مشكلات عديدة تواجه الصم وضعاف السمع في المجتمع، في حين يهمل الأغلبية تعلم لغة الإشارة، التي تعد الطريقة التي يتواصل بها الصم مع المجتمع الخارجي، وهنا قرر طلاب كلية الإعلام شعبة اللغة الإنجليزية قسم العلاقات العامة والإعلان جامعة القاهرة، في إعداد مشروع تخرجهم عن أهمية تعلم لغة الإشارة وحقوق الصم البكم، في محاولة منهم لمساعدتهم ودمجهم في المجتمع.

ويوجد في مصر نحو 8 ملايين من ضعاف السمع والصم البكم، وهي البداية التي استغلها الطلاب، وفقًا لما روته ملك عبد السلام، إحدى المشاركات في مشروع التخرج، وطالبة بالفرقة الرابعة بكلية الإعلام، ويحمل المشروع اسم «إشار Talk».

فكرة مشروع التخرج

تقول «ملك» لـ«الوطن» إن مشروع تخرجهم عبارة عن حملة اجتماعية للصم وضعاف السمع: «بنتكلم في مشروع تخرجنا عن حقوق الصم وضعاف السمع ومعاناتهم في المجتمع وكيفية تعلم لغة الإشارة، وعن الجهات اللي ممكن يتوجهوا لها سواء في مجال التوظيف أو الدراسة».

أهمية لغة الإشارة

بحسب «ملك»، فأهمية لغة الإشارة تساوي أهمية اللغة الإنجليزية والعربية في المجتمع، فمن خلالها يستطيع الإنسان التعامل مع الصم وضعاف السمع: «بنتعلم إنجليزي علشان دي اللغة العالمية اللي نقدر نتعامل من خلالها مع العالم الخارجي، وبنتعلم العربي علشان دي اللغة اللي بنتواصل بيها مع الناس في مصر، لكن الصم بيتعملوا لغة الإشارة عشان هي دي الوسيلة الوحيدة لهم، فلازم ناخد خطوة علشانهم وعلشان نمدمجهم في المجتمع».

يرى مصطفى سامح، أحد المشاركين في مشروع التخرج، أن تعلم لغة الإشارة ليس كافيًا، بل يجب أيضًا توفير بوسترات لأساسيات اللغة في المصالح الحكومية والأماكن العامة: «بدأ فريقنا ياخد خطوة بالفعل ووزعنا بوسترات في عيادات مكتوب فيها أساسيات لغة الإشارة حسب المكان».

سبب اسم «إشار Talk»

ويحكى «مصطفى» سبب إطلاق اسم «إشار Talk»، لمشروع تخرجهم وشعاره «واصلني صوتك»: «الحملة معناها إشارة واتكلم، كلمتين عربي وإنجليزي علشان نوضح إن لغة الإشارة مهمة زي العربي والإنجليزي، وعملنا بينهم دمج، علشان نقدر ندمج الصم وضعاف السمع في المجتمع».

تحويل فكرة مشروع التخرج إلى واقع

حاول الطلاب تحويل فكرة مشروع تخرجهم إلى واقع ملموس، من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، والتواصل مع مؤسسات توفر فرص عمل لهم، بالإضافة إلى مناقشة القضايا الخاصة بهم سواء في العمل أو تعليم أو الصحة، ونشر فيديوهات على «إنستجرام»، و«تيك توك» لأساسيات لغة الإشارة.

View this post on Instagram

A post shared by Talkإشار (eshartalk) (@eshartalk)

المشاركون في مشروع التخرج

شارك في مشروع التخرج 15 طالب وطالبة، وهم ملك عبدالسلام، كارين ڤيكتور، ڤيرونيا مجدي، رحمة مروان، نور عصام، مريم الشبراوي، شهد سنارة، دينا سمير، يسرا هشام، آندي رأفت، هبة الله عادل، آية الله يس، مصطفى سامح، فرح حافظ، وچولي أنطوان، وتحت إشراف الدكتورة حياة بدر، أستاذ العلاقات العامة بكلية الإعلام جامعة القاهرة.

اقرأ أيضًا: بعد مبادرة «الوطن» لدعم الصم والبكم.. ماذا تعرف عن لغة الإشارة؟ 

المصدر

المصدر: الوطن

كلمات دلالية: مشروع تخرج إعلام القاهرة كلية الإعلام لغة الإشارة الصم وضعاف السمع الصم تعلم لغة الإشارة الصم وضعاف السمع فی المجتمع

إقرأ أيضاً:

مترجم إيطالي: اللغة العربية تُعلّم التواضع والمثابرة

باريس – بين لغتين تولد دائما مساحة ثالثة معلّقة بين ما يُكتب وما يصل، بين صوت النص الأصلي وصدى حضوره في لغة أخرى. في هذه المساحة تتحرك الترجمة، عبورا هادئا بين الكلمات، ورحلة تفاوض مستمرة مع المعنى بما تحمله من احتمالات الفقد والاكتشاف.

إنها، كما يرى أمبرتو إيكو، نوع من التفاوض الدائم مع النص الأصلي، تفاوض بين صوتين وثقافتين وذاكرتين ينتهي دائما إلى ولادة نص جديد يحمل أثر الفراشة والرحلة التي قطعها.

اقرأ أيضا list of 4 itemslist 1 of 4روائية إيطالية تروي تجربتها في غزة: تذوقتُ طعم الجنةlist 2 of 4المترجم محمد الفولي: المترجمون السابقون عملوا في ظروف أصعبlist 3 of 4الأندلس وغزة وقضايا الأدب والترجمة بعيون المستعرب الإسباني إغناطيوس غوتيرث دي تيرانlist 4 of 4عمارة لخوص: التعايش سؤال محوري في رواياتيend of list

ومن هذا الأفق تحديدا يمكن قراءة تجربة فرانشيسكو ليجيو، المترجم واللساني والباحث الإيطالي الذي أمضى عقودا في الإصغاء إلى العربية وآدابها، تجربة تشكلت عبر رحلة طويلة داخل اللغة والثقافة، بحثا عن تلك المساحات المشتركة التي تجعل لغة الآخر طريقا لاكتشاف الذات والعالم.

قادته دراسته للغة والأدب العربي بجامعة نابولي الشرقية إلى التعمق في أسئلة الرواية العربية، من خلال بحثه حول "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، ثم واصل مساره الأكاديمي بأطروحة دكتوراه تناولت تجليات العناصر اللهجوية المحلية في السرديات المعاصرة في تونس والجزائر، ليجمع بين حساسية الباحث ودقة اللساني وفضول المترجم الذي يرى في كل نص عالما قائما بذاته.

وعلى امتداد هذه الرحلة، ترجم ليجيو إلى الإيطالية أعمالا روائية عربية تركت أثرها في المشهد الثقافي، من بينها "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، و"ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي، و"المشرط" لكمال الرياحي، إلى جانب أعمال عمارة لخوص الذي رافق مشروعه السردي منذ سنوات، مثل "البق والقرصان" التي أعاد إصدار ترجمتها لاحقا بعنوان "قرصان صغير جدا". وفي هذا المسار المتواصل تأتي ترجمته لرواية "خصوبة الشر" (La fertilità del male)، الصادرة حديثًا، لتفتح فصلًا جديدًا في علاقة طويلة مع الكاتب ومع أسئلة السرد العربي.

إعلان

لا تتوقف تجربة فرانشيسكو ليجيو عند حدود نقل النصوص بين لغتين، فهي رحلة في معنى الأدب نفسه وفي قدرة الرواية على تفكيك الصور الجاهزة عن العرب والمسلمين وعلى خلق معرفة أكثر عمقًا بالآخر.

في هذا الحوار تحدث ليجيو عن العربية التي علمته التواضع والمثابرة وحب الاطلاع، وعن الترجمة بوصفها تفاوضا مستمرا مع المعنى، وعن المسافة بين الكتاب العربي وسوق النشر الإيطالي، كما استعاد تجربته مع شهادات غزة في كتاب "لي يدان لأكتب" حيث تتحول الترجمة من عبور داخل الخيال الروائي إلى مواجهة مع حقيقة إنسانية مؤلمة، فإلى الحوار:

المترجم ليجيو (يسار) رفقة الروائي عمارة لخوص في معرض تورينو الدولي للكتاب (الجزيرة) صدرت لك مؤخرا الترجمة الإيطالية لرواية "خصوبة الشر" لعمارة لخوص، وهو كاتب رافقت مشروعه السردي عبر أكثر من عمل، ما الذي أعادك إلى عالمه الروائي؟ وهل اكتشفت في هذه الرواية أسئلة أو تحولات جديدة مقارنة بأعماله السابقة؟

لا أعتبر صدور ترجمتي الإيطالية لرواية "طير الليل"، التي صدرت تحت عنوان "خصوبة الشر"، عودة إلى مشروع عمارة لخوص الروائي، لأن التواصل بيننا لم ينقطع منذ تعرفنا إلى بعضنا عام 1993. وإذا أردنا استخدام مفهوم "العودة"، فالأدق أن نتحدث عن عودة عمارة لخوص إلى الكتابة بالعربية، بعد غياب استمر نحو 15 عاما، انشغل خلالها بالكتابة باللغة الإيطالية وخاض تجارب سردية مختلفة.

لقد أتاحت لي عودته إلى اللغة العربية فرصة جديدة للتوغل في عوالمه الروائية، وقراءة مشروعه من زاوية مختلفة، بروح جديدة.

تتقاطع في "طير الليل" قضايا الذاكرة والهوية والتحولات الاجتماعية والسياسية، هل شعرت أثناء ترجمتها أنك تنقل نصًا أدبيًا فقط، أم أنك تنقل أيضًا طبقات من الذاكرة الجماعية والتاريخ الثقافي؟

أتفق معك على أن رواية "طير الليل" تتفاعل فيها عدة موضوعات واتجاهات تحرك الأدب المغاربي المعاصر، مثل الذاكرة والتحولات الاجتماعية. وأعتقد أن جزءا أساسيا من مهمة الترجمة يتمثل في القدرة على نقل ما يتضمنه النص الأصلي من قضايا تؤثر في فكر الإنسان ومشاعره وردود أفعاله تجاه الوقائع التي يعيشها أو تمر به.

هذه العناصر كلها حاضرة في الرواية، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد متممات لجماليات النص، بل هي جزء من بنيته ومعناه. لذلك أرى أنني حين أترجم أقوم بنقل النص الأدبي من لغة إلى أخرى، مع الحرص قدر الإمكان على الوفاء لتفاصيله وكل مكوناته.

بدأت علاقتك الأكاديمية بالعربية من خلال "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح قبل أن تعود لترجمتها بعد سنوات، كيف تغيرت قراءتك لها بين الباحث الشاب والمترجم الذي راكم تجربة طويلة؟

قررت دار النشر إعادة طباعة "موسم الهجرة إلى الشمال" بعد عشرين عاما من صدورها عام 1992، وكنت أفكر منذ فترة في ضرورة مراجعة الترجمة، لأن كل ترجمة تحتاج أحيانا إلى نوع من التحديث والمراجعة مع مرور الزمن.

لذلك اقترحت على دار النشر أن أراجع الترجمة وأن أضيف تذييلا ألخص فيه أهم المقاربات النقدية التي حظيت بها الرواية خلال هذه السنوات، خصوصا أنها اكتسبت مكانة بارزة في الأدب العالمي بوصفها إحدى الروايات المؤسسة في مجال الدراسات الثقافية، وخاصة في فرع "دراسات التابع" الذي يهتم بثقافات المناطق التي تعرضت للاستعمار الأوروبي وإشكاليات العلاقة بين الغالب والمغلوب في عالم ما بعد الاستعمار.

إعلان

لقد حافظت الرواية، التي صنفها إدوارد سعيد ضمن أفضل ستة كتب عربية في القرن العشرين، على دورها التأسيسي في فهم العلاقات بين الثقافة الأوروبية، أو ما يسمى بالغرب، والعالم العربي والأفريقي والإسلامي عموما.

لهذا المعنى، لا أرى أن قراءتي للرواية تغيرت كثيرا عما كانت عليه عند قراءتها الأولى، وحتى التعديلات التي أدخلتها على الترجمة عند إعادة نشرها لم تكن سوى لمسات طفيفة. وأعتقد أن هذا النص لم يحظَ في إيطاليا بما يستحقه من انتشار وشهرة، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن جنوب إيطاليا أصبح خلال السنوات الأخيرة إحدى أبرز نقاط وصول الهجرة غير النظامية إلى أوروبا.

تُعد "ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي من أكثر الروايات العربية كثافة شعرية واستعارة، ما أبرز تحديات نقل هذا النسيج اللغوي المركب إلى الإيطالية؟ وهل تتحول الترجمة أحيانا إلى إعادة خلق للنص؟

لما ترجمت "ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي واجهتني مشكلة مع نفسي، إذ كنت أتعامل مع قلم امرأة لأول مرة، وكنت أخاف ألا أكون قادرا على التماهي مع المؤلفة ونقل الإيقاع الإنشائي الذي يتسم به أسلوبها إلى اللغة المترجمة.

تجاوزت هذه العقبة مع التقدم في الترجمة، ومن خلال التوغل في ثنايا النص، مع الحرص على الحفاظ على إيقاعه في المقام الأول. تكتسح اللغة في هذه الرواية حيّزا مهما، سواء في بعدها الفصيح حيث تتضافر عناصر ثقافية مستمدة من التراث، أو في استحضار ما يتعلق بواقع الجزائر وتقاليدها عبر اللهجة المحكية.

وقد استندت في ذلك إلى معرفتي باللهجة التونسية، باعتبارها قريبة من لهجة الشرق الجزائري.

يعيش المترجم بين لغتين، لكن تجربتك تبدو عبورا بين عالمين حضاريين، كيف أثرت اللغة العربية في رؤيتك للثقافة الإيطالية، وكيف أثرت الثقافة الإيطالية في قراءتك للعالم العربي؟

نحن سكان حوض البحر الأبيض المتوسط نعيش في بيئة طبيعية واحدة تقريبا، نأكل القمح وزيت الزيتون والبقول، ونختلف عن بعضنا في أكل لحم الخنزير وشرب الخمر، دون أن يكون ذلك سببا للخصام.

بصفتي مترجما من ثقافة إلى أخرى، يتعين علي أن أرى الواقع برؤية مزدوجة دائما، دون أن أفقد الوعي بكنهي، ولا أقول "هويتي" عن قصد، إذ أعتبر أن كلمة "هوية" هي المسؤولة عن أشنع المصائب التي لحقت بالبشرية في العصر الحديث.

لذلك لا أستطيع قراءة نص أدبي عربي دون أن أجرب في ذهني ترجمته أو احتمال ترجمته. ومن جهة أخرى، أعتقد أن نظرتي إلى الثقافة الإيطالية تستفيد من هذه الرؤية المزدوجة، التي تساعدني على وضع الظواهر في إطار أوسع يتجاوز حدود المجال الواحد.

بعد عقود من تقديم الأدب العربي للقارئ الإيطالي، ما أكثر الصور النمطية التي وجدت أن الرواية العربية قادرة على تفكيكها؟ وهل ما يزال الأدب قادرا على مواجهة الخطابات الجاهزة في زمن الصورة السريعة؟

تُعد الرواية من أفضل الوسائل الفنية لمقاومة التنميط، لأنها تتعامل مع الواقع أو الحقيقة بوصفها مادة لها. فالشخصيات والأحداث والأماكن فيها تكون في أقرب الحالات إلى الواقع المعيش.

ومن خلال قراءة الرواية نكتشف أن المرأة العربية ليست ذلك الكائن المسلوب الإرادة أو العاجز عن الفعل، بل كثيرا ما تكون المحرك الأساسي للأحداث. ففي "موسم الهجرة إلى الشمال"، مثلا، يُمنح الدور الفاعل للمرأة حضورا مركزيا يجعلها عنصرا في تحولات السرد والتاريخ.

غير أن هذا التفكيك للصور النمطية عن المرأة والرجل والحياة في البيئة العربية يواجه اليوم حملات تنميط قوية، خصوصا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يُختزل العربي أو المسلم أحيانا في صور جاهزة تربطه بالعنف أو رفض الحرية.

في هذا السياق، يبقى أحد أهم أدوار الإبداع هو كشف الحقيقة، سواء كانت مرة أو حلوة، عبر الجمال والخيال، في مواجهة الزيف الذي تقوم عليه الصور النمطية.

إعلان من خلال عملك الجامعي والترجمة الأدبية والمؤسسية، كيف ترى مستقبل اللغة العربية ودراساتها في إيطاليا؟ وهل تغيرت دوافع الأجيال الجديدة لتعلم العربية؟

شهدت الجامعات الإيطالية طفرة ملموسة في عدد طلبة اللغة العربية منذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، وخلال نحو خمسة وعشرين عاما أصبحت العربية تُدرّس في معظم الجامعات الإيطالية، في حين كانت قبل ذلك محصورة في حوالي سبع جامعات فقط.

وقد أدى هذا التوسع في مراكز تدريس العربية، بما في ذلك المواد المرتبطة بها مثل تاريخ الإسلام وأصول الدين والأدب والشريعة، إلى تشعب مجالات الدراسة وتنوع التخصصات وارتفاع مستوى الكفاءات.

ولا بد من الإشارة أيضا إلى أن عددا من الطلبة ينتمي إلى الجاليات القادمة من البلدان العربية.

لذلك أرى أن مستقبل تعليم اللغة العربية والدراسات المرتبطة بها في إيطاليا إيجابي، سواء من حيث عدد الطلبة أو من حيث مستوى التكوين الأكاديمي.

عندما تختار عملا لترجمته، ما الذي يحسم قرارك القيمة الفنية، أم راهنية الموضوع، أم إمكانية الحوار مع القارئ الإيطالي، أم إحساس خاص بأن هذا الكتاب قد وجد طريقه إليك؟

انطلاقا من مقدمة كبرى مفادها أن سوق الكتاب العربي ما زال غير مرتبط بالسوق الإيطالية، لا من حيث العلاقات بين الناشرين ولا من حيث حجم المبيعات، فإن كل كتاب يُترجم من العربية يسلك مسارا يختلف عن كتاب آخر. لذلك فإن عنصر الصدفة يلعب دورا في قرار ترجمة عمل ما أو عدم ترجمته.

ما يجمع بين كل الكتب التي ترجمتها هو أنها نالت إعجابي أولا. ثم هناك معيار آخر يتمثل في قابلية النص للترجمة من حيث الموضوع والأسلوب، وأحيانا من حيث الحجم أيضا، فقد عُرض عليّ مرة كتاب أرعبني حجمه الذي ينيف عن 1700 صفحة.

هل قادتك خلفيتك اللسانية إلى النظر للمترجم بوصفه أكثر من وسيط بين لغتين، أي بوصفه من يعيد تفكيك النص وإعادة بناء علاقاته داخل نظام لغوي جديد؟

أظن أن الترجمة الأدبية مهنة أكثر منها علمًا، رغم أنها تتغذى من العلوم، لأنها تفرض معارف لسانية وتاريخية وحضارية وأدبية. ولذلك أراهن على الترجمة بكل ما أملك من كفاءات، وألجأ إلى البحث عند الاقتضاء.

كل ما يقوله التنظير الترجمي صحيح، فمثلا فكرة أن الترجمة هي إعادة كتابة العمل الأدبي وإعادة إبداعه تبدو منطقية، لكنني لا أستطيع أن أتخلى عن فكرة أنني لست إلا مؤديا أو منفّذا لكتابة أبدعها الكاتب، وأنه لولا الكاتب الأصلي لما كان بإمكاني إنجاز هذه الترجمة. وعلى هذا الأساس، وضمن هذه الحدود، أفتخر بما أقوم به من ترجمة إذا كانت نتيجة جهدي تقارب جودة النص الأصلي وجماله.

يقول أمبرتو إيكو إن الترجمة عملية "مفاوضة" مع النص الأصلي تنتهي دائما بخسارة ما، لأن الكثافة الدلالية في اللغة الأصل لا تساوي نظيرتها في اللغة الهدف، فضلا عن اختلافات أخرى صوتية وغيرها. وإذا اعتبرنا الوسيط "مفاوضا"، أمكننا قبول هذه الوظيفة دون تردد.

شاركت في ترجمة كتاب "لي يدان لأكتب"، الذي يضم شهادات من داخل غزة، ضمن مشروع جماعي ينقل أصواتا كتبت من قلب تجربة إنسانية قاسية، كيف تعاملت مع هذا النوع من النصوص التي لا تختبر فقط قدرة المترجم على نقل اللغة، بل تضعه أمام مسؤولية حفظ الذاكرة وصون صوت الإنسان؟ وهل كشفت لك هذه التجربة أن الترجمة يمكن أن تكون أحيانا فعل شهادة وعبور للإنسان قبل أن تكون مجرد عبور للنص؟

أجل. من خلال ترجمة هذه النصوص المتفرقة والمتفاوتة في النوع والطول، تأكدت أن الترجمة الأدبية، ولا سيما ترجمة الرواية، من أفضل الوسائل لتدوين الذاكرة الفردية وتحويلها إلى ذاكرة جماعية مشتركة.

كم من عنوان رواية يتضمن لفظة "ذاكرة" (مثل "ذاكرة الجسد"، "ذاكرة الماء"، "ذاكرة عالقة"، "ذاكرة الرصيف")، أرى في ذلك تطابقا واضحا بين موضوع العمل السردي ووظيفته، بحيث لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.

كنت، عندما أترجم الرواية، أعي تماما أنني أتعامل مع حقيقة افتراضية قائمة على تخييل الواقع في قالب فني. أما في شهادات غزة، فأنا أدرك أنني أمام حقيقة معيشة، حتى وإن صيغت في نصوص متفاوتة في الأسلوب. لذلك كان عليّ أن أترجم ليس فقط المعاني، بل أيضا نَفَس النص وقوته ودرجة الألم الكامنة فيه.

تبرز الأزمات المعاصرة فجوة عميقة بين الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان والممارسة الفعلية، كيف تنظر إلى هذه "الازدواجية" التي تحتفي بالضحية الأوكرانية وتغض الطرف عن الضحية الفلسطينية أو الأفريقية؟ إعلان

أعتقد أن مصطلح "خطاب" ليس في موضعه هنا، والأفضل أن نقول "السرديات الغربية"، بما تحمله الكلمة من إيحاء بإعادة تشكيل الأخبار، وقد يكون بعضها مفتعلا.

كثيرا ما تصطدم هذه السرديات الغربية التي تتحدث عن الدفاع عن القيم الكونية وحقوق الإنسان بواقع يخالفها تماما. ويبدو أن هذه القيم والحقوق المزعومة ليست سوى غطاء لمصالح، أو بالأحرى لمصلحة القوي على حساب الضعيف.

من هنا، أرى أن إحدى وظائف الفكر تتمثل في كشف الحقيقة أينما وُجدت. وما يبدو في الظاهر خطابا مزدوجا قد يتبين في العمق أنه سردية واحدة تخدم أطرافا ذات مصلحة في بيع الأسلحة، وتثبيت الأنظمة الأمنية، والتحكم في الطاقة، مع التلاعب بمشاعر الرأي العام عبر انتقاء حالات للتعاطف وتجاهل أخرى.

لذلك أرى ضرورة تدوين الواقع كما يُروى من أفواه من يعيشونه مباشرة، والابتعاد عن الإنصات للسرديات الجاهزة.

بعد أكثر من ثلاثة عقود مع اللغة العربية وآدابها وترجمتها، ماذا أضافت لك هذه الرحلة إنسانيا وفكريا؟ وماذا تعلمت عن الذات من خلال اكتشاف الآخر؟

لا أستطيع أن أتصوّر من كنت سأكون، ولا أيّ طريق كانت ستأخذني إليه الحياة، لولا انشغالي باللغة العربية وثقافتها. من المؤكد أني ما كنت لأستمتع بلذة اكتشاف الجمال الكامن في لغة الآخر وفي عالمه، بما يشبه ما يقوله المثل "من عاشر قوما أربعين يوما صار منهم".

إن مخاطبة الآخر بلغته تقيم عقد تفاهم معه، وتحول العلاقة بين الغرباء إلى علاقة بين جيران، وإن لم تكن بالضرورة علاقة ودّ، فإنها تفرض حدا أدنى من التعارف وإمكانية الحوار.

لقد تعلمت من هذا العبور إلى الفضاء الثقافي العربي أن المشترك بيني وبينه يفوق في النهاية ما هو مختلف. وشيء آخر لا يقل أهمية هو أن اللغة العربية بحد ذاتها تُعلّم التواضع والمثابرة وحب الاطلاع، إذ أدركت من خلال تجربتي أنه مهما بذلت من جهد لإتقانها، فسأظل أمام بيت شعر أو جملة فقهية، كمن يقف على عتبة باب لا يملك مفتاحه، ثم أعود إلى البحث عن منفذ من الجهل.

مقالات مشابهة

  • مترجم إيطالي: اللغة العربية تُعلّم التواضع والمثابرة
  • «مدينة نقادة للحرف التراثية».. مشروع جديد على 21 فدانًا لإحياء الصناعات التقليدية ودعم السياحة بقنا
  • الاتحاد البلجيكي لكرة القدم يُعيّن الهولندي مارك فان بومل مدربًا للمنتخب
  • بيان هام من صندوق التنمية الحضرية بشأن مشروع داخل نطاق القاهرة التاريخية
  • جامعة القاهرة تعلن نتائج مسابقات أفضل كلية صديقة للبيئة والمشروعات الخضراء
  • جامعة القاهرة تعلن نتائج مسابقات قطاع خدمة المجتمع وتنمية البيئة
  • لحماية حقوقهم.. قانون العمل يضع شروطا لإلحاق العمالة المصرية بالخارج
  • "وصال".. مشروع طلابي بجامعة حلوان التكنولوجية الدولية لترجمة لغة الإشارة العربية بالذكاء الاصطناعي
  • جامعة الحسين تحتفل بتخريج الفوج الـ 27
  • إطلاق الهوية الصوتية والبصرية وشخصيات كرتونية ثلاثية الأبعاد بوحدة التدريب بإعلام العاصمة