مسلم وسط أكبر تجمع لليهود في العالم
تاريخ النشر: 13th, November 2025 GMT
الطفل الذي وُلد لأب مفكر مناهض للاستعمار ومؤلف كتاب؛ "المسلم الجيد، المسلم السيئ"- وهو نص يُعد من أنجع الأعمال في دحض الإسلاموفوبيا- ولأم هي المخرجة السينمائية الهندية الشهيرة ميرا ناير، المعروفة بفيلم "زفاف موسمي"، يبلغ الآن من العمر 34 عاما، وسيكون أصغر من يتولى قيادة مدينة نيويورك منذ أكثر من قرن.
لكن الأهم من ذلك أن هذا الشاب الكاريزمي، الذي نجح في تحفيز الشباب على التصويت، ودفع جيشا من النشطاء لطرق أكثر من مليوني باب لحث الناخبين، سيكون أول مسلم يتولى منصب عمدة مدينة تُعد موطنا لأكبر تجمع يهودي في العالم.
في خطاب النصر، قال ممداني: "هذه المدينة ملكٌ لكم". وتابع قائلا: "لقد فزنا لأن النيويوركيين سمحوا لأنفسهم بأن يأملوا بإمكان المستحيل
في مدينة طالما هيمنت عليها السياسة الصهيونية، لم يدّخر أثرياء المدينة المرتبطون بإسرائيل وسيلة إلا لجؤُوا إليها لإفشاله، وأنفقوا مبالغ غير مسبوقة وفاحشة من أجل هزيمته.
ووفقا لموقع "دروب سايت نيوز"، فإن مؤيدي الحاكم السابق كومو أنفقوا أكثر من 50 مليون دولار، أي ما يزيد سبع مرات على ما أُتيح لممداني.
وعبّر الصحفي جيم نوركاس عن ذلك بقوله: "أنفقت القوى المؤيدة لكومو 56 مليون دولار لتحصل على 41.6% من الأصوات، أي ما يعادل 65 دولارا لكل صوت".
هذه الأموال موّلت إعلانا هجوميا مُنتجا بالذكاء الاصطناعي، وأغرقت مدينة نيويورك بهستيريا معادية للمسلمين وخطاب كراهية، وصفه الكاتب باتريك لورانس بأنه "أوحل مجاري السياسة".
أما الروائية الكندية المعروفة جويس كارول أوتس، فقد وصفت الحملة الانتخابية بأنها "مجارٍ دعائية نازية غير مسبوقة من اليمين المتطرف، كالتي أغرقت مرشحين كُثرا من قبل".
ومع ذلك، انتصر ممداني.
لقد أدرك اللوبي الإسرائيلي القوي في نيويورك، إلى جانب سياسيين يمينيين آخرين معادين له، أن الدفاع عن إسرائيل بات خاسرا، فلجؤوا إلى خطاب معادٍ للإسلام على نحو سافر.
إعلانوكما وصفت مجلة "رولينغ ستون"، فقد اجتاحت الإعلام ومواقع التواصل "موجة كراهية مضلِّلة"، وُجّهت له فيها اتهامات تمتد من كونه "شيوعيا" و"جهاديا"، إلى "معادٍ للسامية" و"إرهابي عالمي".
بل زُعم أنه سيرحب بهجوم آخر كالذي حدث في 11 سبتمبر/أيلول، وحذرت حملات التشويه من أن "لا يهودي سيكون في مأمن" في نيويورك إن فاز، وطُلب من اليهود مغادرة المدينة.
وسخر الكوميدي البارع جوش جونسون من ذلك في أحد عروضه قائلا: "كانوا ينتقدونه؛ لأنه لم يكن كارها للإسلام بما يكفي ليتماهى مع سردياتهم".
ممداني بين فلسطين وطبقة الأغنياءولم يشفع له أنه عبّر ببساطة عن رأي رافض للإبادة الجماعية، وهو موقف يشاطره كثير من سكان نيويورك وأميركا. كما أشار ماكس بلومنثال في لقاء مع "ديالوغ ووركس"، قائلا: "نيويورك باتت قبلة للشباب الذين يرون في فلسطين اختبارا أخلاقيا لعصرهم. لقد ظهرت طبقة جديدة- ومعها كثير من سكان نيويورك الأصليين- ترفض سياسات الصهيونية التي سادت من قبل".
وكان التصريح الأكثر إثارة للجدل من جانب ممداني، وعده بأنه سيقوم باعتقال بنيامين نتنياهو إن وطئت قدماه مدينة نيويورك مجددا، بوصفه مجرم حرب. وقد صرّح بذلك خلال كلمة ألقاها بالتزامن مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في أغسطس/آب الماضي، قائلا: "هذه مدينة تؤمن بالقانون الدولي".
ومثلما أرّقت مواقفه المناصرة لفلسطين القوى الصهيونية، أثارت وعوده بخدمة "أبناء المدينة العاديين" غضب الطبقة الثرية المتنفذة في نيويورك، التي اعتادت فرض رغباتها على السياسيين.
إذ طرح برنامجا سياسيا هدفه إعادة جعل المدينة صالحة للعيش بالنسبة لسكانها، لا المستثمرين. من حافلات مجانية تديرها البلدية، إلى متاجر تموينية تابعة للمدينة، ورعاية أطفال مجانية، وبرامج إسكان بأسعار معقولة- كانت رسائله واضحة ومباشرة إلى المهاجرين، والمستأجرين، والعاملين في مرافق المدينة، والشباب.
لم يخفِ مواجهته لمنظومة سياسية طالما خضعت لقوى رأس المال، من الصناعيين ومديري الشركات الكبرى إلى مضارب وول ستريت.
لقد أطلق شرارة تحوّل جذري بين الأجيال، من نظام سياسي تحت قبضة نخب المال، إلى نموذج إنساني يستند إلى العدالة والرحمة.
الإعلام والرمزية الجديدة لنيويوركأما الصحافة الشعبوية في المدينة، فقد جسّدت رؤية المؤسسة الحاكمة تجاه ممداني. إذ أفادت منظمة FAIR أن صحيفة "نيويورك بوست" نشرت، في الأيام التي سبقت الانتخابات، سلسلة افتتاحيات تصاعدية الهجوم ضده، بعناوين مثل: "اخرجوا وصوتوا أيها النيويوركيون- هذه فرصتك لمنع كابوس زهران ممداني".
في المقابل، عبّرت مجلة "ذا نيويوركر" عن لحظة التحوّل هذه بصورة لافتة؛ غلاف يُظهر عربة مترو مليئة بوجوه المدينة المختلفة من كل الأعراق والأنماط والأجيال، يتوسطها ممداني وهو متشبث بحزام التوازن. وكتب أحد مستخدمي فيسبوك معلقا: "كابوس جيه دي فانس (نائب الرئيس الأميركي) أصبح واقعا".
ولا شك أن القوى المناهضة له ستواصل محاولاتها لإفشال رؤيته، واستعادة هيمنة المنظومة الصهيونية في المدينة. بل إن "رابطة مكافحة التشهير" (ADL)، المعروفة بولائها لإسرائيل، أعلنت إطلاق ما أسمته "مراقب ممداني"، لمتابعة سياسات العمدة الجديد و"رصد معاداته للسامية".
إعلانوأشارت مجلة "ذا واير" إلى أن حملات التشويه بدأت مبكرا بوصفها "انفجارا عنصريا هستيريا". كما نشرت "نيويورك بوست" عنوانا رئيسيا يقول: "على ماركسك، استعد، زو!" (تحريف عن: على أهبة الاستعداد، انطلق)، يظهر فيه ممداني ممسكا بالمطرقة والمنجل، رمز الشيوعية.
وكما جرى خلال الحملة، تعمل وسائل الإعلام الكبرى حاليا على تقويض أثر برنامجه. فجاء عنوان صحيفة "نيويورك تايمز": "فوز ممداني أقل أهمية مما تظنون – لن يُنقذ الديمقراطيين".
لقد أظهر فوز زهران ممداني التاريخي أن إبادة غزة أحدثت تحوّلا دائما في مكانة إسرائيل داخل السياسة الأميركية. كما أنه يمثل "منعطفا تاريخيا للمسلمين في أميركا"، كما وصفه الكاتب نهاد عوض.
إنه ردّ صريح على كل من حاول إنكار وجود المسلمين في الحياة العامة، ويجب اعتباره موجة أولى في عكس تيار الكراهية العميق ضد المسلمين، ذلك التيار الذي طالما خنق أصوات الحقوقيين المناهضين للإبادة. كما أنه يمثل رفضا واضحا للصهيونية، ستكون له تداعيات داخل الولايات المتحدة وحول العالم.
لقد فاز ممداني بابتسامة، كما يُظهر مقطع فيديو له وهو يعتلي دراجة المدينة، بينما يصرخ أحدهم: "شيوعي!" فيرد عليه: "تنطق: راكب دراجة!".
لم يتراجع حين هوجم بسبب آرائه أو سياساته، بل شرح مواقفه بصدق وثبات. ومن خلال رفضه سياسات الخوف والكراهية، فتح النيويوركيون الباب لعهدٍ جديد من السياسة الإنسانية، القائمة على الرحمة والتعددية والتضامن مع ضحايا عنف الدولة – وعلى رأسهم الفلسطينيون.
وفي خطاب النصر، قال ممداني: "هذه المدينة ملكٌ لكم". وتابع قائلا: "لقد فزنا لأن النيويوركيين سمحوا لأنفسهم بأن يأملوا بإمكان المستحيل. وفزنا لأننا أصررنا على أن السياسة لم تعد شيئا يُمارَس ضدنا، بل شيئا نمارسه نحن".
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات
إقرأ أيضاً:
إهناسيا المدينة تواصل الكشف عن كنوزها الأثرية
استطاعت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار بمنطقة إهناسيا المدينة بمحافظة بني سويف، برئاسة الدكتور محمد إبراهيم مدير عام منطقة آثار بني سويف، الكشف عن عدد من الاكتشافات الأثرية التي تُلقي مزيدًا من الضوء على الأهمية الدينية والحضارية للمدينة عبر العصور المصرية القديمة واليونانية والرومانية.
وشملت الاكتشافات العثور على كتلة حجرية معاد استخدامها تحمل نقشًا بارزًا لاسم الملك سنوسرت الثالث، يتضمن اسمي التتويج والميلاد، إلى جانب خرطوش آخر يحمل اسم المعبود “أوزير نا رف”، أحد المعبودات الرئيسية التي حظيت بالتقديس في إهناسيا خلال العصور المصرية القديمة والعصر البطلمي.
كما تم العثور عن امتدادات لبازيليكا رومانية، وبقايا معبد دوري قديم، بالإضافة إلى رأس تمثال نادر مصنوع من الرخام للمعبودة أفروديت، إلهة الحب والجمال عند الإغريق، فضلًا عن أجزاء من تماثيل جدارية وقوالب فخارية لسك العملات تعود للعصر الروماني.
وأكد السيد شريف فتحي وزير السياحة والآثار أن هذه الاكتشافات تمثل إضافة علمية وأثرية مهمة تسهم في إبراز القيمة التاريخية الكبيرة لمنطقة إهناسيا المدينة، وتعكس التنوع الحضاري والثقافي الذي شهدته مصر عبر العصور المختلفة.
وأكد على أن الوزارة تولي اهتمامًا كبيرًا بكافة المواقع الأثرية على مستوى الجمهورية، في إطار خطتها لرفع كفاءتها وتطويرها وفتح مواقع جديدة أمام الحركة السياحية، بما يسهم في تنويع المقاصد لمنتج السياحية الثفاقية.
ومن جانبه، أوضح هشام الليثي الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن الكشف عن خرطوش يحمل اسم الملك سنوسرت الثالث يعد من الاكتشافات المهمة، خاصة وأن هذا الملك ارتبط بعدد من المنشآت الأثرية المهمة في إهناسيا المدينة، ما يؤكد مكانتها المقدسة لدى المصري القديم واهتمام ملوك الدولة الوسطى بها.
وأشار إلى أن الكشف عن امتدادات البازيليكا الرومانية يوضح التطور المعماري والوظيفي لهذا الطراز المعماري، حيث استُخدمت البازيليكا في العصر اليوناني كمبنى عام للاجتماعات والأنشطة الإدارية والتجارية، قبل أن تتحول خلال العصر المسيحي المبكر إلى كنيسة لممارسة الشعائر الدينية والاجتماعات الكنسية.
وأضاف الأستاذ محمد عبد البديع رئيس قطاع الآثار المصرية القديمة بالمجلس الأعلى للآثار، أن الدراسة الأولية لبقايا المعبد الدوري القديم أظهرت أن عناصره المعمارية أُعيد استخدامها خلال القرن السادس الميلادي كأساسات وأرضيات حاملة لأعمدة البازيليكا، حيث قام منشئو البازيليكا بإعادة رص الأحجار والكتل الحجرية بصورة غير منتظمة لتكوين قاعدة قوية تتحمل الأوزان الضخمة للأعمدة، والتي يقدر وزن بعضها بنحو 45 طنًا، ولا تزال ثلاثة منها قائمة في مواضعها الأصلية حتى الآن.
وفيما يتعلق برأس تمثال أفروديت، أوضح أن التمثال يُعد من القطع الفنية النادرة، وهو مصنوع من الرخام ويبلغ قياسه نحو 24 × 25 سم، ويتميز بدقة التنفيذ وجمال التفاصيل الفنية التي تظهر ملامح الوجه والشعر المجعد بأسلوب يعكس السمات الفنية الكلاسيكية الشائعة في تماثيل المعبودات والشخصيات البارزة خلال تلك الفترة.
كما أشار الدكتور سامي درديري رئيس الإدارة المركزية لآثار مصر الوسطى، إلى أن بقايا التماثيل الجدارية المكتشفة، إلى جانب قوالب سك العملات الفخارية، تعكس مكانة المدينة خلال العصر الروماني واستمرار ازدهارها الحضاري والاقتصادي، لافتًا إلى أن البعثة تواصل حاليًا أعمال الدراسة والتأريخ العلمي لهذه المكتشفات.
ومن الجدير بالذكر أن إهناسيا المدينة تُعد من أهم المواقع الأثرية في مصر، إذ كانت عاصمة البلاد خلال عصري الأسرتين التاسعة والعاشرة، كما كانت عاصمة الإقليم العشرين من أقاليم مصر العليا، وحظيت بأهمية كبيرة خلال عصور الدولة الوسطى والحديثة والعصر الانتقالي الثالث، فضلًا عن ازدهارها خلال العصرين اليوناني والروماني، حين عُرفت باسم “هيراكليوبوليس ماجنا” أي “مدينة هرقل العظمى”.
وتأتي هذه الاكتشافات في إطار جهود المجلس الأعلى للآثار للكشف عن مزيد من أسرار الحضارة المصرية القديمة، وتعزيز الدراسات الأثرية والتاريخية بالمواقع المختلفة، بما يسهم في الحفاظ على التراث الثقافي المصري والترويج له عالميًا.