ناظر دار حمر وجوامع أهل السودان
تاريخ النشر: 3rd, November 2025 GMT
نزجي التهنئة إلى ناظر عموم دار حمر ، الناظر عبد المنعم عبد القادر منصور، بمناسبة اعتلائه عرش النظارة التاريخية الجامعة بتاريخ 2 نوفمبر 2025م ، وهي دار تأسست على إرث الإسلام، وجميل خلق أهل السودان. وأميرها المُنصّب اليوم، هو سليل أسرة توارثت المكارم من طارف وتليد دهرها، أباً عن أب، وجداً عن جد.. ذرية بعضها من بعض:
من معشر سنّت لهم آباؤهم .
ولكل قوم سُنّة وإمامها
لا يطبعون ولا يبور فعالهم
إذ لا يميل مع الهوى أحلامها..
فتاريخ القبيلة ومركزيتها الجامعة، وسيرة زعمائها وحكمتهم الشاهرة، وموقعها الواسط الجامع بين كافة قبائل وأهل السودان، جعل من دارهم معلما بارزا، وموئلا حاضنا، يبوء إليه الجميع ويأزر. فعاصمتهم “النهود” ظلت منذ أيام السلطنة الزرقاء في القرن السادس عشر، نقطة التآزر، وواسطة عقد التلاقي للسودان الديمغرافي، بين سنار، وتقَلي، ودارفور، وودّاي العباسية، وممالك غرب أفريقيا في بورنو وتكرور ودانفوديو، الذين ظلت قوافلهم تتقاطر منذ المئين من الدهور على طريق الحج، الذي يربط سواحل الأطلسي بالبحر الأحمر وموانئه في عيذاب وسواكن، ومنذ دخول الإسلام لتلك الديار. ثم تمر قوافلهم بسنار، موئل الشريعة، وحصن أمة الإسلام في أفريقيا، التي انتظمت دولتها بعد عقد واحد من الزمان، إثر سقوط دولة الخلافة في الأندلس عام 1492م. فاعتادت سنار على إرسال المحمل كل عام للبيت الحرام، استشعارا بوحدة الأمة، وعموم رسالة الإسلام. ثم تتوجه قوافل الحج من هناك إلى إمارة صالح شنقة، التي كانت قائمة في القلابات، وظلت على صلة بالخلافة في اسطنبول، ومع وكيلها الخديوي في مصر، ثم انضمت في عهد أميرها محمد ود الإرباب، الذي قاد الجيوش أيام المهدية، حتى استشهد في معاركها التي تطاولت مع أباطرة الحبشة.
فدار حَمَر هي دار السودان، ودار الخلق، والكرم، والشهامة، والعزة، والإسلام.
ولعل رمزية تنصيب الناظر عبد المنعم، والسرعة التي جرت بها إدارة الإستخلاف لوالده عبد القادر منعم منصور، تبين مدى التوافق بين أهل الحل والعقد في عرشهم، وتعكس خبرة أسرة النظارة التراكمية في ترتيب أمورهم، وإدارة شئون القبيلة، وهي إعلان عن الأهمية التي يولونها لراهن ومستقبل دارهم العامرة.
فمنطقة غرب كردفان عموما، ودار حمر خصوصا، قدمت للسودان على المستوى القطري الماركة التجارية المسجلة: ‘الضأن الحمري’ الذي يُعرف في السعودية وفي دول الخليج بــ”السواكني” وهو إنتاج متفرد يُعرّف به السودان في أسواق الماشية واللحوم الطبيعية، المتغذية بالمراعي المبرأة من التحورات الحيوية، والهندسة الوراثية التحورية من تلقاء تعظيم الأوزان بالفيتامينات، وذلك على مستوى العالم.
فضلا عن ذلك فإن دار حمر هي موطن حب البطيخ الأفضل عالميا، والفول السوداني، والصمغ العربي، وعامة أهلها من النوابغ في كل الصناعات والفنون. ومنهم بالولاء الرحمي والجوار الإقليمي، الفارس المغوار، إبراهيم وِدِّير، صاحب المدفع الشهير الذي يضمه المتحف المئوي للقوات المسلحة: “مدفع ودِّير”. وتسنى له ذلك الشرف الباذخ، بعد أن رأى فتك مدفع الدفتردار يفتك بجنوده، الذين كان يقاتل أغلبهم بالسيوف، على ظهور الصافنات الجياد، فقال لهم: “سأخلصكم منهم، فالمدفع إن سِلِمت غُنمي، وإن قُتلت وَسْمي..”. ثم شاء الله أن يكون وسمه في المدفع إلى اليوم شرفاً وعزاً له ولأهل السودان، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
والكلام يطول عن دار حمَر إذا ما ذكرت مجاهداتهم في معارك التحرير الوطني، منذ أيام شيكان، وهزيمة أهل السودان لأعتى جيش غزاهم وقاده الجنرال الإنجليزي هكس، الذي تبجح مهدداً أهل السودان:
“لو سقطت السماء أثبتناها بفوهات بنادقنا، ولو زُلزلت الأرض وطئناها بأقدام جنودنا” فانجلَتْ المعركة في أقل من ساعة، وقُطع رأسه، ودابر عسكره، ولم يرجع من جيشه الغازي ناعق ولا ناهق.
التعازي موصولة لأسرة الفقيد الشهيد، وإلى معالي وزير الخارجية، سليل تلك الدار، السفير محي الدين سالم، ولكل الأهل ووشيجة الرحم الواصلة بدار حمر، ولعموم أهل السودان، وسائر أهل الإسلام، في فقد الناظر الشهيد بإذن الله، عبد القادر. والله نسأل أن يجعل البركة في ذريته وعقبه. وأن يهدي النظارة الخالفة إلى حكم الحق وسبيل الرشاد.
دكتور حسن عيسى الطالب
إنضم لقناة النيلين على واتساب
المصدر
المصدر: موقع النيلين
كلمات دلالية: أهل السودان دار حمر
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.