ففي الوقت الذي يرفض فيه مادورو مغادرة منصبه وبلاده، يتحدث أعضاء جمهوريون في الكونغرس الأميركي عما يعرف بـ"مصير بنما"، في إشارة إلى الجنرال البنمي مانويل نورييغا، الذي أسقطته الولايات المتحدة بالقوة نهاية ثمانينيات القرن الماضي.

فقد اتهمت الولايات المتحدة نورييغا بدعم تجارة المخدرات وغسل الأموال، قبل أن تشن هجوما عسكريا على بنما لإسقاطه بالقوة، وهو نفس المشهد الذي يتكرر في فنزويلا اليوم، حسبما أشارت حلقة (2025/12/4) من برنامج "من واشنطن".

ومع حشد مزيد من القوات الأميركية على شواطئ البحر الكاريبي، لا تبدو تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب فنزويلا محاولة للتخويف بقدر ما هي تمهيد لإسقاط مادورو بالقوة، في خطوة ربما تعكس تحولا في التعامل مع الخصوم الخارجيين.

فالمسؤولون الأميركيون يتهمون مادورو بدعم عصابات المخدرات وإغراق الولايات المتحدة باللاجئين الذين وصفهم ترامب بالمجرمين والمرضى النفسيين، فضلا عن تمسكهم بفرض الديمقراطية وتعزير حقوق الإنسان في فنزويلا.

لكن هذا الحديث يكشف -حسب تقرير نشره البرنامج- توجها أميركيا لاستخدام ورقة الأزمات الداخلية من أجل التدخل في شؤون الدول التي تقف في قلب الصراع المحموم على توسيع النفوذ بين الدول الكبرى.

استخدام أساليب خشنة

وليس خافيا أن فنزويلا التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي معرف في العالم (303 مليارات برميل)، تعتبر حليفا إستراتيجيا لكل من الصين وروسيا وإيران، وهو ما دفع واشنطن لمحاولة تغيير زعيمها الحالي بزعيمة المعارضة ماريا ماتشادو، التي تقول الإدارة الأميركية إنها فازت بالانتخابات الرئاسية الأخيرة قبل أن يتم تغيير نتائجها لصالح الرئيس الحالي.

وبنظرة أكثر عمقا، فإن هذا الرصيد الهائل من النفط يمثل خطرا على الأسعار العالمية واقتصادات حلفاء مهمين لواشنطن في الشرق الأوسط وفي مقدمتهم دول الخليج العربي، التي ربما تخسر ميزانياتها الكثير في حال عادت فنزويلا إلى مستويات إنتاجها النفظي السابقة.

فقد كانت كراكاس تنتج 2.5 مليون برميل يوميا قبل أن تتهاوى هذه الأرقام إلى 900 ألف برميل بسبب العقوبات الأميركية التي جعلتها غير قادرة على بيع وقودها لأي من الدول.

ولو تمكنت فنزويلا من تجاوز هذه العقوبات والعودة إلى حرية الإنتاج فسيكون بمقدورها إغراق السوق العالمية مما يعني ضرب الأسعار العالمية التي تمثل رافدا أساسيا لميزانيات الكثير من الدول، كما جاء في تقرير "من واشنطن".

فشل العقوبات

صحيح أن الأميركيين راهنوا على تهاوي الاقتصاد الفنزويلي تحت وطأة العقوبات وهو ما حدث بالفعل حيث وصلت معدلات التضخم إلى أكثر من 100000% (مائة ألف في المائة)، وهوت قيمة العملة، ما دفع بـ7 ملايين فنزويلي للهروب إلى البرازيل وكولومبيا والبيرو وصولا للولايات المتحدة، في أكبر موجة نزوح عرفها النصف الغربي من الكرة الأرضية.

بالتالي، لا يمكن اختزال الوضع الفنزويلي في أنه مجرد خلاف سياسي مع الولايات المتحدة أو جزء من الصراع مع بكين وموسكو اللتين تحاولان استخدام كراكاس لإزعاج واشنطن بالمخدرات والمهاجرين، لأن الواقع في جزء منه يعكس عجز دولة غنية عن إطعام شعبها.

لكن هذا التهاوي الاقتصادي الذي دفع ملايين الناس لمغادرة فنزويلا لم يكن كافيا لكي يغادر مادورو منصبه كرئيس للبلاد، بعدما نجح في تعزيز قدرات البلد الزراعية بحيث أصبح قادرا على إنتاج ما يأكله شعبه، كما يقول الخبير في الشؤون اللاتينية خالد هندي.

وحتى الحديث الأميركي عن تجارة فنزويلا بالمخدرات ليس واقعيا لأن كولومبيا كانت أكبر موردي الكوكايين للسوق الأميركية خلال فترة تحالفها مع الولايات المتحدة، وكذلك أفغانستان التي كانت من كبار مصدري المخدرات خلال الوجود الأميركي فيها، والآن المكسيك، حسب هندي.

لذلك، فإن ما يجري حاليا هو صراع على النفوذ العالمي حيث تحاول الولايات المتحدة سحب ورقة فنزويلا من يد الصين وروسيا بعدما خسرت تحالفها مع كولومبيا التي أصبحت قوة يسارية صاعدة في أميركا اللاتينية بعد أن كانت رأس حربة تستخدمها واشنطن في صراعها القديم مع كراكاس، برأي الخبير نفسه.

في المقابل، يقول جيمس براورد ستوري، وهو آخر سفير أميركي في كراكاس، إن قطر ساعدت قبل عامين في تقدم المفاوضات الأميركية الفنزويلية لكن مادورو لم يلتزم بإجراء انتخابات جديدة كما تعهد، وبقي يدعم عصابات المخدرات ويساعد حزب الله اللبناني.

نيكولاس مادورو يؤدي قسمًا خلال فعالية مدنية عسكرية في الأكاديمية العسكرية بالعاصمة كراكاس في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 (أسوشيتد برس)سياسة أميركية جديدة

وعلى هذا، فإن أي تفاوض محتمل لا بد وأن يكون على أساس رحيل مادورو، وإلا فإن الولايات المتحدة ستوجه ضربات لمنشآت نفطية غالبا حتى تدفع الفنزويليين للخروج عليه وإسقاطه، كما يقول ستوري.

ولم يختلف المسؤول السابق عن شؤون فنزويلا وكولومبيا في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) جيم ماركوارت، عن الرأي السابق، بقوله إن استخدام كراكاس للمخدرات والمهاجرين كسلاح ضد واشنطن، ورفضها لتعزيز حقوق الإنسان هو المحرك الرئيسي للولايات المتحدة، التي قال إنها "ستوجه ضربة عسكرية لفنزويلا على الأرجح لإسقاط النظام وتأسيس آخر ديمقراطي".

بيد أن هندي رد على هذه الاتهامات بقوله إن من غير المعقول أن يتاجر أغنى بلد في أميركا اللاتينية بالمخدرات، وإن الحصار الأميركي "هو الذي أضعف الاقتصاد الفنزويلي وليس فساد السلطة كما تروج الدعاية الأميركية".

والخلاصة -برأي المتحدث- أن فنزويلا أصبحت أكبر ساحة صراع على النفوذ في العالم، وأن واشنطن تحاول اختبار نوع جديد من الضغط السياسي الاقتصادي ربما يتحول لمنهجية في التعامل مع الملفات الشرق أوسطية مستقبلا، بحيث يحل التدخل في الأزمات الداخلية للدول محل فرض العقوبات عليها.

Published On 4/12/20254/12/2025|آخر تحديث: 23:46 (توقيت مكة)آخر تحديث: 23:46 (توقيت مكة)انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare2

شارِكْ

facebooktwitterwhatsappcopylink

حفظ

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات

إقرأ أيضاً:

بعيدًا عن الولايات المتحدة.. لماذا اختارت إيران الإقامة في المكسيك خلال المونديال؟

اتخذ الاتحاد الإيراني لكرة القدم قرارًا لافتًا قبل انطلاق كأس العالم 2026 باختيار مدينة تيخوانا المكسيكية مقرًا لإقامة المنتخب طوال فترة البطولة، رغم أن جميع مباريات الفريق في دور المجموعات ستقام داخل الولايات المتحدة.

قائمة السنغال في كأس العالم 2026.. ماني يقود أسود التيرانجا ومفاجأتان في الاستبعاد


ويأتي القرار في ظل ظروف سياسية واستثنائية فرضت نفسها على استعدادات المنتخب الإيراني قبل المشاركة في البطولة التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بشكل مشترك.
ووفقًا لتصريحات رئيس الاتحاد الإيراني مهدي تاج، فإن المنتخب سيتوجه أولًا إلى إسبانيا قبل الانتقال مباشرة إلى مدينة تيخوانا الواقعة شمال المكسيك بالقرب من الحدود الأميركية، حيث سيقيم معسكره الرئيسي خلال البطولة.


ويمثل هذا الاختيار حلًا لوجستيًا يتيح للمنتخب البقاء خارج الأراضي الأميركية بشكل دائم، مع الاكتفاء بالسفر إلى المدن التي تستضيف مبارياته الرسمية ثم العودة إلى مقر الإقامة في المكسيك.
وتعد تيخوانا من المدن الحدودية المهمة في المكسيك، وتتميز بقربها الجغرافي الشديد من ولاية كاليفورنيا الأميركية، ما يسهل حركة التنقل إلى عدد من المدن التي تستضيف مباريات كأس العالم.


وأشارت تقارير دولية إلى أن اختيار المدينة لم يكن مرتبطًا فقط بالعوامل الرياضية، بل جاء أيضًا نتيجة حسابات سياسية وأمنية بعد التطورات التي شهدتها العلاقات بين إيران والولايات المتحدة خلال الفترة الماضية.


ويواجه المنتخب الإيراني في دور المجموعات ثلاثة منافسين هم نيوزيلندا وبلجيكا والمنتخب الوطنى، وستقام هذه المباريات في مدن أميركية مختلفة، ما يتطلب ترتيبات سفر دقيقة بين المكسيك والولايات المتحدة طوال فترة المنافسات.


وتسعى الأجهزة الإدارية والفنية داخل المنتخب إلى توفير أكبر قدر من الاستقرار للاعبين خلال البطولة، إذ يُنظر إلى مقر الإقامة باعتباره عنصرًا مهمًا في نجاح المنتخبات المشاركة، خصوصًا في البطولات طويلة المدى.
كما أن وجود المنتخب في مدينة واحدة طوال فترة الدور الأول يمنح اللاعبين فرصة أفضل للحفاظ على الروتين اليومي والتركيز على التدريبات والاستشفاء بعيدًا عن التنقل المستمر بين عدة مقرات.


ويخوض المنتخب الإيراني مونديال 2026 بطموحات كبيرة، خاصة أنه أصبح أحد أبرز ممثلي القارة الآسيوية في السنوات الأخيرة، ويأمل في كتابة صفحة جديدة من تاريخه عبر التأهل إلى الأدوار الإقصائية للمرة الأولى.


ومع اقتراب موعد انطلاق البطولة، يبقى اختيار تيخوانا أحد أبرز القرارات التنظيمية التي اتخذها الاتحاد الإيراني، في محاولة للجمع بين الاعتبارات الرياضية والظروف السياسية المحيطة بمشاركته في كأس العالم، وسط ترقب لمعرفة مدى تأثير هذا القرار على أداء المنتخب خلال المنافسات.

مقالات مشابهة

  • روبيو: الولايات المتحدة لم تصل بعد إلى مبتغاها في فنزويلا
  • رويترز: إيران تدرس اتفاقا مقترحا لوقف الحرب مع الولايات المتحدة
  • وزير الخارجية الأمريكي: الولايات المتحدة لا تسلح المدنيين في إيران
  • إعلام عبري: الولايات المتحدة تعتزم تدريب الجيش اللبناني
  • روبيو: الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • مرموش يطير إلى الولايات المتحدة للانضمام لمعسكر المنتخب
  • جريمة قتل ضحيتها 4 أشخاص تهز الجالية اليمنية في الولايات المتحدة الأمريكية
  • بعيدًا عن الولايات المتحدة.. لماذا اختارت إيران الإقامة في المكسيك خلال المونديال؟
  • ما بعد اليونيفيل وانتشار الجيش.. محادثات جبيلي مع البعثة الأميركية