تساؤلات مشروعة حول الذمة المالية لقيادات التنظيم الإخواني المصري بالخارج
تاريخ النشر: 2nd, November 2025 GMT
بعد سنوات من التستر بالشعارات الزائفة والتخويف باتهامات الخيانة والعمالة، تحولت أحاديث الهمز والغمز واللمز إلى اتهامات علنية صريحة تطعن في الذمم المالية لقيادات إخوانية معروفة، ويومًا بعد يوم تتكشف حقائق جديدة عن الصراعات الداخلية التي تضرب أجنحة التنظيم الإخواني المصري بالخارج، وتتعالى أصواتٌ من داخل صفوفه تطالب بالشفافية والمساءلة حول الثروات والمصادر المالية لقياداته الهاربة التي ترتدي قناعًا لا يتطابق مع ممارسات الترف والفساد والتربح باسم الدين والثورة.
في منشور عبر "الفيسبوك" بتاريخ الأحد 26 أكتوبر 2025، اعترف القيادي الإرهابي الهارب يحيى موسى بأن أعضاء في جماعة "الإخوان" وآخرين من الهاربين بدأوا في إجراء اتصالات مع من يساعدهم في العودة إلى مصر، وأقر بأن من يعتبرونهم "ثوارًا ومعارضين" في الخارج لهم آراء تتحدث عن فشل دعاوى الثورة المزعومة، وقبلوا بالأمر الواقع. وكشف موسى أن "الكثيرين يعانون من حالة الإنهاك وتسيطر عليهم روح اليأس والإحباط"، لكنه اتهمهم في الوقت نفسه بالعمل على "دفع غيرهم إلى نفس المسار ونشر اليأس والإحباط بين الصفوف".
وفي ردٍّ ساخن على كلمات يحيى موسى، كتب الإخواني الهارب "ح. م" منشورًا بتاريخ الأربعاء 29 أكتوبر 2025، قال فيه: "اللي الناس وصلت له مش ضعف زي ما بتقول، ولا خذلان للقضية، دي نتيجة طبيعية لتعب وشعور بالخذلان من ممارسات ناس كتير حوالينا.. .ويمكن اللي حواليك شخصيًا عاملين بلاوي".
وأضاف مستنكراً: "وتاني حاجة، عندي طلب بسيط، يمكن تعتبره سخيف، بس والله هو حق للناس: ليه محدش من اللي في الصفوف الأولى بيعلن ذمته المالية؟ منين بتصرفوا؟ وفلوسكم بتيجي منين؟ وإيه حجم التعاملات التجارية أو الاستثمارات اللي بتحصل برا؟ وفيه.. ولا ما فيش تعاملات بملايين مع الدولة المصرية؟"، واستطرد قائلًا: "وبلاش تقول دي مسألة شخصية، اللي بيتصدر للرأي العام لازم يكون كتابه مفتوح للناس".
فتحت رسالة الإخواني "ح. م" الأبواب أمام سيل من التعليقات المتباينة بين الداعمين والرافضين، وبدأها المدعو "ع. سلطان" الذي قال: "يحيى مستحيل يعرف يرد لأنه بيتقوت من العمل العام من أيام ما كان في الحركات الثورية، ويتقاضى آلاف الدولارات، وضيّع وقتها شباب زي العسل لحد ما راح لميدان ومسك كل حاجة فيها، وجابوا له عربية حديثة وسكن في كومباوند روش، ويتقاضى آلاف الدولارات، ميتنفخش ليه بعد ده كله؟".
وقال آخر: "المشكلة مع يحيى حاجتين.. .فاكر إنه يقدر يقود دولة زي مصر، ودي حاجة عبثية، معرفش مين أوحى له بكده". وأضاف ثالث: "في ناس محدش عرف هما بياخدوا تمويل منين ولا إزاي حتى اليوم".
وفي السياق ذاته، قال الإرهابي الهارب عبد المقصود الصيفي: إن "السياسة العامة الآن لقيادات التنظيم الإخواني هي سياسة دفن الرؤوس في الرمال، ولعل استقرار أمرهم جعلهم يسحبون هذا الأمر ويعممونه، ظنًا منهم أن الجميع على مثل ما هم عليه من أمان واستئمان وراحة وغنى".
وتابع في منشور بتاريخ الأربعاء 29 أكتوبر 2025: "أحب أن أخبرهم أن الأمور لازالت على سوءتها، وازدادت سوءاً، ومع مرور الوقت يزداد السوء لدرجة لم نعد نعلم لها نهاية أو حتى نتوقعها".
وكشف الصيفي أنه قدم لقيادات الجماعة ثلاثة مقترحات للخروج من الأزمة، ولكنها قوبلت جميعها بالرفض، وكان من بينها "الاستسلام"، قائلًا: "والأغرب والأعجب والأخجل أن الخيار الأخير لم يعد عندهم القدرة عليه، تخيلوا أن الاستسلام أيضًا يحتاج إلى بعض أوراق الضغط، وقد فقدوها جميعًا عن عمد وسبق إصرار".
وهددت عناصر إخوانية في مناقشات حادة داخل مجموعات "تليجرام" بالكشف عن ثروات شخصيات قيادية في عدد من التنظيمات، حققت أرباحًا طائلة تحت غطاء جمع تبرعات مالية بادعاء دعم وإغاثة المنكوبين في غزة.
وقال أحد "الإخوان" الهاربين إن ما كان يصل إلى أحد الفصائل الفلسطينية بالفعل - في حالات قليلة - لا يتجاوز 40% من إجمالي الأموال التي تم استقبالها عبر العملات المشفرة، بينما تم الاستيلاء على ملايين الدولارات في ظل غياب أي نظام محاسبي أو رقابة على محافظ العملات المشفرة التي تخضع لسيطرة قيادات بعينها. إضافة إلى ما استقبلته الحسابات المصرفية لعدد من الجمعيات والمؤسسات التي أسستها قيادات في التنظيم الإخواني المصري في إحدى الدول، إلى جانب قيادات في تنظيمات أخرى متحالفة معه.
كما كشف أحد العناصر الإخوانية الهاربة أن "العطاء سينتقل في المرحلة المقبلة إلى السودان"، في محاولة لتعويض التبرعات المفقودة في حال التوقف التام للحرب على غزة، موضحًا أن القيادات ذاتها ستلجأ إلى "نفس الألاعيب للتربح من مأساة الشعب السوداني"، في تكرار فاضح لنمط استغلال الأزمات الإنسانية لتحقيق مكاسب مالية.
وبعيدًا عن مافيا التبرعات، تتوجه أصابع الاتهام أيضًا إلى المتربحين من المشروعات التجارية المنتشرة في العديد من الدول، والتي يتم استغلالها في عمليات غسل الأموال المشبوهة المتدفقة على قيادات معروفة في الجماعة. هذه القيادات تستأثر وحدها بكل الأموال الواردة من مصادر معلومة وغير معلومة، في حين يظل آخرون من الصفوف الدنيا يعيشون في فقر مدقع، ويُنظر إليهم داخل التنظيم باعتبارهم "أولاد البطة السوداء"، أي الفئة المهمشة التي لا نصيب لها من الغنائم.
تلك الشهادات الصادرة من داخل الجماعة نفسها لا تدع مجالًا للشك في أن تنظيم "الإخوان" يعيش حالة انهيار أخلاقي وتنظيمي غير مسبوقة. فبعد أن تهاوت الشعارات الدينية التي طالما رددوها، تكشّف المستور حول شبكات مالية معقدة تتداخل فيها المصالح الشخصية مع الشعارات الدينية والسياسية.
إن ما يجري داخل الجماعة ليس سوى انعكاس طبيعي لتنظيم جعل من الدين ستارًا للتربح، ومن معاناة الشعوب سلعة للتجارة. ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل يجرؤ أي من هؤلاء القادة على فتح دفاتر حساباته أمام من خدعوهم، أم أن الصمت سيظل سيد الموقف حتى تنفجر الخلافات إلى فضائح مدوّية جديدة؟
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: التنظیم الإخوانی
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..