تفكيك خطاب الخرطوم مدينة غير آمنة
تاريخ النشر: 19th, April 2025 GMT
رغم الانتصار الكبير الذي حققته القوات المسلحة والقوات النظامية بإعادة سيطرتها الكاملة على ولاية الخرطوم، وإخراج مليشيا الجنجويد من أحيائها، لا تزال بعض الأصوات تردد أن الخرطوم “غير آمنة”.
هذا الوصف الذي يبدو في ظاهره حريصاً على الواقع الأمني، يخفي في باطنه خلطًا خطيرًا بين نوعين مختلفين من التهديدات: التهديد الوجودي الذي شكّله احتلال المليشيا، والتحديات الأمنية الجنائية التي تلي مرحلة التحرير وتستوجب إعادة البناء.
إن الخرطوم اليوم لا تعاني من غياب الدولة كما كان عليه الحال في فترة احتلال الجنجويد لأحيائها. آنذاك، شهدنا جرائم ممنهجة تتراوح بين القتل والاغتصاب والتعذيب والنهب الجماعي، وتمتعت المليشيا خلالها بغطاء تنظيمي وعسكري جعلها تمثل تهديداً وجودياً لكيان الدولة ذاته. كان المواطن في تلك اللحظة يواجه آلة قتل لا تعترف بأي قانون، ولا تقيم وزناً لأي عرف أو دين أو ضمير.
اليوم، وبعد طرد الجنجويد من الخرطوم، انتقلنا إلى مرحلة جديدة، وهي مرحلة ما بعد الصدمة، والتي تتسم بضعف أمني نسبي وجرائم فردية أو شبه منظمة، لكنها بالتأكيد لا ترقى إلى حجم التهديدات السابقة.
من الخطأ – بل من الظلم – أن نساوي بين وجود مجموعات صغيرة تمارس السطو أو النهب في ظل عدم اكتمال إنتشار الشرطة، وبين وجود مليشيا مسلحة ارتكبت جرائم إبادة وعنف جنسي ممنهج بحق المدنيين.
هذا الخلط يُضعف الجهود المبذولة لإعادة الاستقرار، ويفتح الباب أمام الحرب النفسية التي تسعى بعض الأطراف إلى تأجيجها لترسيخ شعور دائم بانعدام الأمان، حتى بعد استعادة الدولة لمواقعها.
وقد أثبتت تجارب دولية كثيرة أن مرحلة ما بعد التحرير من الجماعات المسلحة عادةً ما تشهد انفلاتاً أمنياً جزئياً بسبب الفراغ الذي تخلّفه الحرب، وصعوبة إعادة الانتشار الفوري للأجهزة النظامية.
في العراق بعد طرد تنظيم داعش من الموصل، استمرت عمليات السلب والسرقة لعدة أشهر، رغم إعلان التحرير، إلى أن تمكنت الشرطة من بسط سيطرتها تدريجياً. وكذلك في مدينة ميدوغوري بنيجيريا، عقب إخراج جماعة بوكو حرام، ظلت المدينة تشهد انفلاتاً أمنياً وجريمة حتى استعادت السلطات السيطرة الأمنية الكاملة بعد عام كامل من إعلان الانتصار العسكري. حتى في مدن كبرى مثل نيويورك عقب أحداث 11 سبتمبر، ارتفعت معدلات الجريمة مؤقتاً نتيجة ارتباك الأجهزة الأمنية وتحوّل اهتمامها نحو التهديدات الكبرى، لكن الأمر عولج لاحقاً بفعالية.
ما تعيشه الخرطوم اليوم ليس استثناءً من هذه القاعدة، بل هو سيناريو طبيعي لمدينة خرجت من تحت براثن ميليشيا إجرامية كانت تمارس الحكم بقوة السلاح. التحديات الأمنية الراهنة يمكن السيطرة عليها، وهي في متناول الدولة والمجتمع معاً، شريطة توفر العزيمة والتعاون.
في ظل هذه الظروف، تقع على عاتق المواطن مسؤولية كبيرة في حماية نفسه ومحيطه، والتعاون مع السلطات لا الاكتفاء بلعب دور الناقد السلبي. ومن هنا، تبرز أهمية توعية الناس ببعض الإجراءات البسيطة التي يمكن أن تقلل من تعرّضهم للمخاطر، مثل تجنب التحرك الليلي في الأماكن المعزولة، عدم حمل مقتنيات ثمينة، والتنسيق بين الجيران لتأمين الأحياء، إضافة إلى ضرورة الإبلاغ الفوري عن أي نشاط مشبوه.
كما يُطلب من الجميع الامتناع عن ترويج الشائعات أو تصوير العاصمة كأنها غابة، فمثل هذه السرديات لا تخدم سوى أعداء السودان، وتمنحهم فرصة الترويج لفشل الدولة حتى بعد الإنجازات الواضحة. الخرطوم اليوم تنفض عنها غبار الاحتلال، وتدخل مرحلة التعافي، وكل من يقارن حالها اليوم بما كان عليه الوضع قبل أشهر يرتاح ضميره ويقينه.
القول بأن الخرطوم “غير آمنة” بشكل مطلق ليس توصيفًا واقعيًا، بل موقفٌ نفسي أو سياسي غير دقيق. الخرطوم تحررت، نعم، لكنها تحتاج إلى وقت ومشاركة شعبية واعية لكي تتعافى بالكامل. الفرق كبير بين مدينة تقاتل لتعيش، وبين مدينة كانت تُغتصب وتُنهب وتُحرق على يد عصابة تتقن القتل.
وعلى هذا الأساس، فإن مسؤولية كل وطني حقيقي اليوم هي أن يُسهم في البناء، لا في التشكيك. فالأمن مسؤولية جماعية، كما أن الوعي بالفرق بين الخطر والاضطراب هو أول خطوة نحو استعادة الحياة.
عميد شرطة (م)
عمر محمد عثمان
١٨ أبريل ٢٠٢٥م
المصدر
المصدر: موقع النيلين
إقرأ أيضاً:
لقاء سري في بريطانيا يجمع الإمارات بـالدعم السريع.. الخرطوم تحتج
كشفت صحيفة "ميدل إيست آي" أن بريطانيا تستضيف اجتماعاً دبلوماسياً "غير معلن" حول مستقبل السودان، بمشاركة ممثلين عن الجناح السياسي لقوات الدعم السريع والإمارات، في خطوة أثارت اعتراضات من الحكومة السودانية، التي قالت إنها لا تملك "ثقة كبيرة" بما تقوم به لندن بعيداً عن العلن.
وبحسب الصحيفة، يشارك نصر الدين عبد الباري، أحد قيادات تحالف "تأسيس" المرتبط بالجناح السياسي لقوات الدعم السريع، في مؤتمر تنظمه مؤسسة "ويلتون بارك" التابعة للحكومة البريطانية، إلى جانب وفد إماراتي، في اجتماع يستمر من الأربعاء وحتى الجمعة.
وأشارت الصحيفة إلى أن الحكومة السودانية المدعومة من الجيش لم تُدعَ إلى الاجتماع، الذي وصفه مسؤولون بريطانيون بأنه "لقاء غير معلن"، فيما لم تقدم وزارة الخارجية البريطانية توضيحات بشأن قائمة المشاركين أو طبيعة النقاشات.
ويأتي الاجتماع في وقت تخوض فيه قوات الدعم السريع حرباً ضد الجيش السوداني منذ نيسان/أبريل 2023، وسط اتهامات واسعة للقوات شبه العسكرية بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين، بينها اتهامات بارتكاب جرائم ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية في دارفور، وفق تقارير أممية وأمريكية.
غضب حكومي سوداني
وانتقد أمجد فريد الطيب، مستشار في مجلس السيادة الانتقالي المدعوم من الجيش، استضافة بريطانيا شخصيات مرتبطة بقوات الدعم السريع، معتبراً أن الخطوة تتناقض مع التصريحات البريطانية السابقة بشأن الانتهاكات المرتكبة في السودان.
وقال لموقع "ميدل إيست آي" إن لندن أصدرت خلال الفترة الماضية مواقف تدين ما وصفها بجرائم الدعم السريع، خصوصاً خلال الهجوم على مدينة الفاشر في ولاية شمال دارفور، لكنها في الوقت ذاته "دعت شخصيات مرتبطة بالدعم السريع إلى بريطانيا لمناقشة مستقبل السودان".
وأضاف: "أي شيء يحتاج إلى أن يكون غير معلن فهو يخفي شيئاً يجعل من الضروري إبقاءه بعيداً عن الأنظار"، معرباً عن قوله إن الخرطوم "لا تملك ثقة كبيرة بما تحاول الحكومة البريطانية القيام به بعيداً عن العلن".
واتهم فريد الطيب لندن باتباع نمط من التعامل المتناقض، قائلاً إن الحكومة البريطانية "تتحدث عن احتمال ارتكاب الدعم السريع جرائم إبادة، ثم تستضيف قياداته لمناقشة مستقبل البلاد".
الإمارات حاضرة رغم النفي
ويأتي حضور ممثلين عن الإمارات في الاجتماع وسط استمرار الاتهامات الموجهة إلى أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها الإمارات بشكل متكرر.
وتشير "ميدل إيست آي" إلى أن قوات الدعم السريع تلقت اتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات في دارفور، فيما تقول الأمم المتحدة والولايات المتحدة إن الجرائم المرتكبة هناك تحمل "سمات الإبادة
الجماعية".
في المقابل، تدعم تركيا ومصر الجيش السوداني، بحسب الصحيفة.
وكانت تقارير دولية وأمريكية قد تحدثت خلال الفترة الماضية عن وجود أدلة على وصول أسلحة ومعدات إلى قوات الدعم السريع، بينما نفت أبوظبي أي دعم عسكري مباشر لها.
لماذا الاجتماع بعيداً عن العلن؟
يقام الاجتماع في مؤسسة "ويلتون بارك" الواقعة في غرب ساسكس، وهي مؤسسة تابعة للحكومة البريطانية تقول إنها تعمل على تسهيل الحوارات السياسية الدولية.
لكن الصحيفة أشارت إلى أن اللقاء السوداني لم يُدرج ضمن الفعاليات المعلنة على موقع المؤسسة، رغم أن غالبية اجتماعاتها يتم الإعلان عنها مسبقاً.
ونقلت عن مصدر في الخارجية البريطانية قوله إن "الجميع ذاهبون" إلى الاجتماع، في إشارة إلى
مشاركة أطراف إقليمية ودولية، فيما أكد موظف في "ويلتون بارك" انعقاد اللقاء.
انتقادات بسبب علاقة بريطانيا بالإمارات
وربطت الصحيفة الانتقادات الموجهة إلى لندن بعلاقاتها الاقتصادية مع الإمارات، مشيرة إلى أن قيمة صادرات الأسلحة البريطانية إلى أبوظبي خلال السنوات الثلاث الأخيرة بلغت نحو 422 مليون جنيه إسترليني.
ونقلت عن خبراء قولهم إن معدات عسكرية بريطانية الصنع ظهرت في ساحات القتال بالسودان، وهو ما يزيد الجدل حول طبيعة العلاقة بين لندن وأبوظبي في ظل الحرب المستمرة.
وقال أحد الخبراء المشاركين منذ سنوات في جهود الوساطة السودانية إن استبعاد شخصيات سودانية رئيسية من الاجتماع "أمر صادم"، مضيفاً أن هناك أشخاصاً شاركوا في الملف السوداني لسنوات ولم تتم دعوتهم أو حتى إبلاغهم باللقاء.
مستقبل السودان على طاولة لندن
ويأتي الاجتماع بعد أيام من تعيين إد ميليباند وزيراً للخارجية البريطانية، في وقت تواجه فيه بريطانيا ملفات دولية عدة، بينها الحرب في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
ورغم أن السودان لا يحتل الأولوية الأولى في السياسة الخارجية البريطانية، يأمل بعض الدبلوماسيين، بحسب الصحيفة، أن يتخذ ميليباند موقفاً أكثر تشدداً تجاه الإمارات بشأن دورها في الحرب السودانية.
وتعد الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، إذ أسفرت عن مقتل أعداد كبيرة من المدنيين ونزوح أكثر من 14 مليون شخص منذ اندلاعها.