تُعد الشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد (1934- 1967م) من الشاعرات اللواتي تناولن الاتجاه الرومانسي في نصوصهن الشعرية، وجاءت نصوصها معبّرة عن عاطفة عميقة ربما لا تكون مرتبطة بتجربة محددة في الحب، بل كرد فعل على الواقع الذي كانت تعيشه في حياتها العاطفية، ومعبّرة عن إيمانها بأهمية اللغة الرومانسية التي استطاعت من خلالها إنتاج نصوص شعرية يتقاطع فيها الحس الشعري مع الذات.

في نصوصها المختارة القصيرة والتي عُنونت بـ(تُشرق الشمس) بترجمة وتقديم محمد اللوزي والصادرة عن دار أفريقيا الشرق عام 2001م تُطل علينا اللغة الرومانسية وهي تعبّر عن شعور داخلي تعيشه الكلمة، متزينة بجماليات الطبيعة حيناً ومتلفعة بآهات الغربة والحزن العميق حيناً آخر. لقد قدّم اللوزي في هذه النصوص نبذة عن سيرة الشاعرة متناولاً جوانب من تجربتها الشعرية المبكرة التي ابتدأتها في السابعة عشرة من عمرها، يقول عنها: «حين أصدرت الشاعرة ديوانها الأول «أسيرة» عام 1955م، كانت فتاة في سن السابعة عشرة، تجتاز تجربة زواج غير متكافئ في العمر رضيت به للخلاص من بيت محكوم بوالد عسكري شديد الصرامة يطبق الأحكام العرفية حتى في بيته. في هذا الديوان نجدها أسيرة التقاليد والمجتمع وأسيرة الطفل الذي أنجبته، وفي «عبورها» كل هذه المتاريس والعقبات، تواجه من داخلها أولاً». (ص18)

ثم توالت مجموعاتها الأخرى التي تناولت فيها موضوعات مختلفة تدور حول الذات والمعاناة والرومانسية ومواجهة المجتمع. يقول اللوزي عن رومانسية الشاعرة: «عبّرت الشاعرة في بداية تجربتها الشعرية عن معان رومانسية وتجريدية في أسلوب خيَّاميّ حاولت أن تضفي عليه لمسة المعاصرة، لكنها سرعان ما بدأت في صدم المجتمع من حولها بالحديث عن معان لم يألفها قط عن امرأة تخاطب حبيبها:

مضيت وظل قلبي

عشقا ملوثاً باليأس والألم

ونظرة ضائعة في حجب الدمع

وحسرة متجمدة في ضحكة باردة.

بل إن وجودها في حد ذاته كان نوعاً من التحدي؛ فهي أنثى في مجتمع شرقي محافظ. لكن هذه الأنثى الشابة الرقيقة الجميلة كانت تعتبر كل قصيدة من أشعارها رصاصة موجهة إلى أحد محرمات هذا المجتمع». (ص18)

بعد هذه الإشارة في تجربة الشاعرة يمكن أن نستقرئ خطاب الحب في نصوصها، الذي يظهر في غير نص لديها، ومعه اقترن الخطاب بتنقل الشاعرة في اختيار دلالاتها بين الغائب والمخاطب وذلك للتنويع في استحضار الآخر/ الحبيب الذي تخاطبه. كما اقترن خطاب الحب بدلالات الجسد واللذة والشهوة متمثلاً صوراً تواجه المجتمع من خلاله وذلك تعبيراً عن عاطفة ملتهبة مفقودة بحكم القيود المجتمعية، تعبّر عن ذلك قائلة في نصها (أذنبتُ):

فِي هَذِهِ الْخُلْوَةِ الْمُظْلِمَةِ الصَّامِتَة قَبَعْتُ مُرْتَعِشَةً بِجَوَارِهِ

وَصَبَّتْ شَفَتَاهُ كُلَّ الشَّهْوَةِ فَوْقَ شَفَتَيّ

حِينَئِذٍ، تَحَرَّرْتُ مِنْ هَمِّ الْقَلْبِ الْمَجْنُونِ.

هَمَسْتُ بِحُبِّي فِي أُذُنَيْهِ، أرِيدُكَ

أُرِيدُكَ حِضْنَا يَبْعَثُ فيَّ الرُّوحَ

أُرِيدُكَ يَا حُبِّي الْمَجْنُون.

اشْتَعَلَتْ نَارُ الرَّغْبَةِ فِي عَيْنَيْهِ

رَقَصَتْ أَنْوَارُ الْخَمْرَةِ فِي قَدَحِي

وَارْتَخَى جَسَدِي ثَمِلاً

فَوْقَ فِرَاشٍ نَاعِمِ.

أَذْنَبْتُ ذَنْباً مُفْعَماً بِاللذة

فِي حِضْنٍ عَارِمِ بِالدِّفْءِ وَالنَّارِ

يَا إِلهِي.

مَاذَا كُنْتُ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَل

في هَذِهِ الْخُلْوَةِ الْمُظْلِمَةِ الصَّامِتَه.

أما في نص (تشرق الشمس)، فإن الخطاب يتحرر من قيود اللفظ بالغاً أوجها في التعبير، فيصبح المخاطب صورة تستنطقها الشاعرة حدّ الحياة والتنفس:

الآن

وَقَدْ بَلَغْنَا الأَوْجَ

اغْسِلْنِي بِشَرَابِ الْمَوْجِ

زَملنِي بِحَرِيرِ قُبُلَاتِكَ،

اطلبْنِي فِي اللَّيَالِي الطَّوِيلَةِ،

لا تتركني ثَانِيَةً،

لا تَفْصِلْنِي ثَانِيَةً عَنْ هَذِي الْأَنْجُمِ.

انظر!

كَيْفَ يَصِيرُ شَمْعُ اللَّيْلِ فِي طَرِيقِنَا

قَطْرَةً قَطْرَةً ثُمَّ يَذُوبُ!

وَكَأَس عَيْنَيّ السَّوْدَاوَيْنِ

في طَيَّاتِ دِفئكَ

مُتْرَعَةٌ بِسُكْرِ النَّوْمِ

فَوْقَ مهاد أَشْعَارِي.

انظر!

إنكَ تتنفَّسُ!

... وتُشرِقُ الشمس!

جاءت صورة الخطاب الرومانسي الذي تقصده الشاعرة في هذه النصوص ممتزجة برومانسية العبارة وبالقلق والخوف والمجهول، ولا أدل على ذلك من تكرار الشاعرة لألفاظ مثل: (الظلام، والليل، والدمار، والمجهول)، إذ تكرّرت في غير موضع من نصوص المجموعة. كما يظهر الامتزاج أيضاً بين تعاضد الرومانسية والطبيعة مقدماً الحالة الداخلية التي تسكن الشاعرة، فنلاحظ اقتران الطبيعة بالحب والرعب في المقاطع الأولى من نص (أناشيد أرضية):

حينذاكْ

بَرَّدَتِ الشَّمْسُ

وَغَاضَتِ البَرَكَةُ مِنَ الأرْضِ.

وَجَفَّتِ الْخُضْرَةُ فِي السُّهُوبِ

وَجَفَّتِ الأسْمَاكُ فِي الْبِحَارِ

منذئذٍ!

اللَّيْلُ فِي كُلِّ النَّوَافِذِ الشَّاحِبَةِ

خَيَالٌ بَاهِتٌ يُوَاصِلُ زَحْفَهُ، وَالطُّرُقُ تُوَاصِلُ دَوْرَتَهَا

مُسْتَكِينَةً للظُلْمة.

لا أَحَدَ يُفَكِّرُ فِي الْحُبِّ

لا أَحَدَ يُفَكِّرُ فِي النَّصْرِ

لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ أَحَدٌ قَطُّ

يُفَكِّرُ فِي شَيْءٍ قَط!

فِي كُهُوفِ الْعُزْلَةِ

الدَّمُ يَعْبَقُ بِرَائِحَةِ الْحَشِيشِ وَالْأَفْيُونِ،

وَالنِّسَاءُ الْحَوَامِلُ

أَنْجَيْنَ أَطْفَالاً بِلا رؤوسٍ،

وَخَجَلاً ، تَلُوذُ الْمُهُودُ بِاللُّحُود ...!

يأخذ الخطاب الرومانسي أيضاً في عدد من نصوصها طابع السردية؛ إذ يتكثف السرد ويصبح التعبير عملية تداخل بين الشعري والسردي الممتزجين بدلالات الفقد والموت أيضاً:

إِنِّي أَخَافُ زَمَناً أَفْقِدُ فِيهِ قَلْبَهُ.

وَأَخَافُ مِنْ تَصَوُّرِ عَبَثِيَّةِ هَذِهِ الأَيْدِي،

وَمِنْ أَطْيَافِ هَذِي الْوُجُوهِ الْمُغتَرِبَة.

وَهَذِي أَنَا وَحِيدَة.

كَتِلْمِيدَةٍ

بِجُنُونٍ تُحِبُّ دَرْسَهَا الْهَنْدَسِيَّ،

أَظُنُّ أَنَّهُ يُمْكِنُ نَقْلُ الْحَدِيقَةِ إِلَى الْمُسْتَشْفَى

إِنِّي أفكر ...

إِنِّي أفكر ...

وَقَلْبُ الْحَدِيقَةِ قَدْ تَوَرَّمَ تَحْتَ الشَّمْسِ،

وَذِهْنُ الْحَدِيقَةِ يَنْزِفُ فِي صَمْتِ

ذِكْرَيَاتٍ خَضْراء.

هذه بعض ملامح خطاب الحب المتمثل في نصوص مختلفة لدى الشاعرة فروغ فرخزاد، كما أنّ في تجربتها الشعرية الكثير مما يمكن البحث فيه والتأمل في دلالاته وصولاً إلى تجربة ذاتية مثيرة في تناول الذات والآخر، ولعل الحب واحداً مما يمكن تناوله وصولاً إلى هذه العلاقة بين الطرفين.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: فی نصوص

إقرأ أيضاً:

شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

كشفت الفنانة المعتزلة شمس البارودي تطورات حياة نجلها الفنان عمر حسن يوسف، مؤكدة أنه بخير، وقالت باللهجة الدارجة: «الحمد لله، عمر كان فرحان جدًا ومتواصل دائمًا مع ياسر جلال وأشرف زكي».

وأضافت أن عمر هو الوحيد من أبنائها الذي أحب مهنة والده الراحل حسن يوسف، مشيرة إلى أن زوجها الراحل «كان بيحبه جدًا»، بينما لم يتجه بقية أبنائها، ناريمان ومحمود وعبد الله، رحمه الله، إلى المجال الفني.

وتابعت البارودي، في مداخلة هاتفية مع الإعلامية بسمة وهبة مقدمة برنامج 90 دقيقة، عبر قناة المحور، أنها تنظر إلى دور الحماة باعتباره دور الأم، وقالت: «الحمى دي أم، وأنا بروح أطبخ ليهم وبحبهم جدًا»، معربة عن سعادتها باختيار عمر لزوجته، وأضافت: «الجميل إن ابني عمر اختار زوجة بتسعده، وأنا بقول دايمًا "اللي يحب ابني أحبه"».

وأوضحت أنها لم تكن بحاجة إلى أن توصي عمر بشيء عند زواجه، لأنه نشأ وهو يرى كيف كان والده يعامل والدته، وقالت: «هو شاف والده كان بيعامل أمه إزاي، فمش محتاج وصية، هو قدوته أبوه»، مؤكدة أن حسن يوسف كان «نعم الزوج ونعم الأب»، واحتواها بحنان كبير، بل إنه عندما تزوجها كان يخشى عليها من مشقة العمل وقال لها: «هنتجلك وأخرجلك» حتى يخفف عنها أعباء المهنة.

وفي حديثها عن المسيرة الفنية لعمر حسن يوسف، أوضحت شمس البارودي أنه حصل على فرص كثيرة، لكنها أشارت إلى أنه في بداياته «مكنش مركز». وأضافت أن والده الراحل كان حريصًا دائمًا على أن يضع التعليم في المقام الأول، وكان يردد أن «الشهادة أهم من أي حاجة»، ولذلك أصر على أن ينهي عمر دراسته أولًا ثم يتجه بعد ذلك إلى ما يرغب فيه.

وأكدت أنها كانت تخشى عليه من الشهرة، وقالت باللهجة الدارجة: «أنا كنت خايفة عليه من الشهرة لأن تمنها قاسي والإنسان مبيعرفش يعيش حياته بخصوصية»، في إشارة إلى الأعباء التي تفرضها الحياة تحت الأضواء.

مقالات مشابهة

  • الزيدي وواشنطن.. بين الحبّ القاتل والدور المأمول!
  • ارتفاع شديد في درجات الحرارة على أنحاء محافظة الشرقية
  • الأرصاد الجوية اليابانية تحذر من ضربات الشمس في 32 محافظة
  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • داخل المنزل وأمام الشاشات.. الاستخدام الصحيح لكريمات الحماية من الشمس
  • برج الثور| حظك اليوم الجمعة 24 يوليو 2026 .. إنجاز عملك
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • نجوم الغناء يحتفلون بنجاح ألبوم تامر عاشور «مراية الحب»
  • أحمد سعد ورامي صبري ورامي جمال يهنئون تامر عاشور على "مراية الحب"