الشهيد الغماري.. قائد في ظلال المعادلة الذهبية لصناعة النصر
تاريخ النشر: 26th, October 2025 GMT
لم يدم إغلاق البحر الأحمر من قبل الجيش المصري في 67 سوى 13 يوماً فقط وفتحته إسرائيل بالقوة الغماري قاد حصاراً بحرياً على العدو الإسرائيلي وانتصر على 3 تحالفات لكسره
ما الذي مكن قيادة عسكرية على رأس جيش منهك، لتوه خرج من مواجهة مستعرة مع تحالف أغنى الدول ماليا وتكنولوجيا التحالف السعودي الأمريكي، أن يحقق ما عجزت عنه قيادات عربية كبرى وجيوش فاقته عددا وعدة.
.
تقرير / إبراهيم الوادعي
في مايو 1967م منع الجيش المصري الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر، أغلق الجيش المصري يومها مضائق تيران تحديدا في الـ 23 من مايو 67م، كانت القوات المسلحة المصرية تحت قيادة المشير عبد الحكيم عامر ورئيس الأركان الفريق محمد فوزي والذي أقيل بعد هزيمة حزيران يونيو 67م.
دام إغلاق الملاحة بوجه السفن الإسرائيلية 13 يوما فقط، وأعاد الكيان فتح البحر الأحمر بالقوة العسكرية، ملحقا الهزيمة بالجيش المصري والقوات الأردنية والسورية، وفقا للمصادر التاريخية لم يقاتل فعليا أي من الجيوش الثلاثة، ودارت اقسى المعارك في نقاط محددة ابرزها القدس وأخرى في الضفة، ومعركتان في سيناء جرت فقط لتأخير الاندفاعة الإسرائيلية نحو قناة السويس التي حمت مصر من اندفاعة إسرائيلية ربما لم تكن لتتوقف إلا في القاهرة، مقارنة بمشهد الهروب الكبير خارج المنطق العسكري في سيناء، والحالة المعنوية المتردية للقوات المسلحة المصرية عقب ضرب المطارات وسقوط سيناء .
وفقا لرئيس أركان الجيش المصري في عام 1973م فإن هزيمة 67 كان بالإمكان تفاديها في أسوأ الأحوال، لكن القيادات العسكرية كانت في واقع من الخذلان والارتباك انعكس على الفرق الميدانية التي كان لديها القدرة على الصمود والثبات حتى إعادة وصل الخطوط اللوجستية في سيناء مع الهجوم الإسرائيلي على المطارات.
وعلى الجبهة السورية لم يقاتل الجيش السوري رغم مزايا التحصين الشديد الذي توفره هضبة الجون للقوات المتمركزة فيها وتلغي تأثير الطيران إلى حد كبير
الجيوش العربية 48م
وبالعودة إلى نهاية الأربعينات مع إعلان نشوء الكيان الإسرائيلي 15 مايو 1948م دخلت في اليوم التالي 5 جيوش عربية إلى فلسطين للقضاء على البؤر الصهيونية آنذاك، وهي – اللواء أحمد علي المواوي.. قائد القوات المصرية
– عبدالوهاب الحكيم.. قائد القوات السورية
– طاهر محمد الزبيدي.. قائد القوات العراقية
– اللواء فؤاد شهاب.. قائد القوات اللبنانية
– جلوب باشا.. قائد الجيش الأردني
بنتيجة القتال والذي بات معروفا الت المعارك التي استمرت 10 أشهر إلى خسارة مزيد من الأراضي لصالح العدو الإسرائيلي
• جيش الإنقاذ 47م
وقبيل ذلك بعام واحد ومع صدور قرار التقسيم الأممي، دخل جيش الإنقاذ هو جيش المتطوعين الذي شكلته الجامعة العربية في ديسمبر 1947 للتدخل عسكريا ومساعدة الفلسطينيين في مقاومة قرار الأمم المتحدة تقسيم فلسطين، لكن هذا الجيش رغم بعض مابادته وحداته من قتال، خسر معظم المعارك التي خاضها، وعجز عن الدفاع عن حيفا وعكا وطبريا التي سقطت في يد العصابات الصهيونية
حرب 73م
ذكر الصحافي محمد حسنين هيكل مبررات الحرب وفق الرئيس عبد الناصر كما يلي:
«أن يستطيع العدو أن يقتل 50 ألفاً منا فإننا، نستطيع الاستمرار لأننا نمتلك لاحتياطي الكافي. ولكن أن يفقد العدو 10 آلاف، فسوف يجد نفسه مضطر إلى أن يوقف القتال فهو لا يمتلك الاحتياطي البشري الكافي.».
كانت هذه المقولة أو المقياس العددي والكمي هي التي تحكم الفكر العربي المشبع بالقومية الناصرية آنذاك، وهو ما سنعود اليه في تقييم أسباب الهزيمة لجيوش عربية ونجاح الجيش اليمني الأضعف مقارنة بما كان لدى مصر وسوريا والأردن، وبالنظر إلى كون إسرائيل آنذاك كانت أضعف مما هو حالها اليوم.
تُشير أغلب الروايات إلى اندلاع حرب الاستنزاف يوم 1 يوليو 1967 (بداية معركة رأس العش) وحتى قبول مصر والأردن مبادرة روجرز في 7 أغسطس 1970، التي رفضتها منظمة التحرير الفلسطينية. لذلك استمرت الاشتباكات على الحدود اللبنانية والسورية لغاية اندلاع حرب أكتوبر، كذلك جرت بعض الاشتباكات المتقطعة على جبهة قناة السويس، كان أبرزها عملية رجب في 17 سبتمبر 1971.
يُشير آخرون إلى أن تاريخ 21 أكتوبر 1967 هو التاريخ الأكثر شيوعاً لبداية حرب الاستنزاف بعد إغراق المدمرة إيلات. ويُشير آخرون إلى يوم 8 مارس 1969 حيث أعلن عبد الناصر بدء الحرب التي أسماها حرب الاستنزاف، فيما يرى آخرون أنه يوم 27 مارس 1969، عندما ألغى عبد الناصر وقف إطلاق النار رسمياً.
ومُسمى حرب الاستنزاف استُخدم مرتين عقب حرب أكتوبر، للإشارة إلى حرب الاستنزاف في نتوء باشان على الجبهة السورية وحرب الاستنزاف الثانية على الجبهة المصرية التي استمرت لغاية انسحاب القوات الإسرائيلية من غرب القناة في مارس 1974.
ومن أبرز شهداء حرب الاستنزاف الفريق عبد المنعم رياض رئيس أركان الجيش المصري، كما ارتكب العدو الإسرائيلي مجازر مروعه أبرزها قصف مدرسة بحر البقر صباح الثامن من أبريل عام 1970 م، حيث قصفت طائرات من طراز فانتوم مدرسة بحر البقر المشتركة في قرية بحر البقر بمركز الحسينية بمحافظة الشرقية في مصر، أدى الهجوم إلى مقتل 30 طفلاً وإصابة 50 آخرين وتدمير مبنى المدرسة تماماً، وإثارا سخطا عالميا كبيرا
حرب 73م
في السادس من أكتوبر 1973 بدا مصر وسوريا هجوما منسقا على القوات الصهيونية واستطاعت القوات المصرية أحراز انتصارات مذهله بداية الحرب تحت قيادة رئيس الأركان الفريق سعد الدين الشاذلي.
ويمكن تلخيص مسار الحرب كالتالي عقب بدء الهجوم حققت القوات المسلحة المصرية والسورية أهدافها من شن الحرب على إسرائيل، وكانت هناك إنجازات ملموسة في الأيام الأولى للمعارك، فعبرت القوات المصرية قناة السويس بنجاح وحطمت حصون خط بارليف وتوغلت 20 كم شرقاً داخل سيناء، فيما تمكنت القوات السورية من التوغل إلى عمق هضبة الجولان وصولاً إلى سهل الحولة وبحيرة طبريا. أما في نهاية الحرب فقد تمكن الجيش الإسرائيلي من تحقيق بعض الإنجازات، فعلى الجبهة المصرية تمكن من فتح ثغرة الدفرسوار وعبر للضفة الغربية للقناة وضرب الحصار على الجيش الثالث الميداني ومدينة السويس ولكنه فشل في تحقيق أي مكاسبَ استراتيجيةٍ سواءً باحتلال مدينتي الإسماعيلية أو السويس أو تدمير الجيش الثالث أو إجبار القوات المصرية على الانسحاب إلى الضفة الغربية مرة أخرى، أما على الجبهة السورية فتمكن من رد القوات السورية عن هضبة الجولان واحتلالها مرة أخرى.
لكن القيادة السياسية المصرية تحت الرئيس أنور السادات أفقدت المصريين كل مكاسب الحرب وصولا إلى توقيع معاهدة كامب ديفيد التي منحت السيادة بشكل مشترك على سيناء لمصر والعدو الإسرائيلي، ونقلت مصر من الحضن العربي إلى الحضن الإسرائيلي الأميركي
الإسناد اليمني لطوفان الأقصى
بعد أيام من عملية «طوفان الأقصى» في ٧ أكتوبر أعلنت اليمن أنها تعتبر نفسها مشاركة في هذه العملية إلى جانب الشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية، ترجم ذلك بإطلاق صواريخ بالستية وطائرات مسيرة باتجاه الكيان الإسرائيلي بمسافة رمي تتجاوز الألفي كلم.
شرع رئيس الأركان للقوات المسلحة اليمنية الشهيد محمد عبد الكريم الغماري «هاشم» في أعداد القوات المسلحة اليمنية والخارجة لتوها من مواجهة ضارية وحصار مع تحالف السعودية لثماني سنوات ضمن تهدئة معلنه، في أعداد القوات اليمنية لتنفيذ توجيهات السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي بالانخراط في المعركة والنظر في الطب الأخطر لكتائب القسام – إغلاق البحر الأحمر في وجه الملاحة الإسرائيلية- مع ما يفرضه ذلك من تحديات على مستوى الثدرات أو مستوى المواجهة مع الدول الكبرى وقد وقع فعلا ما تحسبت له القيادة اليمنية.
في ال 15 م أعلن قائد الثورة إغلاق البحر الأحمر في وجه الملاحة الصهيونية، وفي ال 19 من الشهر ذاته هبطت طائرة هليكوبتر يمنية على متن سفينة “غالاكسي ليدر” التي تعمل في نقل المركبات وتتبع لشركة “راي شيبنغ” التي تتخذ من تل أبيب مركزاً لها ويملكها رجل الأعمال الإسرائيلي الثري رامي إبراهام أنغر المقرب من “الموساد” ومن بنيامين نتنياهو، واقتادت السفينة بمن فيها إلى الساحل اليمني، مانحة القسام ورقة تفاوض جديدة
استمر إغلاق البحر الأحمر ولايزال في وجه الملاحة الإسرائيلية أو الشركات المتواطئة مع العدو الإسرائيلي ضمن مسار الحصار الذي أعلنه الجيش اليمني، وضربت خلاله عدد كبير من السفن حتى بات واقعا..
وفي مواجهة الحصار البحر اليمني تشكل تحالف الازدهار من الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى 13 دولة بعد قرار إسبانيا عدم مشاركتها، وأعلن عنه وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن في البحرين يوم 19 ديسمبر 2023 عقب زيارة قام بها إلى الكيان الإسرائيلي، وقال أن الحلف تشكل تحت مظلة القوات البحرية المشتركة وقيادة قوة المهام المشتركة 153 كرد على الهجمات التي تشنها القوات الموالية لحركة أنصار الله في اليمن ضد السفن المرتبطة بإسرائيل في البحرين: الأحمر والعربي..
فشل التحالف سريعا بعد تلقيه ضربات من القوات المسلحة اليمنية التي أبدت صمودا فاجئ أعضاء الحلف الجديد..
عقب فشل تحالف الازدهار في إسناد إسرائيل تشكل حلف أوروبي مستقل « اسبيدس» ورغم انه لم يشن هجمات داخل الأراضي اليمنية إلا أن فشل في كسر الحصار البحري اليمن وتطوره ضد الدول المتواطئة مع العدو الإسرائيلي ولايزال قائما بشكل مفكك.
هزيمة أميركية
ومع صعود ترامب إلى السلطة مجددا، اطلق حملة أمريكية على اليمن (15 مارس – 6 مايو 2025) أو ما عرف بالمواجهات بين الولايات المتحدة وأنصار الله، وأطلقت عليها الولايات المتحدة اسم عملية الراكب الخشن، عملية العسكرية والهجمات الجوية والبحرية واسعة النطاق وظلت مستمرة لمدة ثلاثة وخمسين يوما حتى إعلان وقف إطلاق النار في 6 مايو 2025، واعتراف الرئيس الأمريكي ترامب نفسه بالهزيمة بشكل ناعم حيث أشاد بقوة الخصم وشجاعته، فيما قال ديفانس نائبه أن المعركة البحرية في البحر الأحمر غيرت قواعد المعارك على مستوى العالم، وان الولايات المتحدة أن لم تستجب لهذا التغيير فستجد نفسيها خارج السياق، وقال ضباط بحريون أمريكيون أن البحرية الأمريكية خاضت معركة فعلية لم تشهدها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ووفقا لخبراء عسكريين فان الاستراتيجيات التي انتهجها الجيش اليمني والصمود الذي أظهره اخرج حاملات الطائرات من قائمة الردع العسكري بعد أن كان مجرد اقترابها من سواحل بلد ما يسقط أنظمة ويهزم دولا دون قتال.
وفي الاحتفال الأخير بيوم البحرية ظهرت الحاملة ترومان مغطاة بلوحة كبيرة لم تستطع إخفاء كل أضرارها، لقد نجح الجيش اليمني في تحييد 3 حاملات خلال المعركة البحرية الممتدة من تحالف الازدهار إلى المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة من روزفلت إلى ترومان مرورا بفينس التي تتقاعد هذا الشهر..
عوامل النصر
والسؤال هنا بعد هذا الاستعراض لسير الحروب بين الجيش الإسرائيلي وجيوش دول عربية، نستثني منه حركات المقاومة فذلك له طابعه الخاص ومقاييسه المختلفة تماما، ما لذي مكن قيادة عسكرية على راس جيش منهك لتوه خرج من مواجهة مستعرة مع تحالف اغنى الدول ماليا وتكنولوجيا التحالف السعودي الأمريكي ،ينتصر ويمضي في إغلاق البحر الأحمر لعامين بوجه الكيان الإسرائيلي ؟!، بينما فشل جيش اقوى دولة عربية آنذاك في 67 أن يغلق البحر الأحمر سوى لـ13 يوما فقط – أعاد الكيان الصهيوني فتح الملاحة عبر البحر الأحمر في منتصف يونيو 67م بعد اقل من 23 يوما من إعلان عبد الناصر الأغلاق، و6 أيام من الدلاع حرب حزيران يونيو1967م.
وما لذي ميز اللواء محمد عبد الركيم الغماري كرئيس أركان لجيش عربي يمني عن غيره من قادة الأركان للجيوش العربية التي خاضت حروبا مع الكيان الإسرائيلي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أمريكا شاركت، بل وكانت المشاركة الغربية أعلى وبشكل فاضح في حرب الطوفان.
إن المقاييس المادية التي اعتمدت عليها قيادات الجيوش العربية النصر على إسرائيل، وبالتالي ألغت ما دونها من عوامل، كانت خاطئة وان المقاييس العددية والكمية لا تحقق نصرا، حين تفتقر القيادة إلى الإيمان والثقة بالله واستغلال ما لديها من إمكانيات تكمل العزيمة والإيمان، وهذا ما امتلكه وامن به الشهيد الغماري واحرز به النصر – وضع الجيش اليمني إلى الجيش الأمريكي والبريطاني، والتحالفات الأخرى التي قاتلت في معارك البحر الأحمر على امتداد عامين، قدرة الكيان الصهيوني – يقول السيد القائد متسائلا بغرض التنوير: ما الذي أثَّر على الكثير من الجيوش العربية والإسلامية، في موقفها من الأمريكي والإسرائيلي؟ انعدام الثقة بالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، دائماً يحسبون حساب الإمكانات، ما يمتلكه العدو من إمكانات وقدرات عسكرية… وغيرها، ثم يرون أنفسهم لا يمتلكون بمثل ما يمتلكه العدو، ولا يحسبون حساب الله « نسو الله فنسيهم « .
والأمور الأخرى على مستوى شخص القائد في رئاسة الأركان بوصفه القائد التنفيذي والأقرب إلى الجنود نلخصه من كلمة السيد القائد في استشهاد اللواء الغماري
شخصيته: الروحية الإيمانية والجهادية وهي غائبة عن الكثير من الجيوش في العالم الإسلامي، الإخلاص لله، والتجرُّد من أي أهداف أو حسابات شخصية، روح المبادرة والمسارعة في أداء المهام الجهادية، وهذه من أهم وأعظم القيم الإيمانية من جهة، والنجاح العملي والتأثير العملي، والفاعلية العملية، والأثر في مقام العمل، في تدارك الكثير من الأمور، الحيلولة دون الكثير من الإخفاقات، وتحقيق الكثير من النجاحات، الأداء للمسؤولية الجهادية بتقوى الله، وصولا إلى الأداء القائــم على أســـاس التقوى، التقوى من حيث الاهتمام والحذر من التفريط: فتميَّز أداؤه بالجِدِّيَّة، بالمبادرة، بالاهتمام الكبير، بالحذر من التفريط والتواني، التَّحَلِّي بصفات المتقين.
فهو يؤدِّي مهامه الجهادية ليس بالروتين العسكري، والتقاليد العسكرية المعروفة في الجيوش؛ بل بما هو أرقى منها، ويتميَّز عنها
الصبر.. من مستوى موقع المسؤولية الذي كان فيه، فلا يتأثَّرون بالشدائد سلباً، بالعوائق، بالتحديات، بالتَّضحيات، فم يهن ولم يضعف، ولم تنكسر عزيمته، أو تتحطم نفسيته
أيضا التفاني في سبيل الله، وبيع النفس من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، والرشد، والحكمة، والتوازن النفسي، والوعي، والتقدير للهدى، وختاما الابتكار والتكيُّف مع الظروف
…..
في أحد اهم عوامل النصر المصري في معركة أكتوبر وعبور خط بارليف الذي رجح الخبراء استخدام سلاح نووي لتدميره، هو اللمسة الإيمانية التي كانت حاضرة، والجنود يعبرون تحت شعار «الله أكبر»
الحالة الإيمانية تحدث عنها رئيس الأركان الفريق سعد الدين الشاذلي بانها مثلت أكبر داعم لمعنويات الجنود قبل حالة الثأر للكرامة المصرية، ومذلل للصعوبات لدى القيادة فاختفت حالة الخوف والتردد وحلت محلها الأقدام..
وبالنظر إلى الصفات التي ذكرها السيد القائد في الشهيد الفريق اللواء الركن الغماري، إذا ما كانت توفرت في أي قيادة جيش عربي لما كانت وقعت هزيمة 67 بذلك الشكل المخزي والمدوي والمهين.
ولكان الكيان مجرد تاريخي يحكى، وليس حاضرا يسفك دماء المسلمين ويذل دولهم واحدة تلو الأخرى، ولم يكن السؤال أين الجيوش العربية بإمكانياتها وتعدادها الضخم وتسليحها الكبير إلى اليوم باقيا ويستحضر معه المرارة…
وبالنظر إلى ما سرده الشهيد القائد من صفات في الغماري، ولم تتوفر في غيره من رؤساء الأركان العرب خاضوا مواجهات مع العدو الصهيوني، فالشهادة كانت الوسام الإلهي المستحق، وليس قتله انتصار لعدوه..
ما بعد الغماري
المعادلة الذهبية حاضرة « قيادة مؤمنة شجاعة – منهج قراني متجذر – شعب مبادر كريم»
المعادلة التي شكل فقد جزء منها سببا في الهزائم أمام العدو الإسرائيلي أو عدم ديمومة الانتصارات أو أضاعتها كما حصل في 73م
وهي تتوفر اليوم بكل أركانها في اليمن وينصهر في اتونها البشر والعتاد.. وتحتها صغرت أمريكا وكل ما هو دون الله، وبها يستجلب النصر..
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.