سوق الشركات الواعدة .. مصادر تمويلية مستدامة تدعم الابتكار والنمو
تاريخ النشر: 27th, November 2025 GMT
استطلاع - عبدالحميد القاسمي
يشكل إطلاق سوق الشركات الواعدة محطة لتطوير منظومة التمويل، بوصفه منصة جديدة تعيد رسم علاقة الشركات المتوسطة والصاعدة بسوق رأس المال، وتفتح أمامها مسار أكثر مرونة للوصول إلى التمويل وتنمية القدرات المؤسسية. ومن خلال متطلبات إدراج مخففة، وإطار حوكمة قابل للتدرج، وحزمة حوافز تجارية وتنظيمية، يمنح السوق هذه الفئة من الشركات فرصة انتقال سلس نحو بيئة استثمارية أكثر نضجا، تمهيدا لتأهيلها للارتقاء بها إلى السوق الرئيسة مستقبلا.
ويأتي هذا التوجه مع جهود سلطنة عمان في تعزيز دور القطاع الخاص وخلق قنوات تمويلية تتجاوز الأنماط التقليدية القائمة على الدين، نحو نموذج يرتكز على التمويل عبر الملكية، بما يعزز الاستدامة المالية، ويوسّع قاعدة المستثمرين، ويرفع مستوى الشفافية والحوكمة. وقد عكست شهادات الشركات المدرجة إدراكا متزايدا لقيمة هذا التحول، سواء في جذب رؤوس الأموال، أو توسيع نطاق النمو، أو تعزيز الحضور المؤسسي داخل منظومة الاستثمار الوطني.
وبينما تواصل بورصة مسقط تعزيز أدواتها لاستقطاب الشركات الواعدة، يبدو المشهد مرشحا لمرحلة أكثر ديناميكية، تسهم فيها القطاعات التكنولوجية والصناعات الحديثة والطاقة الجديدة بدور أكبر في تشكيل ملامح السوق، ضمن رؤية شاملة تدعم التنويع الاقتصادي وتدفع عجلة الابتكار في سلطنة عمان.
وقال بدر بن حمود الهنائي الرئيس التنفيذي للعمليات ببورصة مسقط: "يشكل السوق إحدى أهم القنوات التي تدعم انتقال القطاع الخاص من الاعتماد على الخيارات التمويلية التقليدية إلى تبني نموذج تمويلي أكثر تنوعًا واستدامة. فهو يوفر رأس مال دون تحمل أعباء تمويلية على الشركة، ويعزز مشاركة المستثمرين في مسيرة النمو، ما يوجد بيئة صحية لنمو الشركات. الأمر الذي يعتبر تعزيزا لثقافة التمويل عبر الملكية وليس الدين مما يدعم الاستدامة المالية للشركات. ويعتبر جزءا طبيعيا من التطوير لأي اقتصاد يبحث عن تنوع مصادر التمويل ودعم الابتكار والنمو".
متطلبات الإدراج
وحول متطلبات الإدراج، أوضح الهنائي أن "المتطلبات جاءت بصياغة تراعي تحفيز الشركات على النمو، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الحد الأدنى من الانضباط المؤسسي؛ حيث تشترط قيمة سوقية تبدأ من 500 ألف ريال عماني، والإبقاء على الشكل القانوني كشركة مساهمة مقفلة، إلى جانب متطلبات إفصاح مالية مخففة تراعي المعايير المحاسبية الخاصة بالشركات الصغيرة والمتوسطة وبتكلفة مناسبة. كما تُلزم بوجود ما لا يقل عن 20 مساهما، مع إمكانية منح استثناء مشروط لاستيفاء هذا الشرط، إضافة إلى إطار حوكمة قابل للتطوير تدريجيًا مع توسّع الشركة. وبهذه المنظومة المرنة، تحصل الشركات على مساحة أكبر للنمو دون تحميلها أعباء تفوق قدراتها في المراحل الأولى".
وحول الحوافز، أشار الهنائي إلى أن "هناك منظومة حوافز متكاملة تشمل تبسيط الإجراءات، وخفض تكاليف الإدراج، ومتطلبات إفصاح مرنة تتناسب مع قدرات الشركات، إضافة إلى توفير وصول مباشر للمستثمرين المؤهلين. كما أن الشركات تستفيد من الدعم المؤسسي ضمن البرنامج التحفيزي لسوق رأس المال، وهو عامل جاذب مهم للشركات التي تستعد للنمو الذي حرص على أن تمثل الحوافز أثرا تجاريا مما ينعكس بشكل إيجابي على القوائم المالية لشركات وتحقيق قيمة مضافة لمساهمي الشركات والمستثمرين المحتملين وتعزيز القيمة السوقية".
لافتًا إلى أن "السوق يمثل تحولًا نوعيًا في طريقة تمويل النمو في سلطنة عمان، ويساهم في بناء منظومة تمويلية أكثر شمولًا داعمة لمنظمة ريادة الأعمال وهو ما يضع بيئة الأعمال في سلطنة عمان على مسار أكثر قدرة على مواكبة التغيرات الاقتصادية العالمية، ويمنح الشركات مساحة للنمو، ويخلق منتجات استثمارية جديدة، ويعزز دور سوق رأس المال كركيزة أساسية في التنمية الاقتصادية".
تمويل مستدام
وقال سالم بن عبدالله العبادي رئيس مجلس إدارة شركة بوارق نزوى الدولية للاستثمار التي كانت من أولى الشركات المدرجة في سوق الشركات الواعدة، أن الشركة سعت إلى الإدراج لتعزيز مبادئ الشفافية والحوكمة المؤسسية، وتوسيع قاعدة المستثمرين، إلى جانب توفير مصادر تمويل مستدامة لدعم مشاريعها التنموية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 ويحقق تطلعات المساهمين. مشيرًا إلى أن يسهم هذا الإدراج في تعزيز رأس المال عبر تنويع مصادر التمويل وتقليل الاعتماد على القروض، الأمر الذي يتيح للشركة التوسع في مشاريعها الاستثمارية بوتيرة أكبر، وأسرع، وأكثر استدامة.
وأضاف العبادي، "تمثل أبرز الحوافز في المرونة التنظيمية التي يتيحها سوق الشركات الواعدة، إضافة إلى الدعم المؤسسي الذي تلقيناه من هيئة سوق المال وبورصة مسقط، إلى جانب الإعفاءات الضريبية، وتسهيل إجراءات الحصول على التمويل". لافتًا أن هذا الإدراج سيسهم في تنشيط السوق المالي المحلي من خلال جذب رؤوس الأموال، وزيادة مستويات السيولة، وتحفيز الشركات العُمانية الأخرى على التوجه نحو الإدراج، بما يعزز بيئة الأعمال، ويخلق فرص عمل جديدة، إلى جانب استقطاب مستثمرين جدد.
كما أشار العبادي إلى أن الإدراج سيعزز مستويات الثقة والشفافية، ويجذب المستثمرين الإقليميين والدوليين والباحثين عن فرص في الأسواق الواعدة، لا سيما في ظل ما تتمتع به سلطنة عُمان من استقرار اقتصادي وتنامٍ في الاقتصاد غير النفطي، مؤكدًا أن ذلك سيعزز الثقة بالاستثمار في الشركات العمانية والسوق المحلي، ويدفع به نحو آفاق أكثر اتساعًا على المستوى العالمي.
وحول أبرز التحديات، قال العبادي: إن الالتزام الدقيق بالمتطلبات التنظيمية والإفصاحات الدورية، إضافة إلى ضرورة الحفاظ على الأداء المالي والانسجام مع تطلعات المستثمرين تشكل تحديا لأي شركة تعتزم الدخول في هذا السوق. ونحن على ثقة تامة بأن هذا الإدراج سيفتح آفاقا جديدة لتوسع الشركة، والدخول في شراكات استراتيجية، وإطلاق مشاريع نوعية في مجالات متعددة، بما يعزز مكانتها كمحرك رئيسي للتنمية في سلطنة عمان.
وتوقع العبادي بأن يشهد سوق الشركات الواعدة خلال الأعوام المقبلة تناميا مع دخول مزيد من الشركات المتوسطة والصاعدة، ليصبح منصة تمويل حيوية تدعم الاقتصاد المحلي وتُسهم في تعزيز مستهدفات «رؤية عُمان 2040».
مشيرا إلى أن "الإدراج خطوة استراتيجية جريئة في بيئة سوق المال بسلطنة عمان، ويغيّر من مسار الشركات المدرجة. وبالنسبة لشركة بوارق نزوى، فإنه يشكل نقلة نوعية نحو التحول المؤسسي، ويجعلها جزءًا من المنظومة الاستثمارية الوطنية التي تقود التنمية الاقتصادية نحو غدٍ أفضل".
ثقة استثمارية
من جهته، قال حيدر بن عدنان الزعابي شريك مؤسس شركة ميس للسيارات: "نسعى إلى الانتقال نحو مرحلة الاستدامة المؤسسية من خلال بناء ثقة استثمارية أوسع، وتعزيز مبادئ الشفافية والحوكمة، وفتح المجال أمام المستثمرين للمشاركة في مسيرة التحول التي نقودها في قطاع المركبات الكهربائية والتقنيات المستقبلية. فالإدراج بالنسبة لنا ليس هدفًا ماليًا فحسب، بل هو إعلان ثقة بمستقبل الشركة وبقدرة العقول العمانية على بناء شركات عالمية تنطلق من سلطنة عمان".
وأشار الزعابي إلى "أن طبيعة السوق المرنة والموجه للشركات ذات النمو العالي تتوافق مع المرحلة التي تعيشها "ميس" حاليا. فنحن شركة مبتكرة تتحرك بسرعة وتتجه نحو الأسواق العالمية. ويتيح لنا سوق الشركات الواعدة فرصة للنمو برؤية واضحة، وتحت مظلة رقابية واستثمارية متقدمة، دون أن نفقد مرونة الابتكار التي نعتمد عليها. ويمنحنا التمويل عبر السوق المالي قدرة أكبر على تنويع مصادر رأس المال، ويجعل توسعنا الإقليمي أكثر قوة واستقرارا، وينقلنا من نموذج التمويل المغلق إلى منظومة استثمارية مفتوحة تسهم في تحفيز الاقتصاد الوطني".
وأوضح الزعابي: "نحن نستهدف المستثمرين الذين يؤمنون بالمستقبل وبقيمة الابتكار والانتقال إلى الطاقة النظيفة، سواء كانوا صناديق استثمار، أو مستثمرين أفراد، أو جهات محلية ودولية تبحث عن فرص نمو حقيقية في قطاع السيارات الكهربائية والتقنيات المرتبطة بها". مشيرًا إلى أن "سوق الشركات الواعدة يمتاز بإجراءاته المرنة، والتحفيزات المتعددة، وتكاليف الإدراج المنخفضة مقارنة بالسوق الرئيسي، إلى جانب الدعم الحكومي والمؤسسي القوي. وتعد هذه العوامل منصة مثالية لشركة في مرحلة التوسع، ولتوسيع قاعدة مساهميها دون إبطاء وتيرة نموها".
مشيرا إلى أن "سوق الشركات الواعدة سيعزز من عمق بورصة مسقط، ويدفع المستثمرين إلى التوجه نحو قطاعات التكنولوجيا والصناعات الجديدة. وتمثل هذه الخطوة فرصة لتوسيع ثقافة الاستثمار في شركات الابتكار والنمو، وجعل رأس المال المحلي شريكا فاعلا في مسيرة التحول الصناعي القادم".
موضحًا أن الأدراج في بورصة مسقط سيمنح المستثمر الدولي بوابة رسمية وآمنة للدخول إلى السوق العماني، كما سيعزز هذا الإدراج من مكانة سلطنة عُمان كوجهة استثمارية حديثة وواعدة.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: سوق الشرکات الواعدة فی سلطنة عمان هذا الإدراج سوق المال رأس المال إضافة إلى إلى جانب ا إلى أن
إقرأ أيضاً:
شيمى: صناعة الدواء ركيزة استراتيجية للأمن الصحي والنمو الاقتصادي في أفريقيا
أكد المهندس محمد شيمي، وزير قطاع الأعمال العام، أن صناعة الدواء تعد من أهم القطاعات الصناعية الحيوية، والتي أصبحت تعتمد على تكنولوجيات متقدمة، وتستند إلى استثمارات ضخمة في البحث العلمي والتطوير، مضيفا أنها تمثل أيضا قطاعا استراتيجيا ذا قيمة مضافة عالية، وداعما رئيسيا لمنظومات الرعاية الصحية، ومؤثراً في تحقيق النمو الاقتصادي، خاصة في ظل التحديات الصحية العالمية.
جاء ذلك خلال كلمة الوزير أثناء مشاركته في جلسة وزارية بالمؤتمر الأفريقي حول إنتاج الأدوية وتكنولوجيات الصحة، الذي تستضيفه الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية الشقيقة، خلال الفترة من 27 إلى 29 نوفمبر الجاري، تحت شعار: "صناعة صيدلانية محلية من أجل أفريقيا مندمجة وقوية"، بتنظيم من وزارتي الصناعة الصيدلانية والصحة في الجزائر وبالتعاون مع منظمة الصحة العالمية.
وأشار المهندس محمد شيمي إلى أن مصر تُعد من الدول الرائدة في مجال الصناعة الدوائية، حيث تولي الدولة اهتماما كبيرا بتحقيق الاكتفاء الذاتي وتتبنى سياسات واضحة لتطوير الصناعة في مختلف مراحلها، بدءاً من المواد الخام والكيماويات الأساسية، مروراً بعمليات التصنيع والتعبئة، وصولاً إلى التسويق والتصدير للأسواق الخارجية، معربا عن استعداد مصر لتقديم الدعم والتعاون مع الأشقاء في الدول الأفريقية في قطاع الصناعات الدوائية، من خلال مجالات عديدة منها نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة، تلبية الاحتياجات الدوائية الوطنية، وتعزيز الابتكار والبحث العلمي. وشدد على أن تكامل الجهود بين الدول الأفريقية هو السبيل لتعزيز الأمن الصحي للقارة وتقليل الاعتماد على الخارج.
واستعرض الوزير، الإمكانات الكبيرة للشركة القابضة للأدوية والكيماويات والمستلزمات الطبية، التابعة لوزارة قطاع الأعمال العام، والتي تعد أحد أهم روافد قطاع الصناعات الدوائية في مصر، وتمثل نموذجاً صناعياً يمكن البناء عليه في التعاون الإفريقي، حيث يتبعها 8 شركات لإنتاج الأدوية إضافة إلى شركة متخصصة في تصنيع العبوات الدوائية، ويصل عدد خطوط الإنتاج بها إلى أكثر من 130 خطاً تغطي مختلف الأشكال الصيدلانية، فيما تعد شركة مصر للمستحضرات الطبية التابعة للقابضة، أول شركة لصناعة الدواء في مصر، والتي يعود تأسيسها إلى عام 1939. وأشار إلى أن القابضة تمتلك محفظة دوائية قوية تضم نحو 600 مستحضراً تغطي حوالي 70 مجموعة علاجية، إضافة إلى 150 مستحضراً بيطرياً، مضيفا أن شركات القابضة للأدوية شهدت خلال الفترة الأخيرة عملية تطوير شاملة شملت تحديث البنية التصنيعية، ورفع كفاءة المصانع، وتطبيق نظم الجودة المتطورة، والتوافق الكامل مع المعايير العالمية للتصنيع الجيد (GMP)، بما يعزز قدرتها التنافسية إقليمياً ودولياً.
و تقدّم المهندس محمد شيمي بخالص الشكر والتقدير للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية الشقيقة على حسن الاستضافة والتنظيم المتميز لهذا المؤتمر الهام، موجهاً شكره أيضا إلى الدكتور وسيم قويدري وزير الصناعة الصيدلانية على الدعوة الكريمة. كما ثمّن مشاركة الدول الأفريقية والمنظمات الإقليمية والدولية، مؤكداً أن التعاون والتكامل بين دول القارة هو حجر الأساس لبناء مستقبل صحي وصناعي أكثر قوة وازدهاراً، وسيسهم في تعزيز قدرة أفريقيا على مواجهة التحديات وتحقيق التنمية المستدامة.