"إبؤرو".. لحن السلام الذي وحد بين المآذن والأجراس في احتفالية المتحف المصري الكبير
تاريخ النشر: 2nd, November 2025 GMT
شهدت مصر أمس حدثًا تاريخيًا لا يُنسى، حيث تم افتتاح المتحف المصري الكبير، الصرح الثقافي الذي يعتبر أكبر متحف مخصص لحضارة واحدة في العالم ومن بين الفقرات الفنية المميزة التي أُقيمت خلال الاحتفالية، كانت هناك فقرة أنشادية تركت أثرًا عميقًا في نفوس المصريين، تمثل مزجًا رائعًا بين الإنشاد الإسلامي واللحن القبطي.
اللحن الذي نُفذ خلال الاحتفالية يُسمى "إبؤرو"، وهو لحن قبطى أصيل، ترجع جذوره إلى الكنائس القبطية في مصر. الكلمة "إبؤرو" تعني باللغة القبطية "يا ملك السلام"، وتُعتبر دعاءً موجهًا إلى الله من أجل إدامة نعمة السلام على مصر، في إطار مناسبة عظيمة كهذه، وقد أضفى هذا اللحن جوًا روحانيًا على الاحتفال، خاصة أنه يُقال في الكنيسة في مناسبات هامة مثل الأعياد، وأسبوع الآلام، وأثناء استقبال البطريرك والأساقفة.
مضمون اللحن ودلالتهحمل اللحن في كلماته دعاءً عميقًا للسلام والمغفرة، ويُعبر عن وحدة مصر الدينية والروحية في أجمل صورها. الكلمات باللغة العربية تدعو إلى السلام والغفران، وتطلب من الله أن يُحسن حال الوطن والمواطنين:
"يا ملك السلام: أعطِنا سلامك: قرر لنا سلامك: واغفر لنا خطايانا.
فرّق أعداء الكنيسة: وحصّنها: فلا تتزعزع: إلى الأبد.
عمانوئيل إلهنا: في وسطنا الآن: بمجد أبيه: والروح القدس.
ليباركنا كلنا: ويطهر قلوبنا: ويشفي أمراض: نفوسنا وأجسادنا.
نسجد لك أيها المسيح: مع أبيك الصالح: والروح القدس: لأنك صُلبت وخلصتنا."**
أما الترجمة القبطية التي يتم استخدامها داخل الكنائس و التي أُدّيت أمس خلال الاحتفال، فقد جاءت كالتالي:
"إبؤورو إنتي تي هيريني: موى نان إنتيك هيريني: سيم ني نان إنتيك هيريني: كانين نوفي نان إيفول.
جور إيفول إن ني جاجي إنتي تي إك إكليسيا: آري سوفت إيروس: إن نيسكيم شا إينيه.
إممانوئيل بين نوتي: خين تين ميتي تينو: خين إبؤأو إنتي بيف يوت: نيم بي إبنفما إثؤاب.
إنتيف إسمو إيرون تيرين: إنتيف توفو إن نين هيت: إنتيف طالتشو إن ني شوني: إنتي نين إبسيشي نيم نين سوما.
تين أوؤشت إمموك أو بخريستوس نيم بيك يوت إن أغاثوس: نيم بي إبنفما إثؤواب: جي أف أشك إكسوتي إممون.
اختيار هذا اللحن، الذي يجمع بين التراثين الإسلامي والمسيحي، لم يكن مجرد مصادفة، بل كان تعبيرًا عن الوحدة الوطنية العميقة التي تجمع جميع المصريين، والمتحف المصري الكبير ليس فقط معلمًا ثقافيًا، بل هو أيضًا تجسيد للتاريخ المشترك بين جميع أطياف المجتمع المصري، ومثال حي على كيفية تلاقي التاريخ والدين والفن معًا في وحدة واحدة.
في يوم افتتاح المتحف المصري الكبير، قدم المصريون صورة حية للوحدة الوطنية التي يجمعها حب الوطن، فرغم تنوع ثقافاتهم ودياناتهم، إلا أن لحن "إبؤرو" سطر لحظة من اللحظات الرائعة التي تُذكرنا جميعًا بأهمية السلام والوحدة في حماية هذا الوطن العظيم.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: المتحف المصري الكبير افتتاح المتحف المتحف المصری الکبیر افتتاح المتحف
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..