سرايا - في مشهد يعكس إصرارا استثنائيا، عاد عدد من طلاب غزة إلى مدارسهم المدمرة لاستئناف تعليمهم، متحدّين الظروف القاسية التي فرضتها الحرب الإسرائيلية على غزة. ورغم غياب الزي المدرسي والكتب، فإن الأمل في مستقبل أفضل كان دافعًا لهم للاستمرار في مسيرتهم التعليمية.

صامد إيهاب (13 عامًا) طالب في الصف التاسع من مخيم البريج وسط قطاع غزة، كان من بين مئات الطلاب الذين هرعوا إلى مدارسهم على أمل أن يجدوا مقاعدهم الدراسية كما تركوها.

لكن الواقع كان مختلفًا، إذ يقول لوكالة الأنباء الألمانية "لم نجد في المدرسة سوى بضع جدران مدمرة وبقايا صفوف دراسية. ومع ذلك، فضلنا العودة إلى حياتنا التعليمية حتى إن كان كل شيء مدمرًا حولنا".

لم تكن المدرسة وحدها ما فقده إيهاب، بل أيضًا زيه المدرسي الذي تعذر عليه الاحتفاظ به خلال شهور النزوح المتكررة. ويضيف "صحيح أننا فقدنا كل شيء تقريبًا، لكن ذلك لن يمنعنا من التعلم. نحن مصممون على بناء مستقبلنا، حتى إن كانت مدارسنا مدمرة".

ويؤمن إيهاب بأن التعليم هو السبيل الوحيد للخروج من الأوضاع الصعبة التي يعيشها سكان قطاع غزة، قائلا إن "التعليم هو الطريق الوحيد للنجاة، ليس فقط من الظروف القاسية، بل أيضًا من الجهل الذي تسعى إسرائيل لفرضه علينا".

ويضيف "لم يكن سهلًا عليّ أن أعود إلى المدرسة ولا أجد العديد من زملائي. بعضهم قتلهم الجيش الإسرائيلي، وآخرون نزحوا إلى مناطق أخرى. لكنني تعرفت على أصدقاء جدد يجمعنا الإصرار ذاته لمواصلة تعليمنا مهما كانت الظروف. التعليم هو السلاح الأقوى ضد الجهل، ونحن نعلم أن العلم هو أداة التغيير في هذا العالم".


دراسة وسط الدمار
وكانت وزارة التربية والتعليم في قطاع غزة قد أعلنت قبل أيام عن بدء العام الدراسي الجديد، في أول استئناف للعملية التعليمية منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وقالت الوزارة، في مؤتمر صحفي بمدينة غزة، إن مئات الآلاف من التلاميذ انتظموا في بقايا المدارس التي دمر الجيش الإسرائيلي أكثر من 80% منها، إضافة إلى خيام ونقاط تعليمية أقيمت لضمان استئناف التعليم الوجاهي.

وأضافت "يبدأ اليوم العام الدراسي الجديد في ظل ظروف استثنائية، ورغم التحديات الكبيرة التي فرضتها الحرب والدمار الهائل الذي خلفته".

وشددت الوزارة على التزامها بضمان حق التعليم لجميع الطلبة، سواء في المدارس التي لا تزال قائمة، أو تلك التي رُمّمت وجُهزت، أو عبر المدارس البديلة التي أنشئت في مناطق عدة.

هلا السبع (13 عامًا)، طالبة في الصف التاسع، كانت من بين الطلاب الذين عادوا إلى مقاعدهم الدراسية رغم كل الظروف. وتقول "لقد افتقدنا المدرسة وحياتنا التعليمية، وهذه بداية جديدة لرحلتنا الدراسية".

وتضيف لوكالة الأنباء الألمانية "صحيح أننا لا نمتلك الكتب أو الدفاتر أو حتى الزي المدرسي، لكننا نمتلك الإصرار والعزيمة لمواصلة تعليمنا، حتى إن اعتمدنا فقط على الحفظ".

وتتابع "نحن جيل المستقبل الذي سيعتمد على العلم سلاحا أساسيا لإعادة بناء وطننا والارتقاء به".


التعليم عن بعد
لم يتمكن جميع الطلاب من العودة إلى المدارس الوجاهية بسبب نقص مقومات الحياة الأساسية، مثل المواصلات، وذلك ما دفع وزارة التربية والتعليم إلى توفير خيار التعليم عن بعد للطلبة الذين تعذر عليهم الحضور.

وأوضحت الوزارة أنها تعمل على استخدام منصات افتراضية مثل "Teams" و"Wise School" لضمان استمرار العملية التعليمية رغم الظروف الاستثنائية.

إبراهيم عبد الرحمن، من مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، كان من بين الطلبة الذين لم يتمكنوا من الحضور إلى المدرسة. ويقول لوكالة الأنباء الألمانية "كنت أحلم بالعودة إلى المدرسة ومقابلة أصدقائي وأساتذتي، لكن الدمار الكبير الذي لحق بها حرمني من ذلك".

ويضيف "حتى التعليم الإلكتروني ليس بالأمر السهل علي، فمع انقطاع الإنترنت المتكرر أخشى أن أفقد عامي الدراسي أو أن يتأثر مستقبلي التعليمي إذا استمر الوضع هكذا مدة طويلة".

التحدي الأكبر
من جانبها، تؤكد المعلمة أمينة التي تعمل في إحدى مدارس غزة أن الطلاب رغم الظروف القاسية يظلون متمسكين بالتعليم.

وتقول لوكالة الأنباء الألمانية "الأمل في نفوس الطلاب كان دائمًا أكبر من كل الصعوبات. ورغم الدمار الكبير في مدارسنا، نرى في عيونهم رغبة عميقة في التعلم".

وتضيف "لقد تعلمنا من هؤلاء الأطفال أن التعليم ليس مجرد عملية أكاديمية، بل هو مقاومة حقيقية في وجه التحديات".

وتوضح أمينة "من الصعب توفير المواد التعليمية في ظل هذه الظروف، لكننا نواصل التدريس لأننا نعلم أن كل درس نقدمه هو خطوة نحو مستقبل أفضل".

وتشير إلى أن المعلمين يبذلون جهودًا كبيرة لدعم الطلاب نفسيا، إلى جانب العملية التعليمية، قائلة "نساعدهم على تجاوز الصعوبات النفسية باستخدام طرق تعليمية مبتكرة، ونوفر لهم الدعم العاطفي لاستكمال تعليمهم رغم كل شيء".

إقرأ أيضاً : جوارب فانس تشغل ترامب في اجتماع رسمي .. فيديو إقرأ أيضاً : العراق يعلن مقتل عبد الله مكي نائب زعيم داعشإقرأ أيضاً : أهالي الجولان: (إسرائيل) تستغل زيارة رجال دين دروز لزرع الفتنة



تابع قناتنا على يوتيوب تابع صفحتنا على فيسبوك تابع منصة ترند سرايا
وسوم: #التربية#العالم#ترامب#الوضع#العراق#اليوم#التعليم#المعلمين#الله#غزة#علي#الدراسي



طباعة المشاهدات: 429  
1 - ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه. 14-03-2025 05:06 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
رد على :
الرد على تعليق
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
اضافة
مصر: شخص يهدم منزل شقيقه بـ"لودر" أثناء الإفطار .. فيديو "42 يوما دون طعام" .. امرأة تفقد وزنها بسبب جراحة الفك جاستن بيبر يعترف بشعوره "عدم الكفاءة" ويصف نفسه بـ"المحتال" تغيير صادم وأسرته ليست معجبة .. جورج كلوني في مظهر جديد .. صورة شيخ الدروز في سوريا يهاجم الإدارة الجديدة ويتهمها... كركي يعفو عن المتسببة بفقدان نجله إثر حادث دهس:... ريهام حجاج: "تعرضت لمحاولات اغتيال بسبب... المتقاعدين العسكريين: توزيع الدعم والمساعدات... الأم التي أبكت السوريين تطل ثانية .. (كلكم ولادي) ترامب يبدي تفاؤلا بشأن أوكرانيا .. ويوجه طلبا...جوارب فانس تشغل ترامب في اجتماع رسمي .. فيديو العراق يعلن مقتل عبد الله مكي نائب زعيم داعشأهالي الجولان: (إسرائيل) تستغل زيارة رجال دين دروز...كاتس: (إسرائيل) ستبقى في المواقع الخمسة في جنوب لبنانإعلام عبري: الطائرة الخاصة بالرئيس الراحل ياسر...حماس توافق على مقترح الوسطاء بتسليم محتجز إسرائيلي...شبح المجاعة يهدد غزة وإغلاق المعابر يمنع المياه عن...حماس: مصرّون على تطبيق اتفاق وقف النار بمراحله... "إخواتي" .. حل لغز وفاة أحمد حاتم... أحدهم قبطي .. "موائد رحمن" لمشاهير تتحول... ريهام حجاج تكشف تعرضها لحروب بسبب زواجها محمد رمضان يحذّر من استغلال اسم برنامجه للنصب مسلسل شارع الأعشى الحلقة 14 .. زواج مزنة ورياض بسبب الصيام .. طرد 3 لاعبين من الإفريقي التونسي كيليان مبابي يعود إلى صفوف المنتخب الفرنسي بنزيمة .. ثاني أطول "صيام" عن التسجيل سلامي يشرح سبب عدم التحاق المحترفين بمنتخب النشامى إعلان قائمة المنتخب الفلسطيني لمواجهة الأردن والعراق تفاصيل صادمة .. مقتل تيكتوكر تركية شابة بوابل من الرصاص "القمر الدموي" .. خسوف كلّي ساحر يترقبه العالم لماذا عمر النساء أطول من عمر الرجال؟ قصة لا يتصورها عقل .. حجزت ابن زوجها 20 سنة في قبو بعمر ال108 .. مصففة شعر تدخل "غينيس" وتوجه نصيحة قد تغير حياتك انفجار تجربة علمية في مدرسة تركية .. والطلاب يحترقون داخل المختبر لغز مومياء باشيرى : سر التحنيط الفريد الذي حير العلماء لأكثر من قرن مفرقعات رمضان .. تحرق عقارًا وتتسبب بوفاة شخص في مصر القمر يتحول إلى اللون الأحمر في خسوف مثير يستمر لساعات "هيرا" تلتقط صورا نادرة لقمر المريخ الغامض

الصفحة الرئيسية الأردن اليوم أخبار سياسية أخبار رياضية أخبار فنية شكاوى وفيات الاردن مناسبات أريد حلا لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر(وكالة سرايا الإخبارية) saraynews.com
الآراء والتعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها فقط
جميع حقوق النشر محفوظة لدى موقع وكالة سرايا الإخبارية © 2025
سياسة الخصوصية برمجة و استضافة يونكس هوست test الرجاء الانتظار ...

المصدر

المصدر: وكالة أنباء سرايا الإخبارية

كلمات دلالية: غزة التعليم التعليم التربية غزة الدراسي غزة التعليم اليوم الدراسي التعليم التربية التعليم التعليم الدراسي الوضع غزة التعليم المعلمين التربية العالم ترامب الوضع العراق اليوم التعليم المعلمين الله غزة علي الدراسي قطاع غزة

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • قلق الامتحانات ووعي الأسرة
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • مدرسة العراقي الخاصة تحتفي بتخريج فوج جديد
  • الصفعة الحجرية
  • طلاب قنا التعليمية يحصلون على المركز الثامن مكرر جمهوريا بمسابقة المشروع البيئي
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟