عربي21:
2026-06-03@07:35:02 GMT

قرار الغرب: نفط فنزويلا لن يكون في خدمة الصين

تاريخ النشر: 2nd, December 2025 GMT

تسعى واشنطن الى إنهاء النظام اليساري في فنزويلا بزعامة الرئيس نيكولا مادورو، وهي عملية تدخل ضمن محاولة جعل القسم الغربي من العالم من شرق المتوسط وحتى هاواي منطقة غربية محضة، وذلك ضمن الاستعداد لحرب الريادة على العالم في مواجهة الصين. ومنذ أكثر من عقدين من الزمن، تريد واشنطن ومعها الغرب تغيير النظام اليساري في فنزويلا، وكانت المحاولة الأولى خلال حقبة الرئيس جورج بوش الابن، عندما دعم انقلابا ضد الرئيس الراحل هوغو تشافيز خلال أبريل/نيسان 2002.



وتميزت السنوات اللاحقة بما فيها حقبة الرئيس باراك أوباما بالتعاطي الصارم ضد السلطة الحاكمة في فنزويلا، لكن من دون ضغط عسكري مباشر، خاصة أن العالم كان يشهد وقتها بنزاهة الانتخابات الرئاسية والبلدية في هذا البلد.

وكانت أبرز محاولة هي التي وقعت إبان الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب (2017-2021) عندما دعمت واشنطن إعلان زعيم المعارضة خوان غايدو نفسه رئيسا للبلاد في يناير/كانون الثاني 2019. وتبنت عدد من الدول الأوروبية الموقف نفسه. غير أن الرئيس مادورو بقي صامدا، وعاد ليفوز في انتخابات أخرى، اعتبرتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مزيفة. ومن نتائجها أن البرلمان الأوروبي اعترف خلال سبتمبر/أيلول 2024 بزعيم المعارضة غونثالث إيروتيا رئيسا للبلاد، واعتبرته الفائز في الانتخابات الرئاسية التي جرت السنة الماضية، كما أن قادة الاتحاد الأوروبي رفضوا الاعتراف بمادورو رئيسا لفنزويلا. وبدورها، تعتبر واشنطن زعيم المعارضة هو الرئيس الشرعي للبلاد.

ومنذ بداية أغسطس/آب الماضي، يشهد الملف الفنزويلي تلاحق تطورات مثيرة عنوانها العريض والبارز هو، رغبة واشنطن في تغيير النظام اليساري. وهكذا، كانت الخطوة الأولى هي اعتبار فنزويلا معبرا رئيسيا لمخدر الكوكايين، ثم اتهام الرئيس مادورو بالإشراف على تجارة المخدرات، وأخيرا اتهامه بالإرهاب. ووسط كل هذا، قام البنتاغون بإرسال أكبر حشد عسكري في منطقة الكاريبي منذ عقود طويلة وتعزيز الأسطول الرابع الذي يغطي منطقة أمريكا اللاتينية بالكامل من المكسيك حتى الأرجنتين في ضفتي الأطلسي والهادي. وأعلنت واشنطن عن إجراءات متتالية، منها ضرب قوارب في الكاريبي بمبرر تهريبها المخدرات، والتهديد بتنفيذ عمليات في الأراضي الفنزويلية، ضد ما تعتبره عصابات المخدرات. ويبقى آخر المعطيات المثيرة هو ما مضمون المكالمة الهاتفية بين الرئيسين ترامب ومادورو، التي جرت منذ أيام، حيث اقترح الأول على الثاني، وفق تسريبات نشرتها جريدة «ميامي هيرالد» الأحد الماضي، ضرورة مغادرة فنزويلا نحو روسيا أو أي بلد ثان يختاره.

لا يمكن التعامل مع هذه التطورات باعتبارها قرارا متسرعا من الرئيس ترامب، قد يكون ترامب رفع من إيقاع المواجهة وتنفيذ تغيير النظام في فنزويلا، بل هي تندرج ضمن سلسلة من القرارات، التي تتزعمها واشنطن بدعم من دول غربية بنوع من التفاوت، ورغم الجدل الذي تخلفه أحيانا، إلا أن الهدف الأخير هو إبعاد فنزويلا من الفلك الروسي والصيني. وهي كما أشرنا إليها الانقلاب الذي تعرض له هوغو تشافيز، والاعتراف بزعماء المعارضة رؤساء للبلاد بعد كل انتخابات تثير الجدل، كما وقع سنتي 2019 و2024. في الوقت ذاته، ينخرط إعادة العمل بالأسطول الرابع الأمريكي ابتداء من سنة 2008 ضمن إطار الضغط العسكري، وهو الأسطول الذي كان قد تم حذفه سنة 1950، وعاد للعمل بعد 58 سنة.

ويبقى السؤال الجوهري هو: لماذا يركز الغرب على التغيير في فنزويلا، دون غيرها من الدول اليسارية في أمريكا اللاتينية؟ أولا، إن الضغط المستمر منذ سنوات طويلة على النظام اليساري الفنزويلي يندرج ضمن استراتيجية للغرب بزعامة واشنطن، تهدف إلى إبقاء النصف الغربي من العالم ضمن المدار السياسي للغرب، ومحاولة منع أي اختراق صيني أساسا في المنطقة، حتى لا يكون لهما نفوذ بالقرب من الحدود الأمريكية.

ثانيا، تبدو فنزويلا، في نظر العواصم الغربية، خاصة واشنطن، سائرة نحو التحول إلى «كوبا جديدة ولكن أكبر» في القارة الأمريكية، فكما أن النظام الكوبي ظلّ ثابتا منذ الثورة في أواخر الخمسينيات، من دون تغيير سياسي بمعنى التناوب بين الأحزاب ذات الأيديولوجيات المختلفة، فإنّ التيار اليساري الذي أسّسه هوغو تشافيز أواسط التسعينيات باسم «الحركة الجمهورية الخامسة» يهيمن على السلطة في فنزويلا منذ 1999، من دون بوادر حقيقية للتناوب السياسي. وترى واشنطن أن فنزويلا تفتقر إلى إمكانية التداول الديمقراطي، بخلاف دول مثل بوليفيا والبرازيل والأوروغواي والأرجنتين، التي تشهد تناوبا سياسيا بين اليسار والمحافظين. ومن ضمن الأمثلة، سيطر اليسار على الحكم في بوليفيا منذ عقدين تقريبا بفضل «الحركة الاشتراكية»، وخلال الشهر الماضي فاز رئيس محافظ و
هو رودريغو باث ووقع تناوب سلمي على السلطة.

ثالثا، تحولت فنزويلا الى أحد أبرز وجهات الاستثمارات الصينية في الطاقة، خاصة خلال العقد الماضي، كما وقّعت اتفاقيات عسكرية مع روسيا وإيران والصين، وتتبنى توجها متزايدا نحو الانخراط في نظام مالي بديل عن الدولار تقوده واشنطن. وهذا ما يجعلها، في نظر الولايات المتحدة، نقطة ارتكاز جيوسياسية منافسة في جوارها المباشر، خاصة بعدما بدأت تسمح بتوقف أسلحة نوعية روسية وصينية في مطاراتها وموانئها.

وعليه، لن يسمح الغرب بتحول فنزويلا الى كوبا جديدة، تكون قاعدة استراتيجية صلبة للنفوذ الصيني بالدرجة الأولى. فبينما كانت كوبا دولة صغيرة جغرافياً وضعيفة اقتصادياً، ولا تمتلك ثروات طبيعية فقد كادت أن تشعل حرباً عالمية في مطلع الستينيات، بسبب أزمة الصواريخ. فكيف الحال مع فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، وتمتد على مساحة شاسعة وفيها ثروات طبيعية ضخمة مثل المعادن النادرة؟

تغيير النظام السياسي في فنزويلا، لا يتعلق بنزوة من نزوات ترامب، كما يبدو سطحيا، أو للوهلة الأولى، أو الرغبة فقط في إحياء عقيدة مونرو، التي تعتبر أمريكا اللاتينية الحديقة الخلفية لواشنطن، وليس بقرار ظرفي، بل بقرار استراتيجي حاسم يهم الغرب برمته، ويمتد تأثيره لعقود مقبلة للتوازن العالمي الذي تؤدي دول صغيرة وثانوية فاتورته. والقرار هو: لن يسمح الغرب بأن يكون أكبر احتياطي للنفط في خدمة النفوذ الصيني، الذي يهدد ليس فقط الولايات المتحدة بريادة الغرب التاريخية للعالم التي بدأت منذ خمسة قرون، وبدأت تتراجع مع مطلع القرن الواحد والعشرين.

القدس العربي

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه فنزويلا مادورو الصين ترامب روسيا الصين روسيا فنزويلا مادورو ترامب مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة مقالات سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تغییر النظام فی فنزویلا

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • احذر ..روبوت الذكاء الاصطناعي قد يكون سبب في الأستيلاء على حسابك على انستجرام| فما القصة؟
  • المنتخب الأول لكرة القدم.. يكون أو لا يكون
  • روبيو: الولايات المتحدة لم تصل بعد إلى مبتغاها في فنزويلا
  • متى يكون التعب المزمن مؤشرًا لمشكلة صحية خطيرة؟
  • واشنطن : الصين التزمت الحذر .. وإمداداتها لإيران لم تغير مسار الحرب
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • الرئيس اللبناني: لا عودة إلى الوراء والفتنة خدمة لإسرائيل
  • الزاوية تضخ ملايين اللترات.. البريقة تعلن أضخم خطة «إمداد وقود» بمناطق الغرب
  • زعيمة المعارضة التايوانية تسعى لكسب ثقة واشنطن وسط جدل بشأن الصين والإنفاق الدفاعي
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش