ما سر التوهج الغامض الصادر من قلب مجرتنا؟
تاريخ النشر: 22nd, October 2025 GMT
منذ أكثر من عقد من الزمن، حير العلماء توهج غامض ينبعث من مركز مجرة درب التبانة، يتمثل في وميض خافت من أشعة غاما لا يبدو أنه ناتج عن أي مصدر معروف، لا عن النجوم، ولا عن الغاز، ولا حتى عن الثقوب السوداء.
أشعة غاما هي أعلى أشكال الطاقة في الطيف الكهرومغناطيسي، أي أنها نوع من الضوء، لكنها تختلف عن الضوء الذي نراه بعيوننا أو موجات الراديو التي نسمعها، إنها ببساطة "ضوء غير مرئي" عالي الطاقة.
أما الآن، وبحسب دراسة جديدة في دورية "فيزكال ريفيو ليترز"، فيعتقد فريق من جامعة جونز هوبكنز الأميركية أنهم اقتربوا من حلّ اللغز، أو على الأقل من تضييق دائرته، حيث يفترضون أن هذا الضوء ناتج عن اصطدامات جسيمات المادة المظلمة، أو عن نجوم نيوترونية فائقة الدوران تُعرف باسم "نابض المللي ثانية".
المادة المظلمة هي ما يشكل نحو 85% من الكتلة في الكون، أما البقية فتتمثل فيما نعرفه من نجوم ومجرات وكواكب، وسكان هذه الكواكب من بشر وكائنات حية أخرى، وأشياء.
لا يمكن لنا رصد المادة المظلمة بشكل مباشر، ومن هنا جاءت تسميتها بـ"المظلمة"، ولكن يمكن للعلماء ملاحظة أثرها على عناقيد المجرات، حيث تتصرف وكأنها أثقل مما يبدو في الأرصاد الفلكية.
ويفترض العلماء أن للمادة المظلمة جسيمات قد تتصادم أحيانا وتُنتج طاقة على شكل أشعة غاما.
وباستخدام نماذج حاسوبية فائقة، قام العلماء بمحاكاة نمو مجرة درب التبانة على مدار مليارات السنين لمعرفة الأماكن التي يُفترض أن تتكدّس فيها المادة المظلمة، والنتيجة كانت أن النمط الذي تتبّعته المحاكاة يتطابق مع التوهج الذي ترصده تلسكوبات أشعة غاما في مركز المجرة.
لكن هذا ليس التفسير الوحيد، فهناك تفسير آخر يفترض أن النجوم النيوترونية سريعة الدوران، وهي بقايا نجمية شديدة الكثافة تبث إشعاعات قوية أثناء دورانها.
إعلانهذه النجوم، إذا كانت موجودة بأعداد هائلة في مركز المجرة، فإنها تفسر التوهج الغامض الذي ينبعث من مركز مجرة درب التبانة
لكن الفريق، بحسب بيان رسمي صادر من جامعة جون هوبكنز، لاحظ أن عدد النجوم النيوترونية المطلوب لتفسير التوهّج يفوق ما نرصده فعليا، مما يجعل هذا الاحتمال أقل ترجيحا، لكنه لا يزال مطروحا.
ويأمل الباحثون أن تساعدهم مصفوفة تلسكوبات شيرينكوف، التي سيبدأ تشغيلها الكامل خلال الأعوام القادمة، في التمييز بين "توهّج المادة المظلمة" و"نبضات النجوم النيوترونية".
مراصد المستقبلمصفوفة تلسكوبات شيرينكوف هي أكبر مشروع فلكي في العالم لدراسة الكون بأشعة غاما عالية الطاقة، ويُعدّ الجيل التالي من مراصد الفضاء الأرضية في هذا المجال.
ويحمل المشروع اسم العالم الروسي بافل شيرينكوف، مكتشف ظاهرة إشعاع شيرينكوف، وهو الضوء الأزرق الذي يظهر عندما تسير جسيمات مشحونة أسرع من الضوء في وسط مادي (وليس في الفراغ).
ويتكون المشروع من محطتين رئيسيتين على جانبي الكوكب لتغطية السماء كلها، الأولى في جزيرة لا بالما بجزر الكناري (إسبانيا)، والثانية في صحراء أتاكاما بشمال تشيلي، أحد أنقى الأماكن جوا على الأرض.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: غوث حريات دراسات المادة المظلمة أشعة غاما
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود