لجريدة عمان:
2026-06-03@05:52:55 GMT

من فرساي إلى غزة خراب أكبر سوف يجيء

تاريخ النشر: 23rd, November 2025 GMT

سخر متطرف صهيوني معروف على وسائل التواصل الاجتماعي من تصويت بعض الدول العربية لصالح قرار الإعدام السياسي للقضية الفلسطينية والمعروف باسم ٢٠٣٨ الصادر من مجلس الأمن الدولي ١٧ /١٨ أكتوبر الجاري القرار.

وجاءت السخرية في تغريدة يشكر فيها العرب على دعمهم الخطة (الصهيوأمريكية) للقضاء على «إرهاب» حماس في غزة، وتدمير الحلم الفلسطيني.

تشهد هذه السخرية المريرة ليس فقط على ضعف العرب المخزي في إطاعة قرار ترامب بكل كوارثه، ولكن على عجزهم حتى عن الدفاع عنه بكل سوأته في عملية تطبيقه على الأرض.

تخرق إسرائيل القرار يوميا بل كل ساعة، والعرب الضامنون وغير الضامنين لا يضغطون على ترامب لكي يلزم نتنياهو به.

مازالت غزة تموت جائعة أو مريضة؛ لأن نتنياهو منع تدفق مساعدات الغذاء والدواء بالوتيرة المتفق عليها. ومازالت تموت مقصوفة؛ إذ حول نتنياهو غزة للبنان ثانية، فيقوم بخرق وقف إطلاق النار يوميا على هواه، ويعطي لنفسه حرية الحركة في اصطياد من يشاء من رجال المقاومة الواحد تلو الآخر، كما يفعل مع مقاتلي حزب الله .

يقول المتحدث باسم جيش الاحتلال: إن الأهداف التي يضربها تتم باتفاق كامل مع مركز القيادة الأمريكي في غلاف غزة المفترض أنه يحمي وقف إطلاق النار!

يقوم هذا المقال على استمرار السيناريو الأسوأ الحالي كما يعبر عن نفسه في صيغة الاستسلام المطلق والتسوية المهينة التي تضمنها القرار الذي أيدته دول عربية وإسلامية؛ القرار الذي شكل خضوعهم له إحراجا مخيفا لكل من الصين وروسيا بعدم استخدام حق الفيتو الذي كان سيمنع صدور قرار الانتداب الاستعماري والوصاية الدولية على غزة وفلسطين؛ وذلك مصداقًا للمثل الشائع في الغرب: «لا يمكن أن تكون كاثوليكيا أكثر من الكاثوليك، أو ملكيا أكثر من الملك».

بافتراض استمرار هذا السيناريو القاتم؛ فهل معنى هذا أن ترامب أنهى الصراع العربي/ الإسرائيلي، وقتل المقاومة العربية ودفنها إلى الأبد؟

وهل معناه أن التسوية المذلة ستتحول لنظام سلام وتطبيع إبراهيمي راسخ ودائم، وليس ترتيبا مؤقتا؟

لا يحتاج الأمر إلا إلى احترام خبرة التاريخ الحديث في العالم والمنطقة، بل تاريخ فلسطين نفسها؛ لكي نحصل على الجواب.

يقول التاريخ: إن أكثر من ٧٠٪ من التسويات المجحفة التي فرضت بغرض إكراه الطرف الثاني على الاستسلام المطلق كانت سببًا في اندلاع صراعات وحروب لاحقة أكثر دموية، وظهور قادة سياسيين أو عسكريين أكثر راديكالية وتشددا.

علماء التاريخ والسياسة ومنهم أساتذة مثل «جون ميرشايمر» ومارجريت ماكميلان وباربرا والتر وصلوا لاستنتاج حاسم هو أن الشروط المهينة والمذلة في أي اتفاق مفروض هي مصدر مؤكد لنشوء النزاعات المسلحة أو على الأصح تجددها؛ إذ تخلق بيئة مثالية للانتقام والرغبة في رد الإهانة الوطنية، واستعادة الأراضي أو السيادة أو الكرامة المفقودة.

بعبارة أوضح لا تقل خطورة اتفاق إذلالي مثل القرار ٢٠٣٨ «كمصدر لاندلاع الصراعات الدموية عن مصادر متفق عليها في علم العلاقات الدولية مثل الاختلال الفادح في ميزان القوى «جار قوي وجار ضعيف» أو الصراعات على الحدود والموارد الطبيعية أو صراعات القومية والعرق والدين والأيديولوجيا...إلخ.

لإنهاء الحرب العالمية الأولى فرض الحلفاء معاهدة فرساي ١٩١٩ المذلة لألمانيا، وتضمنت نزع السلاح، وانتقاصا من السيادة واقتطاعا من الأراضي، وإهانة للكرامة الوطنية.

تسببت هذه الشروط المجحفة بفوز النازية المتطرفة بقيادة هتلر بانتخابات البلاد لمجرد أنه قال الموت لمعاهدة فرساي متعهدًا بأنه سيرد كرامة ألمانيا المهدورة. كان هذا الفوز هو البداية لاندلاع الحرب العالمية الثانية التي فاقت الحرب العظمى الأولى في وحشيتها عشر مرات على الأقل.

تنطوي خطة ترامب والقرار ٢٠٣٨ على كل عناصر الإذلال الموجودة في فرساي؛ فهي تهين الكرامة الوطنية الفلسطينية بمجلس سلام دولي يمثل بوقاحة سياسية سلطة انتداب استعماري، ويفرض وصاية حكم أجنبي على غزة فاصلا إياها عن باقي الجغرافيا الفلسطينية. يلغي سيادة الفلسطينيين، فيحول لجنة التكنوقراط الفلسطينيين المقترحة إلى لجنة شؤون بلدية بدون سلطة سياسية.

مثل فرساي أيضا؛ يتضمن القرار ٢٠٣٨ نزعًا لسلاح الفلسطينيين، وليس نزعًا لسلاح المحتل، ويخلو من انسحاب إسرائيلي كامل، أو رفع للحصار المفروض منذ ٢٠٠٥، والذي جعل القطاع أكبر سجن مفتوح في العالم لعقدين من الزمن ولا يزال.

تاريخ العرب وفلسطين نفسه أهم من أمثلة معاهدات الإذلال في فرساي ولوزان.

فعندما أعلن الانتداب البريطاني المذل على فلسطين بقرار عصبة الأمم «مثله في ذلك مثل انتداب ترامب في مجلس السلام على غزة «بقرار مجلس الأمن اندلعت انتفاضات وثورات متواصلة ضد سلطة الانتداب منذ الشهور الأولى فكانت انتفاضة يافا ١٩٢٠وانتفاضة البراق ١٩٢٩ والثورة العربية الكبرى ١٩٣٦.

عندما فرضت اتفاقية خروج المقاومة الفلسطينية المذلة من بيروت عام ١٩٨٢ وظن البعض أن المقاومة انتهت اندلعت الانتفاضة الأولى ١٩٨٧، وعندما عجزت اتفاقية أوسلو المجحفة عن تحقيق السيادة وإقامة الدولة ووقف الاستيطان شجع القائد ياسر عرفات اندلاع الانتفاضة الثانية ٢٠٠٠ التي أرعبت وأنهكت إسرائيل.

تراجع دور فتح في الكفاح المسلح، فبرزت حركة الجهاد الإسلامي وحركة حماس بقيادات أكثر تشددًا وراديكالية. حتى إذا استسلمت حماس والجهاد والشعبية وباقي فصائل المقاومة في غزة لمؤامرة نزع سلاحها في القرار ٢٠٣٨ وهو أمر شبه مستحيل، فستنشأ حركات مقاومة أو عنف عفوية أو منظمة من أجيال لا يوجد في ذاكرتها غير الإبادة الجماعية، والتجويع، وحرق المخيمات بسكانها الأحياء، واستشهاد واختفاء أسرهم بأكملها من السجل المدني.

هذا الجيل اليائس الذي يحرمه القرار ٢٠٣٨من السيادة والكرامة قد يتحول حتى إلى العنف العشوائي، وقد يتوجه ليس فقط لصدور المحتلين والمستوطنين، ولكن للأطراف العربية والإقليمية التي خذلته وفرضت عليه اتفاق ذل لم يتفاوض عليه بنفسه.

في 1982 فرض رئيس جمهوري آخر هو ريجان ومبعوثه فيليب حبيب اتفاق إذعان على لبنان» اتفاق ١٧ آيار، ولكن بعد شهور سقط الاتفاق، وقتل الرئيس اللبناني الذي جلبه الاتفاق، ونشأت في الجنوب اللبناني مقاومة لبنانية «حزب الله» أشرس من المقاومة السابقة، واندلعت ثلاثة حروب مع إسرائيل بعدها ردا على اتفاق الإهانة.

في العراق أذل الاحتلال الأمريكي الكرامة العراقية بحل جيشه الوطني، وإقامة نظام حكم طائفي، وأطلق عقال التطرف؛ فظهرت داعش الإرهابية التي يعترف ترامب نفسه أنها صنيعة أمريكية، وخرجت معظم القوات الأمريكية مثخنة بالجراح.

المشكلة في غزة أنه حتى يتم بناء مقاومة مشروعة ومنظمة مثل حماس والجهاد والآخرين في المستقبل سيكون هناك مخاض قاس من الانفلات وربما صوملة غزة، وقد يشعل هذا حروبا أو يشجع على عودة الإرهاب إلى دول مثل مصر والأردن؛ وكذلك فإن اتفاقا مذلا لنزع سلاح المقاومة في لبنان قد يفجر الأمن في لبنان وسوريا والعراق.

ربما على العرب الذين يظنون أنهم قدموا هذه التنازلات لترامب ليوقفوا الحرب على غزة أن يدركوا أنها مجرد هدنة متقطعة، وأن خرابًا أكبر سوف يجيء، وأنه قد يصل إليهم، ويهدد وجودهم دولا وأنظمة، ولن يقف عند فلسطين.

حسين عبد الغني كاتب وصحفي مصري

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: على غزة

إقرأ أيضاً:

موديز: أمام ترامب أسبوعاً لاتفاق مع إيران لتجنب ركود في البلاد

وأوضح أن عدم التوصل إلى اتفاق سيتسبب في ارتفاع أسعار النفط مجدداً، مما قد يؤدي إلى ركود اقتصادي في الولايات المتحدة، وهو ما توافق معه خبراء اقتصاديون آخرون حذروا من أن الأضرار الاقتصادية الناجمة عن الحرب ستتضح قريباً.

وشهدت أسعار النفط ارتفاعاً حاداً صباح الاثنين، حيث قفزت أسعار خام برنت والخام الأميركي بنحو 7%.

وأشار زاندي، في حديث لوكالة "بلومبرغ"، إلى أن ارتفاع أسعار النفط الخام دفع الولايات المتحدة بالفعل إلى حافة الركود، وأن الأمل معقود على أن يسهم "اتفاق السلام" في خفض الأسعار بما يكفي لإخراج البلاد من العتبة الحرجة، مشدداً على أن المفاوضات المتعثرة يجب أن تفضي إلى اتفاق سريع جداً خلال الأيام القليلة المقبلة لتجنب تفاقم الأزمة.

  تناقص مخزونات النفط وأزمة غلاء البنزين

وأشار كبير اقتصاديي "موديز" إلى تناقص مخزونات النفط الأميركية، حيث انخفض الاحتياطي البترولي الاستراتيجي مؤخراً إلى 365 مليون برميل، وهو أدنى مستوى له منذ عامين تقريباً وفقاً لإدارة معلومات الطاقة.

كما أوضح أنه في حال عدم التوصل إلى اتفاق مع إيران، فإن أسعار البنزين ستصل إلى 5 دولارات للغالون، وهو مستوى نفسي حاسم بالنسبة للمستهلكين كافٍ لدفع الاقتصاد الهش أصلاً إلى الركود والتراجع في الإنفاق والانكماش الاقتصادي، مبيناً أن ارتفاع أسعار النفط الخام إلى أكثر من 125 دولاراً للبرميل سيكون مؤشراً حاسماً آخر يُنذر بالركود، في حين بلغ متوسط سعر غالون البنزين العادي في الولايات المتحدة 4.32 دولاراً يوم الاثنين.

أبحاث الطاقة: خيارات ترامب تنفد قبل نهاية حزيران

وفي السياق ذاته، أشارت شركة "إتش إف آي ريسيرش" المتخصصة في أبحاث الطاقة، والتي وصفت أسواق النفط بأنها وصلت إلى "نقطة اللاعودة"، إلى أن أمام ترامب أياماً معدودة لتجنب أضرار اقتصادية جسيمة.

وذكرت الشركة في منشور لها يوم الأحد: "في غضون ساعات أو أيام، ستنفد خيارات ترامب ووقته. وبحلول نهاية يونيو، إذا ظل مضيق هرمز مغلقاً، فإن الحد الأدنى التشغيلي لمخزون النفط العالمي مضمون".

يُذكر أن احتمالية دخول الولايات المتحدة في ركود اقتصادي خلال الأشهر الـ 12 المقبلة، بلغت حوالي 17% بنهاية نيسان/أبريل، وفقاً لتحليل أجراه بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.

 

الميادين

مقالات مشابهة

  • ترامب يطالب طهران بتعهدات نووية مكتوبة لكسر الجمود
  • موديز: أمام ترامب أسبوعاً لاتفاق مع إيران لتجنب ركود في البلاد
  • جمود المفاوضات يُطيل أمد الحرب.. وجون بولتون: ترامب في مأزق حقيقي
  • ترامب: الوقت حان لإبرام اتفاق مع إيران
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • ترامب: لا أحد يعلم إلى ماذا ستقود المحادثات لكني قلت لإيران إن الوقت حان للتوصل إلى اتفاق
  • نافيا توقف المحادثات مع إيران .. ترامب: المفاوضات مستمرة والوقت حان لإبرام اتفاق
  • خلفًا لتولسي غابارد..ترامب يكلّف بيل بولتي بقيادة الاستخبارات الوطنية مؤقتًا
  • الحرس الثوري يصعّد في بحر عُمان.. ترامب: مفاوضات إيران قد تنتهي باتفاق «خلال أيام»
  • ترامب: إيران ترغب حقا في إبرام اتفاق وسيكون جيدا لنا ولحلفائنا