرًا بقدر ما كان تمزيقًا لرايةٍ ظنّ الجميع أنها لا تسقط.

كان أشبه بانشقاق السحاب في يومٍ قاتم، أو برفرفة حمامةٍ فوق جدارٍ أُثخن بالرصاص.

 

من هم هؤلاء الألف؟ لا نعرف أسماءهم، ولا صورهم، لكننا نعرف وجوههم بالحدس: وجوه أنهكها القصف، لا من شدته بل من فراغه. وجوهٌ رأت الحقيقة تتعرّى تحت أضواء قمرة القيادة، وجوهٌ لم تعد قادرة على التصفيق لجثةٍ ترتجف، أو لطفلٍ يموت مرتين: مرةً بالضربة، ومرةً بصمت العالم.

 

إن رفضهم ليس فعلًا عسكريًا، بل قصيدة سياسية، احتجاجًا مكتومًا بلغةٍ يعرفها الطيارون فقط: الامتناع عن الطيران. هو صرخة من داخل آلة الموت، من قلب المؤسسة التي طالما روّجت لفكرة "الطهارة الأخلاقية" للجيش، فإذا بهذه الطهارة تتآكل عند الأكتاف التي لم تعد تحتمل أن تضغط الزناد.

 

قد يقول قائل: ماذا يعني رفض ألف طيّار، في جيشٍ يضم الآلاف غيرهم؟ لكن الأدب يعلمنا أن الرمزية أقوى من العدد. في كل طيّارٍ رفض، هناك مرايا تتحطم في صالونات السياسية، وأقنعة تسقط من وجوه معلّقي الأخبار. إنهم ليسوا مجرد أفراد، بل مِشْعَلٌ أُضرِم في قاع الحجرة السوداء.

 

ليس من السهل على من تربّى داخل السردية الصهيونية، على مفردات "الأمن" و"العدو" و"الحق التاريخي"، أن يستفيق على ضوء الحقيقة: أن الطائرة التي تُقلع من قاعدةٍ عسكرية لا تعود دائمًا محمّلة بالنصر، بل أحيانًا بالعار. وأن زرّ القصف قد يشعل داخلك حربًا لا تُطفأ.

 

إن هذا الرفض العلني يعكس تصدّعًا في العمق النفسي للإسرائيلي العادي، ذاك الذي لم يعد يقوى على ابتلاع التبريرات: "الدفاع عن النفس"، "ضرب البنية التحتية لحماس"، "عمليات جراحية دقيقة". فحين تصبح الأجساد هي البنية التحتية، والأطفال هم الأهداف الجراحية، تنفجر الكلمات من الداخل، وتتحول الطائرات إلى أصفادٍ في معصم الضمير.

 

لم يعد الرفض عملًا فرديًا، بل فعلًا جماعيًا ينتمي إلى أدب الاعتراف، وتاريخ الكفّ عن القتل. إن الطيار الذي يرفض أن يحلّق فوق غزة اليوم، يكتب فصلًا في رواية مغايرة، رواية لا تُروى في الصحف الرسمية، لكنها تُتداول همسًا بين الضمائر القلقة، وبين أسرّة الجنود الذين لم يعودوا ينامون.

 

قد لا توقف هذه الخطوة آلة الحرب، لكنها تُحدث صدعًا فيها. والصدع هو البداية. البداية التي تنتظرها السماء التي اعتادت أن تكون ساحة معركة، لا غيمة سلام.

 

وحين يرفض ألف طيار أن يقاتل، فذلك ليس انسحابًا من المعركة، بل اقتحامٌ للمعنى.

 

لعل التاريخ سيقول لاحقًا: هنا، في هذا الرفض، بدأ الانهيار الأخلاقي للجدار، لا بفعل الصواريخ، بل بفعل أولئك الذين امتنعوا عن إطلاقها.

المصدر

المصدر: البوابة نيوز

إقرأ أيضاً:

ترامب: تكلفة الأضرار بالسفن ستُدفع من الأموال الإيرانية التي نسيطر عليها

(CNN)--  قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الخميس، إن أي أضرار تلحق بالسفن أو الشحنات "سيتم سداد تكلفتها من الأموال الإيرانية التي تحوزها الولايات المتحدة وتسيطر عليها".

وكتب ترامب في منشور على منصته "تروث سوشيال": "قد تكون هذه الأضرار جسيمة للغاية، ولكن مع ذلك، فإن هذا هو الإجراء العادل والمنصف".

ويأتي هذا المنشور في أعقاب استهداف المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران لسفن سعودية في البحر الأحمر، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط لتصل إلى 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ مايو/ أيار.

مقالات مشابهة

  • “قاسم”: القبلية توثر على آليات التوظيف واختيار القيادات بمؤسسات الدولة
  • ترامب: تكلفة الأضرار بالسفن ستُدفع من الأموال الإيرانية التي نسيطر عليها
  • عاجل | القيادة المركزية الأمريكية: بدأنا جولة جديدة من الضربات ضد أهداف عسكرية إيرانية
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • مصطفى بكري: تحرك الكونجرس يكشف تصاعد الرفض الأمريكي للتصعيد العسكري مع إيران
  • المسلاتي: أي تسوية سياسية لن تنجح إلا إذا انطلقت من ثوابت القيادة العامة
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • تسريب يفتح باب التساؤلات حول صراع داخل القيادة الإيرانية في لحظة حرجة
  • بيانُ الميدانِ يكتبُ معادلةَ الحصارِ بلغةِ النار