وكيل الأزهر: الشعوب إذا لم تتسلح بالعلم والمعرفة فلن يكون لها أثر في العالم
تاريخ النشر: 31st, October 2025 GMT
أكد وكيل الأزهر الشريف الدكتور محمد الضويني أهمية العلم والمعرفة، وقال إن العلم سلاح والمعرفة قوة، وأن المجتمعات والشعوب إذا لم تتسلح بالعلم والمعرفة فلن يكون لها أثر في العالم الذي ربما تتوقف أحداثه سياسة واقتصادا واستقرارا وأمنا على معلومة، ناهيك عن أثر العلوم والمعارف في مسار الدول والأوطان.
وأضاف وكيل الأزهر: أنه إذا كان العصر الحاضر ثريا بالمعرفة ومصادرها فإن هذا في ذاته تحد كبير يوجب علي الشباب أن ينتبهوا لمصادر تكوين عقولهم، ومنابع بناء قناعاتهم، فكثير من المصادر موجهة، تدس السم في العسل .
وذكر وكيل الأزهر، الشباب، خلال كلمة الخميس، في افتتاح الملتقى التاسع الذي يعقده مكتب الندوة العالمية للشباب الإسلامي بمصر بعنوان: «الشباب والمعرفة» بمشاركة 22 دولة- أن تراثنا وعلومنا وتاريخنا وحضارتنا محل عناية واهتمام لدى الغرب، لذلك لا ينبغي أن ينخدع الشباب بما يُروج من أفكار تدور حول رفض الماضي بالكلية، فعلى الشباب ألا يردد مع من يردد: «ما جدوى البحث في كتب قديمة؟ وما فائدة هذه الجهود التي تبذل في رصد الكتب والمخطوطات والعمل عليها فهرسة وتحقيقا وتحليلا؟.
وأضاف: إذا كان اقتحام علوم العصر ضرورة، فلا بد أن تكون أقدام الشباب ثابتة على أرض صلبة من حضارتنا وتاريخنا وقيمنا؛ فإن الاستغراق فيما يطرحه العصر، والاستجابة غير المشروطة لعطائه المتقلب لا يدع فرصة لليقظة، ويظل ينقل الإنسان خطوة بعد خطوة بعيدا عن هويته وقيمه حتى تملكه حالة من الاغتراب، أو بالأحرى التغريب المتعمد.
ودعا وكيل الأزهر الشباب أن يتذكروا أن العلم لا يستغني عنه مجتمع ولا وطن ولا أمة، وأننا إذا كنا أمة العلم، وأمة «اقرأ» وإذا كنا أمة «أخرجت للناس»؛ فلا يليق بنا أن نخرج للناس بلا علم يرشد حركتنا في الحياة، ويقوم سيرنا فيها! والواجب ونحن نسعى لامتلاك علوم العصر ألا يكون بيننا وبين تراثنا قطيعة معرفية، أو غربة علمية تجعلنا على هامش التاريخ، وكل واحد فينا عليه واجب علمي لا يتعداه إلى غيره.
ولفت إلى أن الجرائم التي ترتكب في حق الإنسانية لم تتوقف عند قطاع غزة فحسب، مشيرا إلى أن السودان يباد أهله، ولا ألم من قلب، مستشهدًا بما تضمنته كلمة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب هذا الأسبوع في إيطاليا، حيث أكد أن مشهد غزة الذي يجثم على الصدور منذ أكثر من عامين ليكشف عن خلل خطير في بنية النظام الدولي، واضطراب بالغ في سياساته، وأن «السلام الدولي» بات أمره رهنا بموازين القوة وعنفوانها، وتجارة الأسلحة ومكاسبها، والحروب واقتصاداتها.
ونبه وكيل الأزهر إلى أن الواقع يفرض علينا سلوكًا نوعيا، فنحن نعيش في عالم مضطرب لا يسمع فيه إلا للأقوى، لافتا إلى أن هذا الملتقى يأتي على درجة كبيرة من الأهمية؛ في ظل ما نعيش صداه من عالم مشحون باشتباكات فكرية، واستقطاب حاد، ومحاولات مستميتة لتدمير دول وشعوب باستخدام أساليب متنوعة، تستهدف المادة الصلبة للوطن، وهم الشباب، وتسعى إلى قطع الشباب عن تراثهم وعلومهم، وتزييف وعيهم وفكرهم.
وتابع وكيل الأزهر خلال كلمته: أن «الشباب والمعرفة» كلاهما قوة لا يستغني عنها وطن ولا أمة، وإذا كان لكل أمة ثروة تعتز بها، ورصيد تدخره لمستقبلها وقوة تبني عليها مجدها ونهضتها، فإن في مقدمة هذه الثروة الشباب الذي يعد الدعامة الأساسية في المجتمع، والثروة الحية الحقيقية فيه، والأمل المرتجى على الدوام.. وإن من مظاهر التحضر والرقي لدى الأمم أن تعنى بالشباب، وأن تهيئ لهم ما يجعلهم رجالا أكفاء أقوياء تقوم الأوطان على سواعدهم.
واستطرد: إن الشباب هم القوة الأكثر تأثيرا في الحاضر وهم المحرك الأهم في المستقبل؛ وجاء الإسلام بمنهج يعلي من قيمة الشباب، ويعمل على تربية نفوسهم، وتوجيه قلوبهم وأفكارهم ومشاعرهم، ويراعي طاقاتهم وقدراتهم الكامنة، ويضع السبل التي تعينهم على تسخير تلك الطاقة في الخير والمعروف، وبما يعود عليهم بالفائدة في أنفسهم وأوطانهم، وبما ينفعهم في الدنيا والآخرة.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: محمد الضويني الأزهر العالم وکیل الأزهر إلى أن
إقرأ أيضاً:
تحولات الشهرة في العصر الرقمي
د. هبة العطار
مُنذُ أن تحوَّل العالم إلى شاشاتٍ صغيرة نحملها بين أيدينا، لم تعد وسائل التواصل مجرد أدوات للاتصال أو الترفيه؛ بل أصبحت مساحات لإعادة تشكيل الوعي الإنساني وأنماط الحضور الاجتماعي، وتغيَّرت معها علاقة الإنسان بالصورة وبنفسه داخل الفضاء العام الرقمي، حتى أصبح الظهور جزءًا من الحياة اليومية لا حدثا استثنائيا مرتبطا بالمشاهير وحدهم.
في ظل هذا التدفق الرقمي المتسارع، لا تكتفي المنصات بنقل المحتوى وحسب، وإنما تشارك في إنتاجه وتوجيه انتشاره، وتحديد ما يظهر وما يختفي داخل بيئة تعتمد على السرعة والتكثيف، ومع هذا التحول أضحى النظر إليها بوصفها أدوات ترفيه وفضاءات ثقافية تُعيد صياغة الذوق العام وأنماط التأثير داخل المجتمع الحديث.
منصة TikTok الشهيرة تحولت من مجرد مساحة رقمية عابرة إلى ظاهرة إعلامية وثقافية أعادت تعريف مفهوم الشهرة وصناعة المحتوى، ومن هنا بات السؤال الحقيقي كيف أعاد هذا الفضاء الرقمي تشكيل علاقتنا بالشهرة والانتباه والتأثير والهوية الإنسانية ذاتها، بغض النظر عن مدى إيجابيات أو سلبيات هذه المنصة؟!
لقد أحدثت منصة TikTok تحولًا عميقًا في فكرة "النجم" كما عرفته الأجيال السابقة؛ ففي الماضي كانت النجومية تمُر عبر أبواب مغلقة تتحكم فيها المؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج والقنوات التلفزيونية، أما اليوم فقد أصبح الظهور أكثر انفتاحًا؛ حيث يستطيع شاب يُغني من غرفته الصغيرة، أو فتاة تقدم محتوى معرفيًا عبر هاتف بسيط، أن تصل إلى جمهور واسع في غضون ساعات قليلة. وهكذا ظهرت نماذج جديدة من المؤثِّرين وصُنَّاع المحتوى الذين لم تمنحهم المؤسسات التقليدية فرصة حقيقية للظهور، لكن الجمهور والخوارزمية معًا أعادا اكتشافهم، ولم تعد الشهرة مرتبطة فقط بالإمكانات المادية أو النفوذ الإعلامي؛ بل أصبحت مرتبطة بقدرة الشخص على جذب الانتباه وصناعة القرب الإنساني وتقديم محتوى يلامس اهتمامات الناس ومشاعرهم اليومية.
لقد تحولت الخوارزمية إلى ما يُشبه "حارس بوابة" جديدًا، يُقرِّر من يظهر ومن يختفي، لكنها تختلف عن الحارس التقليدي في أنها لا تسأل عن الشهادات أو المكانة الاجتماعية بقدر ما تسأل عن القدرة على إيقاف الجمهور ولو لثوانٍ قليلة وسط هذا التدفق الهائل للمحتوى.
وقد قدمت المنصة نماذج إيجابية حقيقية تستحق التأمل والدراسة، إذ برز أطباء ومتخصصون نفسيون وصناع معرفة نجحوا في تبسيط المعلومات وتقديم محتوى توعوي سريع يناسب طبيعة العصر الرقمي وإيقاعه المتسارع، كما ظهرت مبادرات إنسانية ومحتويات داعمة للصحة النفسية، وأصبح بعض الشباب يستخدمون المنصة لنشر رسائل اجتماعية وثقافية تعزز قيم التسامح والتطوير الذاتي والتواصل الإنساني.
ومن اللافت أن كثيرًا من هذه النماذج اعتمدت على العفوية والبساطة أكثر من اعتمادها على الإنتاج الضخم أو الإمكانات الاحترافية، وهو ما خلق نوعا جديدا من العلاقة بين الجمهور وصانع المحتوى، علاقة تقوم على الإحساس بالقرب والتشابه والمشاركة اليومية، لا على المسافة التقليدية التي كانت تفصل المشاهير عن الناس.
غير أن الوجه الآخر للمنصة يكشف عن إشكاليات لا يمكن تجاهلها؛ إذ ظهرت أنماط من المحتوى تقوم على الإثارة الرخيصة والاستعراض المُبالَغ فيه والبحث المحموم عن المشاهدات بأي وسيلة مُمكِنة، فبعض الحسابات تبني انتشارها على افتعال الجدل والصراعات الفكرية أو الدينية، أو تغذية التعصب والكراهية، أو تقديم محتوى قائم على الاستفزاز والصدمات السريعة التي تضمن التفاعل ولو على حساب القيم والمعنى.
هنا لا تبدو المشكلة في التكنولوجيا ذاتها؛ بل في طبيعة البيئة الرقمية التي تُكافئ أحيانًا المحتوى الأكثر إثارةً وصخبًا أكثر من المحتوى الأكثر عمقًا واتزانًا، مما يدفع بعض المستخدمين إلى المبالغة والتطرف من أجل البقاء داخل دائرة الضوء.
وفي هذا السياق، برز ما يُعرف بـ"اقتصاد الانتباه"؛ بوصفه أحد أهم ملامح البيئة الرقمية المعاصرة، ففي عالم تتزاحم فيه الرسائل والصور والمقاطع بلا توقف، أصبح الانتباه ذاته موردًا بالغ القيمة تتنافس عليه المنصات وصناع المحتوى والمعلنون، وتُبنى عليه معدلات الانتشار والتأثير والعوائد الاقتصادية، ومع الاعتياد على الانتقال المستمر بين الصور والأصوات والمثيرات البصرية في ثوان معدودة، يُثار تساؤل مهم حول قدرة الإنسان المعاصر على الاحتفاظ بالتركيز العميق والتأمل الطويل في عالم يتسارع إيقاعه بصورة غير مسبوقة.
ومع ذلك قد يكون من الخطأ النظر إلى TikTok باعتبارها السبب الوحيد لهذه التحولات، فهي- أي المنصة- لا تخلق الرغبة في الشهرة أو البحث عن الاعتراف من العدم، بقدر ما تمنحها فضاءً أوسع للظهور والتضخم، ومن ثم تبدو المنصة أقرب إلى مرآة رقمية تعكس ما يفضله المجتمع وما يتفاعل معه، بقدر ما تؤثر فيه وتعيد تشكيله، لتصبح مسؤولية المحتوى مسؤولية مشتركة بين الخوارزمية وصانع المحتوى والجمهور على حد سواء.
إنَّ TikTok أكثر من مجرد منصة للترفيه السريع؛ فهي انعكاس واضح لتحولات الإنسان المعاصر وطريقته المستمرة في البحث عن الحضور والتأثير والاعتراف داخل العالم الرقمي، ورغم ما تُتيحه من فرص واسعة للتعبير والظهور، وما تُثيره من تحديات تتعلق بطبيعة الانتباه وقيمة المحتوى في عصر السرعة، تبقى الحقيقة الأهم أن المنصات قد تمنح الضوء والانتشار، لكنها لا تصنع وحدها المعنى؛ فالقيمة الحقيقية ليست في عدد من يشاهدوننا، وإنما في الأثر الذي يبقى بعد أن ينتهي المشهد ويُغلق الجميع شاشاتهم.
رابط مختصر