لجريدة عمان:
2026-07-24@09:06:17 GMT

الحفاظ على ثلاثية السمات الاجتماعية في عُمان

تاريخ النشر: 19th, April 2025 GMT

تشكل السمات الثلاث (التسامح - التعايش - التضامن) عناصر أساسية لبقاء وديمومة المجتمع في عمان، ذلك أنها تشكل سمات عمومية (Social contributions) مكنت المجتمع من ضبط العلاقات الاجتماعية من ناحية، ومن ضبط علاقته بالآخر من ناحية، ومن تشكيل قاعدة للدعم الاجتماعي للأفراد والدولة من ناحية أخرى. وفي تقديرنا هناك أهمية للتركيز على هذه السمات الثلاث وإيجاد الآليات المؤسسية والثقافية والاجتماعية للحفاظ عليها في تركيبة المجتمع، واستدامتها عبر الأجيال المتعاقبة، وهذه الأهمية تنبع من ثلاثة محكات رئيسية: الأول يتصل بتأثيرات الانغماس في الحركة العالمية، ومشهد التغير العالمي، وهو ما يفرض احتكاكًا واسعًا بالأفكار والمرجعيات الثقافية وتركيبات الشخصيات والقيم والمبادئ المتباينة والمختلفة، وفي هذه الحالة تحرك ثلاثية التسامح والتعايش والتضامن القائمة على مرجعية أصيلة، وقيم اجتماعية واضحة ومتفق عليها حالة التفاعل الإيجابي والبناء مع هذا المشهد المتغير بتجاذباته وموجاته وآليات تدبيره وتسييره.

أما المحرك الثاني فيتصل بقدرة المجتمع على البقاء والحفاظ على نسيجه وسط حالة (الاقتصاد المنفتح)، والذي يفترض معدلات عالية من الهجرة القادمة، وأنماط متنوعة من الجنسيات التي تنشط في هيكل الإنتاج الاقتصادي، بالإضافة إلى ما تفرضه أنماط العمل العابرة للحدود، والتنافس المحموم في المنطقة لتوفير أفضل مزايا جذب الاستثمار لأكبر سياق تنوع من بلدان تصديره. وحيث لا يمكن لهذا الاقتصاد أن ينجح ويستدام دونما وجود سياق اجتماعي مستقر وداعم للسياسات الموجهة له. أما المحرك الثالث فهو داخلي ويركز على حالة التضامن الاجتماعي في الداخل، وذلك في مواجهة ما قد ينشأ من محاولات لنشر أفكارٍ دخيلة، أو محاولات نشر اتجاهات إقليمية وتسويقية من شأنها تقويض النسيج الاجتماعي. كما أن التضامن يشكل دعامة اقتصادية مهمة للمجتمعات خاصة في الحالة التي تنتقل فيها من اقتصاديات الريع (Rentier economy) إلى «الاقتصاد التشاركي في العبء المالي» (Post-Rentier Economy)؛ حيث تسند هذه السمة نشوء اقتصاديات التضامن أو ما يُعرف بـ «الاقتصاد الاجتماعي»، كما أنها تشكل إحدى شبكات الأمان الاجتماعي للحالات والظواهر التي قد تنشأ عن مثل هذا الانتقال.

ورغم أصالة هذه السمات في التركيب الاجتماعي للمجتمع في عُمان، فإن سياق البحث والتحليل والتنقيب فيها، وفي بنيتها وتطوراتها، وما يطرأ عليها من متغيرات ما زال محدودًا جدًا، ويميل إلى الطابع الاحتفائي في غالبه، والأجدر في تقديرنا أن مثل هذه السمات تخضع بشكل مستمر لحالة الرصد وتبين المتغيرات واستشراف مستقبلها؛ نظير التدافع الثقافي الكوني والذي تحمل ثلاث روافع أساسية: الترويج للمجتمعات متماثلة القيم، وتضمين الاتجاهات القيمية في صيغة منتجات متعددة الأشكال (تجارية، إعلامية، رياضية..)، بالإضافة إلى استخدام تباينات القوة السياسية في توظيف الاتجاهات القيمية كأدوات ضغط وقوة وامتياز. هذه الروافع الثلاث لها اليوم تمثلاتها في الكثير من الأحداث والموجات التي يشهدها العالم مؤخرًا؛ ولذا يصبح من الأجدر تتبع السمات الاجتماعية عبر عدسة البحث المستمر والرصد المتوازن والمنهجي وغير الاحتفائي.

ومع محدودية التنقيب في هذه المسألة نشير إلى بعض ما أنجز ونراه مهمًّا؛ ففي فبراير 2025 نشر المركز الوطني للإحصاء والمعلومات استطلاعًا للرأي حول «التسامح»، ويعد المنشور دورة ثانية من الاستطلاع، حيث أشارت أبرز نتائجها إلى أن 90.9% من الوافدين يرون أن المجتمع العُماني يتسم بالتسامح تجاههم، وهي نسبة مماثلة لنتائج الدورة الأولى. كما أن 90.4% من الوافدين يشعرون بتقبل المجتمع العُماني لهم على الرغم من اختلاف ثقافتهم. ومن بين الدراسات الجيدة التي أنجزت في عام 2018 دراسة أحمد الربعاني «Views of Omani post-basic education students about religious and cultural tolerance» والتي تناولت رؤى طلاب التعليم ما بعد الأساسي حول التسامح الديني والثقافي، وأبرزت في أهم نتائجها أن الطلاب يركزون بشدة على أهمية التسامح الديني والثقافي ولا يؤيدون أي نوع من أنواع العدوان أو الرموز الدينية والثقافية أو تأجيج الخلافات بين الأديان أو الثقافات.

ندعو في هذه المقالة إلى ضرورة الدفع بهذه السمات ضمن الأعمال الاستراتيجية الوطنية؛ فوجود برنامج وطني متخصص في أبحاث التسامح والتعايش والتضامن ضرورة قصوى؛ بحيث يتقصى ما قد يؤثر عليها، ويدرس تفاعلاتها مع المشهد المتغير، ويبحث في الاستراتيجيات السلوكية والمعرفية لاستدامتها، وينبه وينذر نحو السياسات التي قد تؤثر عليها، ويدرس سيناريوهات استبقائها وأدوار المؤسسات الوطنية والمؤسسات الاجتماعية في الحفاظ عليها يعد دعامة أساسية ومركزية للنظر إلى هذه السمات بعين منهجية تحليلية. وبحكم الاحتفاء من الداخل والخارج بهذه السمات في المجتمع العُماني؛ فإن ذلك يمثل فرصة مؤسسات تنطلق من سلطنة عُمان عابرة للحدود لتكون مؤسسات تأثير في تعزيز هذه القيم ونشر رسالتها للعالم، وتقديم سلطنة عُمان كبلد أصيل في التسويق لهذه القيم وتعزيز ركائزها للتفاهم العالمي. ونرى أيضًا بضرورة وجود إطار وطني جامع لهذه القيم يصحب النظام التعليمي ويكون موجهًا لمفاهيمه ومضامينه، وفي الآن ذاته يطور بعض البرامج متوسطة وطويلة المدى، وبعض المبادرات التي تستهدف رفع مستويات هذه القيم وتعميقها في أنشطة التعلم وبيئاته ولدى المنتسبين إلى مؤسساته بتدرجاتها المختلفة. وكما نؤكد ما ذكرناه في مقالات سابقة عديدة بأن توظيف التضامن الاجتماعي في صيغة اقتصاد تضامني وإنشاء أطر تنظيمية ومؤسسية لهذا الشكل من أشكال الاقتصاد من شأنه أن يستنبت القيمة ويستبقيها بطرق غير مباشرة لدى الأفراد من خلال تعاملاتهم مع هذا الشكل من أشكال التدبير الاقتصادي، وهو ما يمثل دعامة أساسية لاستبقاء هذه القيم والحفاظ عليها في بنية المجتمع المعاصر.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: هذه السمات هذه القیم

إقرأ أيضاً:

غرق طفلة فى مياه نهر النيل بالقناطر وجهود للعثور عليها

شهدت مدينة القناطر الخيرية بمحافظة القليوبية واقعة مؤلمة، بعدما اختفت طفلة تدعى "كارما" داخل مياه نهر النيل أثناء لهوها، وسط حالة من الحزن والانهيار سيطرت على أسرتها وأهالي المنطقة.

القبض على عاملين سرقا ماكينة طباعة من داخل مدرسة بالقليوبيةقبل طرحها بالأسواق.. صحة القليوبية تُحبط إعادة تدوير طن أغذية منتهية الصلاحيةمحافظ القليوبية يتابع إزالة أدوار مخالفة ببرج سكني في قليوب ويؤكد: لا تهاون مع البناء المخالفصحة القليوبية : المرور على 375 منشأة طبية خاصة وتحرير 5 محاضر انتحال صفة طبية


البداية كانت بتلقي مدير إدارة البحث الجنائي بالقليوبية، ورئيس مباحث المديرية إخطارًا من رئيس مباحث مركز شرطة القناطر الخيرية يفيد فيه بورود بلاغًا بغرق طفلة في مياه النيل بدائرة مركز شرطة القناطر الخيرية، وعلى الفور انتقلت قوات الحماية المدنية وضباط المباحث إلى مكان البلاغ، حيث جرى الدفع بفرق الإنقاذ النهري وبدء عمليات البحث والتمشيط في محيط الواقعة.


وشهد موقع الحادث تجمع العشرات من الأهالي الذين سارعوا للمشاركة في البحث عن الطفلة، فيما تعالت صرخات والدتها وانهمرت دموع أفراد أسرتها في مشهد إنساني مؤثر، أملًا في العثور عليها.


وأكد شهود عيان أن عددًا من الأهالي نزلوا إلى المياه فور وقوع الحادث للمساعدة في البحث عن الطفلة، بينما تواصل قوات الحماية المدنية جهودها المكثفة، مدعومة بفرق الإنقاذ النهري، للعثور عليها.


ولا تزال عمليات البحث مستمرة حتى الآن، وسط حالة من الترقب والقلق بين أهالي القناطر الخيرية، الذين يترقبون أي تطورات جديدة بشأن مصير الطفلة كارما، فيما تواصل الأجهزة المختصة اتخاذ الإجراءات اللازمة حيال الواقعة.

طباعة شارك القليوبية محافظة القليوبية القناطر الخيرية مياه نهر النيل قوات الإنقاذ النهري

مقالات مشابهة

  • نظرية الميزان.. حوار في العدالة والقرآن والعقد الاجتماعي (٢)
  • السودان.. دعوات لوقف قتل التماسيح النيلية والمطالبة بحلول تحافظ على السكان والتنوع الحيوي
  • غرق طفلة فى مياه نهر النيل بالقناطر وجهود للعثور عليها
  • تقرير: إيران ترفض مقترحاً أمريكياً لوقف إطلاق النار عُرض عليها عبر العراق
  • ترامب: تكلفة الأضرار بالسفن ستُدفع من الأموال الإيرانية التي نسيطر عليها
  • رئيس مجلس الشورى الإيراني: أرادوا معاقبة إيران فعاقبوا أنفسهم بأسعار نفط ثلاثية الأرقام
  • غدا.. انقطاع المياه عن عدة مناطق ببني سويف.. تعرف عليها
  • فيلم عن البابا شنودة.. مقترح من عالم أزهري لإحياء القيم في المجتمع
  • إطلاق الهوية الصوتية والبصرية وشخصيات كرتونية ثلاثية الأبعاد بوحدة التدريب بإعلام العاصمة
  • التنمية الاجتماعية" تطلق النسخة الثانية من "السبت البنفسجي" مع خصومات وعروض مميزة لذوي الإعاقة