أمريكا ـ الخليج: خيار تحالفات عولمة أمن المنطقة!
تاريخ النشر: 3rd, November 2025 GMT
يتأكد ويتعمق فجوة تراجع الثقة مع كل إدارة أمريكية جديدة منذ عقدين ونصف من خلال المواقف والشواهد أن الولايات المتحدة الحليف الدولي الأقوى تقوم بخفض أهمية منطقة الخليج والشرق الأوسط، والانصراف لمواجهة التهديدات الصاعدة والمتفاقمة لمواجهة التحولات في نظام عالمي يتجه للتعددية القطبية واحتواء الصعود الصيني والتهديدات من روسيا وذلك حتى قبل تحول الصين لمنافس هو الأقوى والمعادل للهيمنة الأمريكية، وحرب روسيا على أوكرانيا.
بدأ تآكل ثقة الحلفاء الإقليميين بالحليف الأمريكي من مطلع القرن العشرين، فجرتها حروب الرئيس بوش الابن الاستباقية بشعار «الحرب العالمية على الإرهاب» ـ والنتائج الكارثية للاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق خلال عامي2001 ـ 2003!!
ما دفع دول مجلس التعاون الخليجي للتحوط بتنويع الخيارات الأمنية وبدء التفكير بجدية بالاعتماد أكثر على قدراتهم، والعمل على تشكيل تحالفات من خارج المنطقة لتنويع القدرات والخيارات الأمنية والعسكرية.
تتآكل الثقة والتعويل كليا على الحليف الأمريكي منذ إدارة الرئيس أوباما، واستراتيجية الاستدارة نحو آسيا برغم فشلها، وأعقبتها إدارة ترامب الأولى ومبدأ المقايضات والصفقات دون التخطيط الاستراتيجي. انعكس على تهور قراراته باغتيال القائد العسكري الإيراني وقائد فيلق القدس قاسم سليماني عام 2020. وقبلها عدم طمأنة الحلفاء الخليجيين باتخاذ مواقف رادعة ضد إيران بعد الاعتداء بأسلحة إيرانية على ناقلات النفط في الخليج العربي، والأخطر الاعتداء على منشآت أرامكو النفطية في أبقيق وخريص في السعودية بمسيرات وصواريخ إيرانية الصنع في سبتمبر 2019. وقبلها الخضوع للضغط الإسرائيلي بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في مايو 2018-بإدارة أوباما مع مجموعة (5+1)في يوليو 2015.
ولاحقا في إدارة ترامب الثانية بالتصعيد المتهور بالمشاركة مع إسرائيل في يونيو 2025 بقصف منشآت إيران النووية في فوردو وأصفهان في أول عمليات عسكرية مباشرة داخل إيران. ما دفع إيران لرد انتقامي بقصف قاعدة العديد الأمريكية في قطر-في اعتداء إيراني مباشر على قطر.
التصعيد الأخطر كان بسماح ترامب لإسرائيل بتغيير قواعد الاشتباك-بقصف مقر سكن قيادات حركة حماس في الدوحة
لكن التصعيد الأخطر كان بسماح ترامب لإسرائيل بتغيير قواعد الاشتباك-بقصف مقر سكن قيادات حركة حماس في الدوحة. في محاولة فاشلة لاغتيال خليل الحية زعيم حركة حماس وقياديين في الحركة وهم يناقشون الرد على مقترح الرئيس ترامب لوقف حرب إبادة إسرائيل على غزة. ما شكل سابقة خطيرة بالاعتداء على الوسيط والحليف القطري. ما أثار غضب وردود أفعال قطرية وخليجية وعربية وإسلامية منددة وشاجبة بقوة للاعتداء الغادر.
وصف أمير قطر ورئيس الوزراء القطري الاعتداء الإسرائيلي بإرهاب دولة ـ وعقد قمة خليجية-عربية-إسلامية في الدوحة أظهرت الدعم والإسناد لدولة قطر ونددت بالعدوان الإسرائيلي.
وكان ملفتا تعليق أمير قطر في الدوحة وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة-يزورونا ثم يقصفوننا»
لكن الضرر وهوة التشكيك تعمقت بالتعويل على ترامب وإدارته بتوفير الأمن برغم الأمر التنفيذي من الرئيس ترامب بحماية أمن قطر في حال تعرضت لاعتداء وتعهده بعدم تكرار الاعتداء واتصال نتنياهو من البيت الأبيض للاعتذار بطلب من الرئيس ترامب، وزيارة الرئيس ترامب ولقائه مع الشيخ تميم بن حمد في مطار حمد الدولي في الدوحة في طريقه إلى ماليزيا واليابان وكوريا الجنوبية ضمن جولته الآسيوية.
تثير تلك المواقف ردود أفعال مستحقة حول الآلية والاستراتيجية الأمثل في تنويع التحوطات الأمنية لتعزيز القدرات الدفاعية والأمنية. وذلك بالتفكير استراتيجيا، والعمل على تشكيل تحالفات جديدة تقلص الاعتماد الأحادي على الحليف الأمريكي وتنويع وتوسيع القدرات الأمنية والدفاعية لدول مجلس التعاون الخليجي بشبكة حلفاء وشركاء أمنيين وعسكريين واقتصاديين وفي مجال أمن الطاقة والاستثمارات. خاصة أن الصين باتت الشريك التجاري الأول لدول مجلس التعاون الخليجي وإيران….
وكان ملفتا التحول الكبير بتوقيع السعودية وباكستان(النووية) اتفاقية التعاون الأمني بعد اعتداء إسرائيل على قطر في سبتمبر الماضي. برغم طمأنة ترامب لقطر والشركاء الخليجيين بأمره التنفيذي.. وحتى احتمال توقيع السعودية اتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة في زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان هذا الشهر.
وتفاؤل الرئيس ترامب في مقابلته مع مجلة تايم بتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل. برغم تفهم ترامب ونائبه خرق إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار وقتل أكثر من 100 فلسطيني في قطاع غزة!
ورغم ذلك يتعمق تراجع الثقة بالتعويل على ترامب وإدارته بتوفير الأمن الخليجي. لذلك نلحظ تغير وإعادة تشكيل التحالفات وتنويع شبكة الشركات الأمنية (باكستان ـ روسيا ـ الصين ـ تركيا). وعقد اتفاقيات دفاعية واقتصادية لتوزيع المخاطر.
دون أن تكون تلك التحالفات الناشئة بديلا أو تقود لتراجع التنسيق الدائم مع الولايات المتحدة. لكن سيكون لذلك تداعيات كبيرة على مستقبل العلاقات الخليجية-الأمريكية. وذلك بسبب الحساسية الكبيرة التي يظهرها ويعارضها الرئيس ترامب لأي تقارب أو دور مستقبلي للقوى الأخرى خاصة لروسيا والصين، يلحق الضرر بمصالح ودور وحضور الولايات المتحدة، في منطقة الخليج العربي.
نشرت قبل عام في «مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية» ـ في جامعة الكويت ـ بعنوان: «تأثير استراتيجية انكفاء الولايات المتحدة الأمريكية على أمن منطقة الخليج العربي ـ 2009 ـ 2024 ـ تغطي فترات رئاسة ثلاثة رؤساء أمريكيين أوباما ورئاسة الرئيس ترامب الأولى ورئاسة الرئيس بايدن. واستنتجنا في الدراسة أن انكفاء إدارة الرئيس أوباما واستدارته نحو آسيا فتحت لدول: الصين ـ روسيا ـ إيران وتركيا للعب دور في المنطقة. وكذلك عمّقت سياسات الرئيس ترامب في رئاسته الأولى بفشله بممارسة الدوري القيادي بحل الأزمة الخليجية بين السعودية ـ الإمارات ـ البحرين ومصر ـ (2017 ـ 2021) ـ وكانت جزءا من الأزمة وليس الحل. وعمّقت هامش غياب الثقة بالحليف الأمريكي! ما شكل تهديدا لأمن واستقرار منطقة الخليج.
لم تنجح سياسات ترامب في رئاسته الثانية ببناء الثقة، لغياب استراتيجية والتزام أمني واضح. وبدعمه الكلي لحرب إبادة إسرائيل على غزة، ومشاركته بقصف منشآت إيران النووية، ورد إيران الانتقامي بقصف قاعدة العديد، وسماحه لإسرائيل بقصف الدوحة لاغتيال قيادات حماس!!
القدس العربي
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه الخليج ترامب الإيراني نتنياهو إيران الخليج نتنياهو الاحتلال ترامب مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة صحافة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الولایات المتحدة منطقة الخلیج الرئیس ترامب فی الدوحة قطر فی
إقرأ أيضاً:
وحدة الخليج العربي ونداءات الفرقة
منطقة الخليج العربي ليست وليدة النفط، وليست وليدة العقد الثاني من القرن العشرين. أتعجب من بعض إخواننا العرب من تصوير سكان المنطقة وكأنهم كانوا حفاة لا قيمة لهم إلا في العقود المتأخرة. فهذه المنطقة عموما ارتبطت بحضارات قديمة وعريقة في القدم، وتدافعت معها، وأثرت وتأثرت بها مع حضارة بلاد السند، وبلاد الرافدين، وحتى حضارة النيل والصين، وارتبطت بالأديان والثقافات الأولى، وكانت ولا زالت من أهم المعابر البحرية والبرية، قبل أن تكون من المعابر المهمة جويا لتوسطها العالم القديم، وموقعها المميز في العالم الحديث.
إذا كانت هذه المنطقة ليست بذات الأهمية فلماذا قصدها المستعمرون الأوربيون منذ القرن السادس عشر الميلادي حتى اليوم؟ ولماذا تنافس عليها الأمويون والعباسيون وحتى العثمانيون قديما؟ لا يمكن قراءتها بهذه السذاجة التي يصورها بعضهم، وللأسف منهم كتاب، وبعضهم يعيش أو عاش في الخليج، وكان قريبا من ثقافتها وقراءة تأريخها.
فإذا أصابها التقسيم وفق المشيخات أو الأسر الحاكمة أو حضور اسم بعضها قديما وحديثا فقد سبقتها بلاد الشام والعراق واليمن والمغرب الأقصى منذ بدايات معاهدة سايكس بيكو 1916م، وهذا لم يلغِ وجود هذه الدول وأهميتها قبل وبعد التقسيم؛ فلا معنى للتقليل من الخليج العربي ودوله وعراقته قبل وبعد أيضا.
كتبت أكثر من مرة عن هذه المنطقة، وعن تأريخها ووحدتها، بيد يحزنني ما أراه من «مهاترات صبيانية» في «أكس» وكأنهم في حرب داحس والغبراء من مثقفين وأكاديميين ينظر إليهم أنهم قدوة في احتواء مثل هذه الأزمات، والحفاظ على وحدة الخليج وأمنه وترابه، وتوفير بيئة آمنة لأجياله القادمة، وهذا حد لا مساس له. للأسف أن نرى غثائية تظهر بين حين وآخر بدلا من قراءات جادة يتقدمها العقلاء، ويستفيد منها الساسة.
ثم للأسف أن الخليج بذاته من خلال مجلسه لم يستطع صناعة قراءة ثقافية وعلمية لها مراكزها المستقلة والصانعة للقرار. اكتفى عند صناعة جاميات مذهبية مختلفة تستخدمها السلطة بين حين وآخر، وبين صناعة مثقفي السلطة ذاتها المتحدثين بمدى الانتفاع المادي، وليس باسم الوطن ومبادئه وقيمته، وهذا ما نرى نتيجته اليوم بعد الأحداث الأخيرة من عدمية القراءات الجادة، ورغبة العديد من القدرات الثقافية إلى السكوت والانزواء، لتسود الغثائية في وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها «أكس».
المتأمل في «أكس» أن هناك فئات متقلبة حسب الحدث ترى الخليج بأكمله في سياسات دولها القطرية أحسنت أم أساءت، وكأن استقرار الخليج برؤية سياسة دولها المتقلبة؛ فأمن الخليج هو أمن للجميع، كما أن أمن أي دولة فيه هو أمن للكل، وكما لكل دولة سيادتها وخصوصيتها الثقافية ورؤيتها السياسية، إلا أن أي خلل أمني فيها المتضرر هو الجميع، كما نراه اليوم مثلا في العراق واليمن، وهما أكثر الدول قربا من الخليج؛ فبعض التقارير تشير إلى أن العديد من الضربات التي لحقت بالخليج في الحرب الأخيرة انطلقت من العراق، كما أن الفراغ السياسي في اليمن أدى إلى نمو جماعات أصبحت مصدر تهديد لأمن الخليج، والسبب أن الخليج طيلة نصف قرن لم يستطع احتواء هذين القطرين بمعنى الإحياء، وبناء الدولة المدنية غير المؤدلجة - خصوصا اليمن - حيث كانت أكثر قابلية أن تكون ضمن المنظومة الخليجية؛ فنمت في هذين القطرين تنظيمات نتيجة الفراغ السياسي، والتدخلات الأيديولوجية الخارجية.
ثم أتعجب ممن يبرر الضربات الحربية على الخليج بدعوى وجود قواعد عسكرية خارجية فيها في انتهاك صارخ لأمن وسيادة الخليج ذاته، كما أتعجب ممن يشجع مليشيات خارجية لها رؤى أيديولوجية مغلقة في ضرب المنطقة تحت مبررات لا علاقة لها لا بالقضية الفلسطينية، ولا بالحرب الأخيرة.
فانتهاك سياسة أي دولة في الخليج هو انتهاك لسياسة الجميع أيا كان مصدر هذا الانتهاك لا يبرر بحال من الأحوال، إلا إذا كان في الخفاء استخدمت هذه القواعد والتحالفات لا لأغراض أمنية دفاعية، بل استخدمت لأغراض حربية تضر بالآخر، فهنا كما يقال «جنت على نفسها براقش».
إن اتجاه الخليج اليوم في توسعة خلق الولاءات الخارجية عسكريا وسياسيا وثقافيا إذا هذا الخلق ليس منطلقه الوحدة الخليجية ذاتها، بل باعتبار الدولة القطرية الواحدة، هذا بلا شك سيمدد من حالة الفرقة بين دول الخليج، وتلاشي فكرة الوحدة الخليجية، وقد يجر كما حدث في لبنان - ولو على المستوى القطري - إلى تعددية الولاءات الخارجية في منطقة الخليج، وبالتالي حدوث الفوضى فيه على المدى البعيد.
عندما تنطلق هذه الولاءات من وحدة خليجية واحدة للحفاظ على أمنه وإحيائه كمنطقة جيوسياسية واحدة فهذا له ضرورياته المرحلية، لكن لما تنطلق من اعتبارات تجزيئية فيعني هذا أن الخليج يتجه نحو الانقسامات وخراب بيته بيده.
وهذا ما نراه اليوم في «أكس»؛ فالذي يحدث فيه إما له علاقة بجهات معروفة داخل الخليج ذاته، وهي من تسعى إلى خلقه، وإما لا علاقة لها به من حيث الابتداء، وإما أن العديد منها معرفات خارجية من غير أبنائها غايتها خلق الفوضى في هذه المنطقة، ودول الخليج باستخباراتها مدركة أنه لا تأثير لها إلا إلهاء الشعوب بصراعات وهمية آنية تشغل بها. جميع هذا - أدرك أم لم يدرك - سوف يؤدي إلى صناعة أزمة أمنية في المنطقة، وصناعة أجيال غير متشربة بالوحدة الخليجية، ولها انتماءات أيديولوجية خارجية على المدى البعيد ترى فيها الخلاص لأزمتها ومشكلاتها، مما يضعف الولاءات الداخلية التي تنمو بشكل طبيعي من الداخل، ولو اختلفت ثقافاتها، لكن غايتها إحيائية صادقة، وليست متلبسة بها لغايات مصلحية فردية أو خارجية أو نتيجة انتماءات أيديولوجية.