منذ سقوط النظام السوري، والدعوات الدولية للقيادة الجديدة منصبة بجزء كبير على "حماية الأقليات"، وسط مخاوف من وقوع البلاد في "فخ الطائفية".

مدير مؤسسة "الذاكرة السورية" ومؤلف الكتاب "البعث الشيعي في سوريا"، الدكتور عبد الرحمن الحاج، يفسر الدعوات هذه بأسباب عديدة، أحدها أن أحد بواعث الصراع في سوريا هو "الطائفية" التي مارسها النظام السوري البائد في عهد حافظ الأسد وابنه بشار الأسد، وبالتالي الخوف من نوازع الانتقام.



أما السبب الثاني، فيربطه في حديثه لـ"عربي21" بمفهوم الدولة الحديثة، الذي يتعامل مع مفهوم الأقلية بحساسية بالغة، إذا لم تتعارض مع مصالحه، وبالتالي هو بدهية سياسية، ويقول: "يفترض أن لا يذكروا القيادة بها، لكنهم (الغرب) ينظرون إلينا نظرة استشراقية، أي القوي يأكل الضعيف، وبالتالي يذكروننا به كأحد أسس بناء الدولة".

وبحسب الحاج، فإن السبب الثالث هو التجارب البائسة في الدول المجاورة، والتي خاضت حروباً أهلية على أساس صراع طائفي، وانتهت إلى محاصصات أدت إلى تعميق الهوة بين الأطراف، سواء كان هذا في لبنان أو في العراق.

ورابع هذه الأسباب، بحسب الكاتب، هو أن أبناء الأقليات يعتقدون أن حمايتهم من تغول أبناء بلدهم يكمن في القوة الخارجية، وفي ضغط الدول الأجنبية.

ولا تتوفر معلومات دقيقة عن نسب التوزع الطائفي في سوريا، وكل ما هو متوفر بهذا الخصوص معلومات تعتمد إحصاءات مختلفة، آخرها يعود إلى الثمانينات.

التوزع الطائفي السوري (أكثرية سنية)
ويشكل المسلمون السنة الأغلبية في سوريا، بحيث تُقدر إحصائيات متطابقة نسبتهم عند حدود 77 في المئة.

و يتوزعون في كل المدن السورية وأريافها، وخاصة في مراكز المدن الكبرى والصغرى من دمشق إلى حلب مروراً بحمص وحماة، واللاذقية، وطرطوس، ودرعا جنوباً، إلى الحسكة ودير الزور والرقة شرقاً.

ومنذ اندلاع الثورة السورية حاول النظام تصوير الثورة على أنها حراك طائفي (سُني)، وبدأ بقمع الحواضن السنية.

العلويون (حاضنة النظام السابق)
وتقول أرقام شبه مؤكدة إن نسبة أبناء الطائفة العلوية تتجاوز 10 في المئة بقليل، وكان النظام يتعامل معهم على أنهم "خزان بشري".

ينحدر رئيس النظام السابق بشار الأسد من هذه الطائفة، وتعد أرياف الساحل السوري معقل الطائفة العلوية في سوريا.

ويتركز وجودهم بشكل كبير في ريفي اللاذقية وطرطوس، وبعض قرى حماة وحمص، لكن خلال حكم النظام السابق انتقل قسم كبير منهم إلى دمشق وحمص.

وتقول مصادر مفتوحة إن النظام السوري السابق عمد إلى تسليم أبناء الطائفة العلوية المراكز الهامة في الجيش والمؤسسات المدنية.

وتتهم المعارضة السورية أبناء الطائفة بممارسة دور "أدوات القتل"، لكن مصادراً من الطائفة ترفض التهم، وتدافع بأن "النظام استنزف الطائفة لمصلحته عائلته الضيقة".


المسيحيون (محط أنظار الغرب)
ومنذ عقود تتراجع أعداد المسيحيين في سوريا، شأن بقية دول المنطقة، لكن مع اندلاع الثورة السورية في العام 2011، تزايدت هجرة المسيحيين من البلاد، نتيجة الحرب وتردي الوضع المعيشي.
بحسب إحصائيات كان المسيحيون يشكلون نسبة 10 في المئة من سكان سوريا، وتشير أغلب التوقعات الحالية إلى أن عددهم تناقص كثيراً.

ينتشر أبناء الديانة المسيحية في مدن دمشق وحلب ودرعا والحسكة وطرطوس وفي أرياف حماة وبعض قرى الساحل السوري.

ومنذ سيطرة "إدارة العمليات العسكرية" على حلب، بدأت المخاوف تتزايد من تعرض المسيحيين إلى مضايقات، لكن الأحداث حتى الآن تُثبت خلاف ذلك، بحيث صدر أكثر من بيان من رجال دين مسيحيين يؤكدون على البقاء في سوريا.

ويرى الباحث في الشأن السوري أحمد السعيد، أن المسيحيين هم محط أنظار الغرب، ويقول لـ"عربي21": "كان النظام السابق بتاجر بهذه الورقة، وباعتقادي نجحت "القيادة الجديدة" في التعامل مع هذا الملف الحساس".

الدروز (حياد مناهض للنظام)
يتركز الوجود الدرزي في سوريا في محافظة السويداء (جنوب سوريا)، ولهم امتدادات في بعض قرى إدلب.

وفق إحصائيات فإن الدروز يشكلون 3 في المئة من عدد سكان سوريا، وتتهم مصادر الطائفة النظام السابق بممارسة "الإقصاء" ضدهم.

ويدللون على ذلك، بالوضع المعيشي الصعب الذي يسود محافظة السويداء والقنيطرة، نتيجة حرمان هذه المحافظة من وسائل التنمية الاقتصادية.

منذ اندلاع الثورة السورية التزم الدروز الحياد، ومنعوا شبابهم من الالتحاق بجيش النظام السابق، لكن قلة منهم ساندوا جيش النظام.

وثار الدروز أكثر من مرة ضد النظام السوري، وخاصة في العامين الأخيرين، بسبب الواقع الاقتصادي المتردي، وتحولت شعارات ثورتهم من مطالب اقتصادية إلى سياسية مطالبة بإسقاط النظام.

الإسماعيلية
ينتشر أبناء المذهب الإسماعيلي في مدينة سلمية وريفها التابعة لمحافظة حماة (وسط سوريا)، إلى جانب بعض القرى في الساحل السوري.

وتقدر إحصائيات أن أبناء الطائفة الإسماعيلية في سوريا يشكلون 1 في المئة، وغالبيتهم فضلوا الحياد والهجرة.

ودخلت قوات "إدارة العمليات العسكرية" إلى مدينة سلمية، بشكل سلمي، بعد اتفاق مع أهلها على حياد المدينة وريفها.

قوميات "سنية"
ويدخل تحت تصنيف الأكثرية السنية قوميات سورية عديدة أكبرها الأكراد والتركمان والشركس وغيرها.

ويتوزع هؤلاء على محافظات حلب والحسكة واللاذقية بنسبة كبيرة.

هل المخاوف الدولية مبررة؟
وبحسب عبد الرحمن الحاج، لم يحدث في تاريخ سوريا مجازر تتعلق بالأقليات، موضحاً أن "كل الأديان في سوريا عاشت من فجر التاريخ بدون حروب أهلية، باستثناء ما يعرف بــ"طوشة دمشق" وهي حادثة قصيرة سرعان ما وقف السكان ضدها في نهاية القرن الثامن عشر".

ويتابع: "لم يحدث في سوريا حوادث اقتتال طائفي مهمة باستثناء عهد الأسدين، الذين استخدموا الطائفة العلوية ضد جميع السوريين للإمساك بالسلطة، وفي سبيل ذلك ارتكبوا الفظائع".

ويتفق مع الحاج الباحث أحمد السعيد، الذي يعتقد أن "مخاوف الغرب غير مبررة"، مختتماُ بقوله: "الشعب السوري لم يعتد على الطائفية، ومخاوف الغرب هي ذريعة لا أكثر".

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات سياسة دولية النظام سوريا الأسد سوريا الأسد النظام العلويين المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الطائفة العلویة النظام السوری النظام السابق أبناء الطائفة فی سوریا فی المئة

إقرأ أيضاً:

من مانشستر.. بيرنهام يبدأ إعادة رسم خريطة السلطة في بريطانيا

بدأ رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام من قلب مانشستر، وفي خطوة تحمل دلالات سياسية تتجاوز افتتاح مكتب حكومي جديد، تنفيذ مشروعه لإعادة توزيع السلطة والثروة داخل المملكة المتحدة، مع عقد أول اجتماع رسمي في المقر الجديد الذي أطلق عليه اسم "داونينغ ستريت الشمال".

ويترأس بيرنهام، الجمعة، الاجتماع الافتتاحي للمجلس الاقتصادي الوطني، بحضور وزراء بارزين ورؤساء بلديات إقليميين، في محاولة لنقل مركز صناعة القرار الاقتصادي بعيداً عن لندن، وتعزيز دور المدن والأقاليم في تحديد أولويات الاستثمار والتنمية.

ووصف رئيس الوزراء المشروع بأنه "أكبر عملية لإعادة موازنة السلطة شهدتها بلادنا"، في حين يرى مؤيدوه أن الخطوة قد تمثل بداية لتحول عميق في طريقة إدارة الدولة البريطانية، بعد عقود من تركّز السلطة السياسية والاقتصادية في العاصمة.

لكن المشروع يواجه، وفق صحيفة "الغارديان"، منذ بدايته انتقادات من المعارضة، التي تتهم بيرنهام بأنه لا يزال يتصرف بعقلية رئيس بلدية مانشستر، في وقت ينتظر فيه البريطانيون حلولاً لأزمات وطنية متراكمة، من غلاء المعيشة والإسكان إلى الطاقة والسجون.

"داونينغ ستريت الشمال".. السلطة تغادر لندن

يقع المقر الجديد في "هيرون هاوس" وسط مانشستر، في المبنى نفسه الذي يضم مقر وكالة الاتصالات الحكومية البريطانية في شمال غرب البلاد.

ومن المتوقع أن يعمل بيرنهام من المكتب مرة واحدة أسبوعياً، بما يبقيه قريباً من دائرته الانتخابية في ميكرفيلد ومن المنطقة التي نشأ فيها، فيما سيستخدم وزراء آخرون منحدرون من شمال غرب إنجلترا، من بينهم أنجيلا راينر ولوسي باول، المكتب بصورة منتظمة.

لكن أهمية المشروع لا تكمن في نقل بعض ساعات العمل الحكومية إلى مانشستر، بل في الطموح المعلن لجعل المدينة مركزاً لصناعة القرار الاقتصادي على مستوى المملكة المتحدة.

وفي مقاله المنشور في صحيفة "الغارديان"، قال بيرنهام إن الهدف يتمثل في "أخذ السلطة إلى الأسفل ووضعها في أيدي الأشخاص الذين يستطيعون استخدامها على أفضل وجه".

وأضاف أن المكتب الجديد سيكون مسؤولاً عن تسريع عملية نقل الصلاحيات إلى الأقاليم، ودفع إعادة التصنيع والنمو في مختلف أنحاء البلاد، وإزالة العقبات التي تواجه مشاريع التجديد، من بناء مساكن المجالس المحلية إلى تطوير وسائل النقل العام.

وبحسب رئيس الوزراء، فإن الحكومة المركزية يجب أن تعمل "مع الأماكن" لا أن تقف في طريقها، في إشارة إلى انتقاده للنموذج التقليدي الذي ظلت فيه القرارات الكبرى المتعلقة بالاستثمار والبنية التحتية والتنمية الاقتصادية تُتخذ من العاصمة.

المجلس الاقتصادي الوطني يعود إلى الواجهة

ويأتي الاجتماع الأول في "داونينغ ستريت الشمال" بالتزامن مع إعادة تنشيط المجلس الاقتصادي الوطني، وهو إطار حكومي أطلقه رئيس الوزراء الأسبق غوردون براون عام 2008، في أعقاب الأزمة المالية العالمية.

وتكمن أهمية المجلس في جمع كبار الوزراء مع رؤساء البلديات الإقليمية، بما يسمح ـ نظرياً ـ بربط القرار الاقتصادي المركزي بالاحتياجات الفعلية للمناطق.

ويريد بيرنهام من هذه الآلية أن تكون جزءاً من تحول أكبر في علاقة الحكومة المركزية بالمدن والأقاليم، بحيث لا تقتصر اللامركزية على نقل الصلاحيات الإدارية، بل تمتد إلى القرارات المتعلقة بالنمو والاستثمار والبنية التحتية.

ويضع ذلك رئيس الوزراء أمام اختبار صعب: هل تستطيع حكومته نقل السلطة الفعلية، أم أن "داونينغ ستريت الشمال" سينتهي إلى مجرد عنوان رمزي لمشروع سياسي طموح؟

معارضة: بيرنهام "لا يزال عمدة مانشستر"

لم تنتظر المعارضة طويلاً لمهاجمة المشروع. واتهمت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادنوك رئيس الوزراء بأنه يحكم بريطانيا "كما لو أنه لا يزال عمدة مانشستر"، في انتقاد يعكس المخاوف من أن يتحول المشروع إلى منصة سياسية تركز على شمال إنجلترا أكثر من اللازم.

ويرى المحافظون أن بيرنهام مطالب بالتعامل مع قضايا تمس البلاد بأكملها، وليس فقط إعادة توزيع مراكز القرار بين لندن ومانشستر.

غير أن أنصار رئيس الوزراء يردون بأن جوهر المشروع هو تحديداً معالجة مشكلة وطنية مزمنة، تتمثل في الفوارق الكبيرة بين مناطق المملكة المتحدة، والتي يرون أنها غذّت مشاعر التهميش والاستياء وأضعفت الثقة بالمؤسسات السياسية.

ومن هذا المنظور، فإن نقل السلطة إلى الأقاليم لا يمثل انحيازاً إلى مانشستر، بل محاولة لإعادة بناء الدولة على أساس أكثر توازناً.

بيرنهام: أربعة عقود من المركزية أضعفت بريطانيا

يقدم بيرنهام مشروعه باعتباره رداً على ما يعتبره اختلالاً تاريخياً في بنية الدولة البريطانية. وفي مقاله، قال إن بريطانيا اتخذت خلال العقود الأربعة الماضية "سلسلة من المنعطفات الخاطئة"، تمثلت، بحسب وصفه، في تركيز السلطة السياسية، وخصخصة القوة الاقتصادية، وتراجع التصنيع في عدد كبير من المجتمعات.

ويرى أن العديد من المناطق التي تضررت من هذا المسار لم تتمكن من التعافي، لأنها لم تكن تملك الصلاحيات أو الأدوات اللازمة لتغيير واقعها.

ويعتقد رئيس الوزراء أن هذه الحالة من الإهمال كانت أحد العوامل التي غذت الاضطرابات السياسية المتزايدة في بريطانيا، وأسهمت في اتساع الفجوة بين المواطنين والمؤسسات.

كما ينتقد بورنهام تجربة «رفع المستوى» التي تبنتها حكومات سابقة، معتبراً أن نقل بعض مكاتب الدولة إلى مناطق خارج لندن لم يكن كافياً، طالما بقيت القرارات الأساسية في أيدي المؤسسات المركزية في العاصمة.

أزمة جديدة على جبهة الطاقة

وبينما يركز بيرنهام على إعادة توزيع السلطة، تواجه حكومته اختباراً مختلفاً في ملف الطاقة، مع تقارير عن استعدادها للتحرك سريعاً بشأن مشاريع جديدة للنفط والغاز في بحر الشمال.

وبحسب تقارير صحفية، تدرس الحكومة احتمال الموافقة على تطوير حقلي "جاكدَو" و"روزبانك" قبالة السواحل الاسكتلندية، في خطوة قد تهدف إلى زيادة الإنتاج المحلي والمساعدة في خفض تكاليف الطاقة.

وقد تكون الموافقة خلال شهر آب/أغسطس كافية لبدء الإنتاج في وقت مبكر من تشرين الأول/أكتوبر، وفق ما أوردته التقارير.

لكن القرار المحتمل يضع وزيرة الطاقة الجديدة مياتا فانبوله في مواجهة معقدة، خصوصاً بسبب مواقف سابقة ارتبطت بها وبمؤسسة "نيو إيكونوميكس فاونديشن" التي ترأستها، والتي دعت في تقرير سابق إلى وقف التوسع في عمليات التنقيب الجديدة في بحر الشمال.

وتضغط جماعات بيئية على الحكومة لرفض مشروعي "روزبانك" و"جاكدَو"، محذرة من أن التوسع في إنتاج الوقود الأحفوري يتعارض مع أهداف التحول المناخي.

في المقابل، يرى مؤيدو تطوير الحقول أن بريطانيا بحاجة إلى تأمين إمدادات الطاقة المحلية، وأن الإنتاج من بحر الشمال يمكن أن يؤدي دوراً في تعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية.

وبذلك، يجد بيرنهام نفسه أمام معادلة سياسية دقيقة: كيف يخفض كلفة الطاقة ويحافظ على أمن الإمدادات، من دون أن يخسر دعم الناخبين المهتمين بالبيئة أو يتراجع عن تعهدات التحول إلى الطاقة النظيفة؟

راينر: الحكومة "على وقت مستعار"

وتعكس تصريحات وزيرة الإسكان أنجيلا راينر حجم الضغوط التي تواجهها الحكومة الجديدة. وقالت راينر إن الإدارة الجديدة "على وقت مستعار" إذا لم تتحرك بسرعة لإحداث تغيير ملموس، مشيرة إلى أن بورنهام يدرك حجم الإحباط الشعبي الناجم عن ارتفاع تكاليف المعيشة.

وتحاول الحكومة تقديم سلسلة من الإجراءات السريعة، بينها وضع سقف لأسعار تذاكر الحافلات، وخفض ضريبة القيمة المضافة على فواتير الكهرباء، وتقديم دعم لقطاعي الحانات والنوادي.

لكن هذه الإجراءات تواجه اختباراً حقيقياً أمام واقع اقتصادي لا يزال صعباً، فيما يراقب الناخبون ما إذا كانت القرارات الحكومية ستترجم إلى تحسن فعلي في دخول الأسر ومستويات المعيشة.

هدف بناء 1.5 مليون منزل يزداد صعوبة

وفي قطاع الإسكان، أقرت راينر بأن هدف الحكومة بناء 1.5 مليون منزل خلال الدورة البرلمانية الحالية أصبح أكثر صعوبة، لكنها شددت على أنها لا تتخلى عنه.

وتأتي تصريحاتها في ظل ارتفاع تكاليف البناء، وتحديات التمويل، والضغوط التي تواجه قطاع الإنشاءات.

كما استبعدت في الوقت الراهن فرض ضوابط مباشرة على الإيجارات، معتبرة أن الإصلاحات التي أقرتها حكومة حزب العمال في مجال حقوق المستأجرين بدأت بالفعل تؤثر في السوق.

ويشكل ملف الإسكان واحداً من أكبر الاختبارات أمام حكومة بورنهام، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات في مناطق واسعة من البلاد، ونقص المعروض السكني.

مراجعة خطة الإفراج المبكر عن السجناء

وفي ملف العدالة الجنائية، أمر بيرنهام بمراجعة عاجلة لخطة الإفراج المبكر عن آلاف السجناء في إنجلترا وويلز، بعد موجة من الانتقادات من جانب الضحايا وعائلاتهم.

وكانت الحكومة قد خططت للسماح بالإفراج المبكر عن عدد كبير من السجناء اعتباراً من أيلول/سبتمبر، في محاولة للتعامل مع أزمة اكتظاظ السجون.

لكن رئيس الوزراء أوقف تنفيذ الخطة مؤقتاً، مؤكداً أن سلامة الجمهور يجب أن تكون الأولوية.

وقالت وزيرة الإسكان المساعدة سالي جيمسون، وهي ضابطة سجون سابقة، إن المراجعة ستُجرى خلال "الأيام والأسابيع المقبلة".

ويعكس هذا الملف واحدة من المعضلات الأكثر حساسية أمام الحكومة الجديدة: كيفية معالجة أزمة السجون المكتظة من دون تعريض الأمن العام للخطر أو إثارة غضب ضحايا الجرائم.

"دفعة بيرنهام" ترفع معنويات المستهلكين

وفي مؤشر قد يمنح الحكومة بعض الوقت لالتقاط الأنفاس، أظهرت بيانات اقتصادية ارتفاعاً ملحوظاً في ثقة المستهلكين البريطانيين خلال تموز/يوليو.

وقالت مؤسسة "النمو من خلال المعرفة": إن التفاؤل العام تلقى دفعة من احتمالات وصول بورنهام إلى رئاسة الحكومة، إلى جانب عوامل أخرى مثل الأداء الجيد للمنتخب الإنجليزي والطقس المشمس.

وارتفع المؤشر العام لثقة المستهلكين ست نقاط إلى -17، وهو أعلى مستوى منذ كانون الثاني/يناير، وأكبر ارتفاع منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2023.

كما تحسنت توقعات المستهلكين بشأن الاقتصاد خلال العام المقبل بثماني نقاط، بينما ارتفعت نظرتهم إلى أداء الاقتصاد خلال العام السابق بعشر نقاط.

ووصف نيل بيلامي، مدير رؤى المستهلكين في مؤسسة "النمو من خلال المعرفة"، الشهر بأنه شهد "موجة من التفاؤل". لكن من المبكر اعتبار هذه الأرقام تحولاً اقتصادياً مستقراً، إذ إن ثقة المستهلكين قد تتأثر بعوامل سياسية وموسمية، فيما يبقى التحدي الحقيقي أمام الحكومة هو تحويل هذا التفاؤل إلى تحسن ملموس ومستدام في الاقتصاد.

"تحالف سلتي" يفتح ملف مستقبل الاتحاد البريطاني

وفي موازاة مشروع بيرنهام لإعادة توزيع السلطة داخل إنجلترا، تتزايد أهمية النقاش حول مستقبل الاتحاد البريطاني نفسه.

وقال رئيس وزراء ويلز، رون أب إيورث، إنه يملك "تحالفاً سلتياً" مع نظيره الاسكتلندي جون سويني، مؤكداً أن حزبه "بلايد كامري" يعمل بصورة وثيقة مع الحزب الوطني الاسكتلندي.

وتأتي تصريحاته في وقت تتولى فيه أحزاب مؤيدة للاستقلال أو ذات توجهات قومية السلطة في عدد من الأقاليم البريطانية، ما يضيف بعداً جديداً إلى مشروع بيرنهام.

ففي حين يرى رئيس الوزراء أن تعزيز اللامركزية يمكن أن يساعد في الحفاظ على وحدة المملكة المتحدة عبر تقليص الفوارق الاقتصادية والتنموية، قد يرى القوميون أن منح الأقاليم مزيداً من الصلاحيات يفتح الباب أمام مطالب أوسع بالحكم الذاتي أو الاستقلال.

وهنا تكمن المفارقة السياسية: قد يكون نقل السلطة من لندن وسيلة لإنقاذ الاتحاد البريطاني، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تعزيز القوى التي تطالب بمزيد من الاستقلال عن لندن.

وبعبارة أخرى فإن تحالف سلتي هو  "تحالف سياسي بين ويلز واسكتلندا يقوم على التقارب بين القوى القومية والمؤيدة لتوسيع صلاحيات الأقاليم".

المعركة الحقيقية تبدأ الآن

يضع بيرنهام رهانه السياسي الأكبر على مانشستر، لكنه يعلم أن نجاح "داونينغ ستريت الشمال" لن يُقاس بعدد الاجتماعات التي ستُعقد في المدينة، ولا بعدد الوزراء الذين سيستخدمون المكتب الجديد.

الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة المشروع على تغيير طريقة اتخاذ القرار، وتحويل اللامركزية من شعار سياسي إلى نتائج اقتصادية ملموسة.

هل ستتمكن المناطق من جذب استثمارات جديدة؟ هل ستتقلص الفجوة بين شمال إنجلترا ولندن وجنوب شرق البلاد؟ هل ستتحسن وسائل النقل والإسكان؟ وهل ستنجح الحكومة في إعادة التصنيع وخلق وظائف ذات أجور جيدة؟

تلك هي الأسئلة التي ستحدد مصير مشروع بيرنهام.

وفي الوقت نفسه، فإن رئيس الوزراء لا يملك ترف الانتظار طويلاً. فملفات الطاقة، وتكاليف المعيشة، والإسكان، والسجون، والثقة الاقتصادية، كلها تتطلب قرارات سريعة.

أما مشروع "داونينغ ستريت الشمال"، فيحمل رهانا أكبر: إعادة تعريف العلاقة بين لندن وبقية المملكة المتحدة.

ومن مانشستر، يريد بيرنهام أن يثبت أن بريطانيا يمكن أن تُحكم بطريقة مختلفة؛ أقل مركزية، وأكثر اعتماداً على الأقاليم، وأن نقل السلطة يمكن أن يصبح محركاً للنمو لا مجرد تغيير في عنوان المكتب.

لكن نجاح التجربة سيعتمد في النهاية على سؤال واحد: هل يستطيع بيرنهام أن ينقل السلطة فعلاً من لندن، أم أن "داونينغ ستريت الشمال" سيبقى مجرد رمز سياسي لطموح أكبر من قدرة الحكومة على تنفيذه؟


مقالات مشابهة

  • من مانشستر.. بيرنهام يبدأ إعادة رسم خريطة السلطة في بريطانيا
  • في ذكرى 23 يوليو.. السقاف: تضحيات شهداء أبين ستظل حاضرة في الذاكرة
  • مجلس الأعمال السوري الأردني يرحب بتسهيلات دخول المستثمرين السوريين وأسرهم
  • 66.4 مليون مشاهد يعيدون رسم خريطة تجارة البث الرياضي
  • ماسك يراوغ بعد سؤال مذيعة له إن كان معاديا للمسلمين.. كيف أجاب؟ (شاهد)
  • يمن العطاء الجهادي سيظل منارة الشموخ والتحدي والانتصار
  • بعد احتجاجات حمص.. حسام جنيد يعتذر عن دعم الأسد
  • خريطة مستضيفي كأس العالم في النسخ الثلاث المقبلة
  • عشائر خلدة في دار الطائفة: تأكيد على التضامن والجبل
  • هل يعيش جيل زد أول ثورة نفسية ضد التربية التقليدية؟