البلاد – غزة
تشهد “عملية عربات جدعون” تصعيداً غير مسبوق في طبيعة وحجم التدخل العسكري الإسرائيلي في قطاع غزة، حيث انتقلت إسرائيل من التكتيكات الجوية المكثفة إلى توسيع العمليات البرية في شمال وجنوب القطاع. هذا التوسع يشكل تجسيداً واضحاً لتغول الاحتلال، الذي لم يعد يكتفي بضربات جوية تستهدف المقاومة، بل يسعى إلى فرض سيطرة فعلية على الأرض عبر اجتياح تدريجي قد يفضي إلى احتلال شامل.

المعركة الآن ليست مجرد مواجهة عسكرية بين جيش وقوة مقاومة، بل تحولت إلى مشروع استعماري ينتهك كل الأعراف والقوانين الدولية، ففي الوقت الذي تتحدث فيه إسرائيل عن “تفكيك حماس وهدم أنفاقها”، تمضي قدماً في تنفيذ استراتيجية تمس بأراضي وسكان القطاع بشكل مباشر، عبر تهجير قسري متعمد للسكان المدنيين نحو رفح، مما يشي بسياسة تطهير عرقي ضمنية. هذه السياسة ليست محض رد عسكري بل خطة ممنهجة لإعادة رسم الجغرافيا السياسية في غزة، وهو ما يظهر جلياً في مراحل العملية التي أعلن عنها الجيش، والتي تصل إلى مرحلة إقامة وجود عسكري طويل الأمد على حساب سيادة الفلسطينيين وحياتهم.
تغول الاحتلال لا يقتصر على البعد العسكري فقط، بل يمتد ليشمل الأبعاد الإنسانية، حيث تتحول غزة إلى ساحة مأساوية يتعرض فيها السكان المدنيون لحصار خانق وعمليات قصف ممنهجة أودت بحياة مئات الضحايا، بينهم نساء وأطفال، في مشاهد تذكر بفظائع الحروب الاستعمارية. بيانات وزارة الصحة في غزة التي تشير إلى “مسح عائلات كاملة” من السجل المدني تعكس حجم المأساة، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية لوقف هذا النزيف المتواصل.
على الصعيد السياسي، تكشف العملية عن محاولة إسرائيل لفرض واقع جديد على الأرض يصعب التراجع عنه في المستقبل، عبر توسيع وجودها العسكري في غزة والسيطرة على المعابر الحيوية والمناطق الاستراتيجية. هذا الواقع الجديد يهدد بشكل مباشر فرص التوصل إلى حل سياسي شامل، ويعزز من حالة التوتر الإقليمي التي قد تفضي إلى تصعيد أوسع في المنطقة، وفي هذا السياق، تبقى المبادرات الدبلوماسية التي تقودها مصر وقطر والولايات المتحدة تواجه عقبات كبيرة بسبب تعنت الاحتلال وتصميمه على فرض أجندته بالقوة. كما أن استمرار سياسة الحصار ومنع إدخال المواد الأساسية إلى غزة يثبت أن إسرائيل تستخدم أدوات الحرب الاقتصادية إلى جانب العسكرية، لخلق حالة من الضغط النفسي والمعيشي تهدف إلى كسر إرادة المقاومة وأهل القطاع، لكنها في الوقت نفسه تؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية بشكل كارثي يفاقم معاناة المدنيين ويجعل من القطاع سجناً مفتوحاً.
ويعكس تغول الاحتلال الإسرائيلي في “عملية عربات جدعون” أزمة عميقة في النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي، حيث تتداخل المصالح الأمنية مع مشاريع توسعية تستهدف تصفية القضية الفلسطينية عملياً، ويصبح القطاع مسرحاً لتجربة عسكرية واستراتيجية قد تغير موازين القوة في المنطقة. هذا الواقع يستوجب تحركاً دولياً عاجلاً لا يقتصر على الإدانات، بل يتطلب ضغطاً فعلياً على إسرائيل لوقف هذه السياسات التدميرية وفتح الباب أمام حل سياسي يحفظ حقوق الفلسطينيين ويضمن الأمن والاستقرار الإقليميين.

المصدر

المصدر: صحيفة البلاد

إقرأ أيضاً:

الأمم المتحدة: الأمن الغذائي تحسَّن في غزة لكنه لا يزال هشًّا

أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة أمس أن الأمن الغذائي وتغذية الأطفال قد تحسنا في أنحاء قطاع غزة، لكنهما لا يزالان هشَّين لأن معبرا واحدا فقط للمساعدات ما يزال مفتوحا.
وأشارت الوكالة التي تتخذ مقرا في روما، إلى «تحسن في الأمن الغذائي وتغذية الأطفال في جميع أنحاء قطاع غزة»، لكنها «حذَّرت من أن هذا التقدم المنجز بفضل توسيع نطاق الوصول إلى المساعدات الإنسانية المتعلقة بالغذاء والتغذية والزراعة والصحة، لا يزال هشًّا».
وأضافت أن هناك زيادة «كبيرة» في المساعدات الغذائية منذ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025.
تم تسليم طرود غذائية إلى نحو 1,5 مليون شخص في مايو، في حين تلقى نحو 700 ألف شخص مساعدات نقدية، وحصل 60 في المئة من الأطفال دون الخامسة على دعم غذائي.
وكان توم فليتشر، مسؤول المساعدات في الأمم المتحدة، دعا الشهر الماضي إلى فتح جميع المعابر المؤدية إلى قطاع غزة، ورفع فوري للقيود الإسرائيلية المفروضة على دخول السلع، مثل المعدات الطبية والوقود.
وذكر برنامج الأغذية العالمي مؤشرات أولية في القطاع تفيد بإمكان «استعادة الإنتاج الغذائي المحلي، في حال تمكّن المزارعون ومربّو الماشية من الوصول إلى الأراضي الزراعية، ومستلزمات الإنتاج، والأصول الإنتاجية، والدعم البيطري، وغيرها من الخدمات الأساسية مثل الطاقة اللازمة للري».
وأشارت الوكالة الأممية إلى قطاع الثروة الحيوانية «حيث ارتفعت أعداد الأغنام بنسبة 33 في المئة في المناطق التي استمر فيها تقديم الدعم».
لكنها حذّرت من أن «هذا الأمر له حدود، ما لم تُرفع القيود المفروضة على ما يدخل إلى القطاع».
ألحق العدوان الإسرائيلي الذي استمرت عامين على القطاع أضرارا جسيمة بالقطاع الزراعي في غزة.
وذكر برنامج الأغذية العالمي أن أكثر من 70 في المئة من الأراضي الزراعية في غزة يتعذر الوصول إليها، وأن 3 في المئة فقط صالحة للاستغلال حاليا.

قطاع غزة الأمم المتحدة  الأمن الغذائي

مقالات مشابهة

  • الناطق العسكري باسم القسام: تصعيد الاحتلال لعدوانه لن يجلب عليه إلا الويلات
  • جيش الاحتلال الإسرائيلي يلغي إجازات القوات في الضفة الغربية
  • الأمم المتحدة: الأمن الغذائي تحسَّن في غزة لكنه لا يزال هشًّا
  • فتح: مجزرة تل الدمويّة تؤكّد استفحال النزعة الإرهابيّة للاحتلال والمستوطنين
  • الخارجية الفلسطينية تدين المجزرة التي ارتكبها المستوطنون بالشراكة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي غرب نابلس
  • تصعيد إسرائيلي في بلدة الخيام بقضاء مرجعيون بلبنان
  • توتر غير مسبوق.. الخارجية الأمريكية تطلب تفسيرا رسميا من ماليزيا بشأن إسرائيل
  • تحذير فلسطيني من أخطر تصعيد إسرائيلي لتكريس السيطرة على المسجد الأقصى
  • الطيران الحربي الإسرائيلي يستهدف مخيم البريج وسط قطاع غزة
  • دخول 5 شاحنات غاز طهي إلى غزة وتوزيعها على نحو 11 ألف مستفيد