السينما الأميركية.. من تننتخب؟!
تاريخ النشر: 20th, October 2024 GMT
علي عبد الرحمن
لعبت هوليوود منذ السبعينيات دوراً محورياً في دعم مرشح دون الآخر في الانتخابات الرئاسية الأميركية والترويج لأجندته السياسية، وكانت السينما وسيلة لإعادة سرد القصص الوطنية وتشكيل تصورات الجمهور حول الزعماء السياسيين، مما يعكس مدى التأثير الذي يمكن أن تمارسه الثقافة الشعبية على السياسة، كذلك تجلى الانحياز السينمائي من خلال مشاركة العديد من نجوم هوليوود في حملات الانتخابات الرئاسية الأميركية، ودعمهم العلني للمرشحين الديمقراطيين.
يرى المتابعون، أن العلاقة بين هوليوود والحزب الديمقراطي بدأت مع الرئيس جون كينيدي، الذي كان وقتها رمزاً للأمل والتغيير في أميركا، وكانت كاريزما كينيدي وشخصيته الجذابة مصدر إلهام للعديد من نجوم هوليوود، الذين وجدوا فيه قائداً يعبر عن قيم الليبرالية والتقدمية التي يؤمنون بها، وساعد هذا التقارب في تأسيس تحالف غير رسمي بين السينما والحزب الديمقراطي، حيث أصبحت هوليوود معقلاً للديمقراطيين، تسهم من خلاله في دعم رؤيتهم السياسية والترويج لها.
في تلك الفترة، بدأت تظهر أفلام تروج للأجندة الديمقراطية وتعبر عن القيم التي يمثلها الحزب، وهذا التوجه كان جزءاً من استراتيجية أوسع لجعل السينما أداة لنقل الرسائل السياسية والاجتماعية، من خلال الأفلام التي تناولت قضايا مثل الحقوق المدنية والمساواة، وتعبر عن روح العصر التي حاول الديمقراطيون تجسيدها في سياساتهم.
تشكيل الأساطير
كانت السينما وسيلة فعالة لتشكيل الأساطير والروايات الوطنية، وأثبتت هوليوود قدرتها على خلق صور مثالية للقادة السياسيين، ما ينسجم مع تصورات الحزب الديمقراطي عن القيادة السياسية، من خلال تصوير القيم الليبرالية والتقدمية، وساهمت الانتاجات السينمائية في تشكيل نظرة الجمهور للمرشحين الديمقراطيين وتعزيز أجنداتهم السياسية.
ومن أبرز الأفلام التي سردت لترويج صورة محددة عن المرشح الديمقراطي، فيلم «الألوان الأساسية» 1998، إخراج مايكل ريتشي واستند إلى شخصية خيالية قريبة من الرئيس بيل كلينتون، وقدم رؤية درامية لشخصية سياسية تتسم بالكاريزما والإصلاح، ورغم أنه عمل خيالي، إلا أن الفيلم جسد القيم الديمقراطية مثل الشفافية والتغيير، مما عكس كيف يمكن للسينما أن تدعم صورة معينة للقيادة السياسية.
وقدم فيلم «الرئيس الأميركي» 1995، من إخراج روب راينر، صورة مثالية للرئيس الأميركي، وجسد شخصيته كرمز للعدالة والنزاهة، وعزز من القيم الديمقراطية من خلال تصوير ساكن البيت الأبيض يعمل بشفافية ووضوح ويضع مصالح الشعب في المقام الأول، وساهمت تلك الصورة السينمائية في ترسيخ فكرة الرئيس الذي يتسم بالقدرة على الإصلاح وتحقيق العدالة الاجتماعية لشعبه.
وحول تعزيز صورة الديمقراطيين كقوة للتغيير الإيجابي، تناول فيلم «ديف» 1993، قصة رجل عادي يتولى المنصب، ويقوم بإصلاحات جذرية تعكس الأخلاق والإنسانية، ومعاني القيادة السياسية النزيهة التي يتمتع بها الحزب الديمقراطي، من إخراج إيفان ريتشيل.
كما تناول فيلم «رئيس الخدم» 2013، إخراج لي دانيلز، صورة ملحمية لرئيس أميركي ينتمي إلى خلفية عرقية متواضعة، وعكست الرؤية السينمائية صورة الرئيس الذي يعمل على تحقيق المساواة والتقدم، بجانب تعزيز القيم الديمقراطية، تسليط الضوء على قضايا الحقوق المدنية والعدالة الاجتماعية.
ضد الجمهوريين
تعد فضيحة «ووترجيت»، واحدة من أبرز الأمثلة على استخدام السينما كأداة فعالة في مهاجمة الحزب الجمهوري، وفضح الفساد السياسي، تلك الفضيحة التي هزت أركان الإدارة الأميركية في السبعينيات، وأظهرت كيف يمكن للأعمال السينمائية أن تتحول إلى أسلحة قوية في معركة السياسة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالانتقادات الموجهة للحكومة.
ومن أبرز تلك الأفلام «كل رجال الرئيس» 1976، إخراج ألان جاي، ويعد تجسيداً سينمائياً واضحاً للانحياز الهوليوودي ضد الحزب الجمهوري، حيث قدم سرداً درامياً لدور الصحافة في الكشف عن تجاوزات إدارة نيكسون، ولم يكن الهدف من الفيلم مجرد رواية القصة، بل كان سعياً لتوجيه انتقادات لاذعة للجمهوريين وتعزيز المثل العليا التي يتبناها الديمقراطيون.
وكذلك فيلم «فروست/نيكسون» 2008، الذي يروي قصة المقابلات التلفزيونية بين الرئيس نيكسون والمذيع ديفيد فروست، واستعرض التحقيقات التي أجراها الإعلام مع الرئيس بعد الفضيحة الشهيرة، وقدم صورة متعمقة للصراع السياسي والنفسي الذي عانى منه نيكسون، وقدمت السينما نقداً سياسياً لاذعاً، وأعادت تأكيد القيم التي يحاول الديمقراطيون ترويجها، مثل الشفافية والمساءلة.
الرئيس المثالي
في حين كانت بعض الأفلام تسرد الأحداث التاريخية مباشرة، كانت هناك أفلام أخرى تقدم رؤى خيالية حول الرئيس الأميركي المثالي، مثل «15 مارس» 2011، إخراج جورج كلوني، الذي يتناول الحملات الانتخابية والسياسة من منظور داخلي، وأظهر الصورة المثالية للرئيس الذي يدعمه فريق من المستشارين المخلصين يعملون جاهدين لتحقيق أهدافهم، وكيف يمكن أن تكون الحملة السياسية وسيلة لتحقيق التغيير الإيجابي.
وفيلم «السيد سميث يذهب إلى واشنطن» 1939، للمخرج فرانك كابرا، وتناول مسيرة الشاب البسيط الذي استطاع تحقيق تأثير كبير في السياسة الأميركية من خلال إيمانه بمبادئه والعمل بنزاهة وإخلاص، وتلك الأفلام لم تكن مجرد ترفيه، بل رسائل سياسية تحمل بين طياتها نقداً لسياسات معينة وتشجيعاً على تبني مواقف أخلاقية وإنسانية في القيادة، بجانب تشكيل صورة الرئيس الذي يطمح الجمهور لرؤيته في البيت الأبيض، وتعزيز القيم الديمقراطية، مثل العدالة الاجتماعية والعمل للصالح العام، مما ساهم في ترسيخ صورة مثالية عن القيادة التي يتبناها الحزب الديمقراطي.
النجوم والانتخابات
استمر دعم نجوم هوليوود للمرشحين الديمقراطيين في التأثير بشكل ملحوظ على الرأي العام، خاصة في الانتخابات الرئاسية، عبر تاريخ طويل، وقدموا دعماً قوياً للحزب، مستخدمين منصاتهم الإعلامية وشعبيتهم لتوجيه الانتباه نحو قضايا الحزب والتأثير على الناخبين، وفي انتخابات 2024، تميز دعم مجموعة من النجوم البارزين بطرق عدة، تعكس التزامهم بالقيم الديمقراطية والرؤية السياسية للحزب.
يعتبر جورج كلوني من أبرز الأسماء في هوليوود التي تدعم الحزب الديمقراطي، ويشتهر بمواقفه المؤيدة لحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، واستخدم منصاته لدعم القضايا التي تتماشى مع أجندة الحزب، وفي انتخابات 2024، يلعب دوراً نشطاً في دعم المرشح الديمقراطي من خلال الترويج وجمع التبرعات لدعم الحملة الانتخابية، وجمع الأموال لدعم المبادرات الاجتماعية والسياسية التي تشجع على الإصلاحات، مما يعكس التزامه العميق بالقضايا الديمقراطية.
كما يعد مايكل دوغلاس، المعروف بأدواره البارزة في السينما، من الأصوات المؤثرة في هوليوود التي تدعم الحزب الديمقراطي، من خلال مشاركته في فعاليات وحملات ترويجية، وأعرب عن التزامه بالقضايا الديمقراطية مثل التغير المناخي والإصلاحات الاجتماعية، وفي انتخابات 2024، يواصل نشاطه في دعم المرشح الديمقراطي من خلال التحدث في المؤتمرات وجمع الأموال لصالح الحملة، ويسلط الضوء على قضايا مثل التغير المناخي من خلال حملات توعية وشراكات مع المنظمات غير الحكومية التي تعزز البيئة المستدامة.
كذلك يعد المخرج الوثائقي والناشط السياسي مايكل مور، من الشخصيات البارزة التي دعمت المرشحين الديمقراطيين عبر أفلامه، مثل «بولينج لكولومباين» و«فهرنهايت 9-11»، وفي انتخابات 2024، يستمر مور في دعمه للمرشح الديمقراطي، عبر مشاركة آرائه في وسائل الإعلام وفي الحملات الانتخابية، مما يعزز من موقفه كمؤيد للحزب.
وساهم المدير التنفيذي لشركة «نيتفليكس» ريد هاستينغز، في دعم القضايا الديمقراطية، وفي انتخابات 2024، يلعب هاستينغز دوراً فعالاً في دعم المرشح الديمقراطي من خلال ترويج قضايا حقوق الإنسان والإصلاحات الاجتماعية، وإنتاج أفلام وثائقية وبرامج تسلط الضوء على القضايا السياسية.
أما ميريل ستريب، فقد لعبت دوراً مهماً في دعم الحزب الديمقراطي، من خلال تصريحاتها ومشاركتها في الفعاليات السياسية، ووجهت نقداً حاداً للسياسات الجمهورية، وساهمت في رفع مستوى الوعي حول قضايا، مثل حقوق المرأة والفجوة الاقتصادية. وكذلك روبرت دي نيرو، المعروف بجرأته في التعبير عن آرائه السياسية، لم يتردد في استخدام منصته لدعم المرشحين الديمقراطيين.
المصدر
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: البيت الأبيض هوليوود السينما السينما الأميركية الانتخابات الرئاسية الأميركية الولايات المتحدة سباق البيت الأبيض المرشح الدیمقراطی القیم الدیمقراطیة الحزب الدیمقراطی وفی انتخابات 2024 دعم المرشح من خلال من أبرز فی دعم
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود