علي بن مسعود المعشني

ali95312606@gmail.com

أحدثت كلمة سلطنة عُمان التي ألقاها معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية في منتدى حوار المنامة 2025، أصداءً كبيرة على الصُعد المحلية والإقليمية والدولية. وتراوح صداها بين الإبهار والإعجاب والصدمة، وجميع هذه التأثيرات متوقعة وطبيعية.

فحالة الإبهار كانت من نصيب الشأن المحلي العُماني أولًا، الذي أدرك أن كل حرف في الكلمة يُشبهه ويُشبه عُمان التاريخ والحاضر والمستقبل، وكانت من نصيب العارفين بثوابت السياسة العُمانية كذلك على الصعيدين الإقليمي والدولي.

أما حالة الإعجاب فكانت من نصيب الذين يُدركون معنى الموقف السيادي للدول حين تُختبر مواقفها في القضايا المصيرية وتوضع على المحك، أما موقف الصدمة فكان من الذين راهنوا على أن عرب زماننا ظاهرة صوتية يعلو ضجيجها على مواقفها، ويمكن تمرير ما يشاؤون عليها بالترهيب والترغيب دون اعتراض.

الحقيقة التي يجب أن يعلمها الجميع ويدركونها جيدًا، أن سلطنة عُمان دولة ذات مكانة تاريخية وإرث حضاري أنتجت ثوابت وقيماً في تعاملها وفي سياساتها الداخلية والخارجية، ولا يمكن لأي نظام يأتي على السلطنة الإخلال بها أو الالتفاف عليها، فدول الأيام وسُنن التاريخ قاسية في تعاقبها وفرز وقائعها ولو بعد حين.

كلمة معالي السيد بدر، كانت من نسيج عُمان التاريخي، وتأكيدًا على العقيدة السياسية للسلطنة وأجندتها السياسية الخالية من الغموض والتورية والشوائب، والمصالح المُعلبة والمُغلفة بالتبريرية الملتوية بزعم الواقعية أحيانًا والعقلانية أحيانًا أخرى.

سياسة سلطنة عُمان الخارجية- لمن يعرفها- تتميز بالمصالح العليا للسلطنة والإقليم والسلم الدولي، وعلى رأس هذه المصالح تحقيق السلام والاستقرار كمفاتيح للتنمية والتعاون بين الشعوب والبلدان.

لم تقتنع السلطنة يومًا بتسويق إيران كعدو بديل عن الكيان الصهيوني الغاصب، ولم تقتنع يومًا بأنَّ إيران عامل تهديد للمنطقة، كما لم تقتنع السلطنة يومًا بأن إيران تسعى لامتلاك سلاح نووي تُهدد به المنطقة والأمن والسلم الدوليين.

قناعة السلطنة أن الكيان الصهيوني الغاصب سبب رئيس للمؤامرات والحروب والقلاقل في المنطقة منذ إنشائه من قبل القوى الغربية على أرض فلسطين العربية، وقناعة السلطنة أن إيران دولة جوار جغرافي وشريك تاريخي فاعل في الحضارة العربية/ الإسلامية، ومن مصلحتها العليا استتاب السلم والاستقرار في المنطقة.

وقناعة السلطنة أن حقيقة العلاقة بين أقطار الخليج وإيران هي علاقة تكامل لا علاقة صراع مُختلق لصالح أطراف خارجية.

وقناعة سلطنة عُمان أن أقطار الخليج ليس لها أي مصلحة في خوض حروب بالوكالة عن أحد، كما إنه ليس من أي مصلحة لها في الانقياد الأعمى خلف أجندات أجنبية مشبوهة وغارقة في التآمر والكيدية ثمنها في النهاية وجود أقطار الخليج من عدمه.

وقناعة السلطنة أن أقطار الخليج العربية وإيران والعراق واليمن تقتضي التكامل والتعاون العميق في تكتل واحد يراعي ويخضع للغة الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك. وهذه القناعة المتجددة كانت منذ دعا السلطان قابوس بن سعيد- رحمه الله- عام 1976م إلى قيام تكتل إقليمي يضم أقطار الخليج والعراق وإيران، يُجنب المنطقة سموم التحالفات والاستقطابات الدولية ويعود بالنفع على دول المنطقة ويجلب لها السلم والاستقرار الإقليمي. ومازالت السلطنة تجد في هذا الخيار- مضافًا إليه اليمن اليوم- خيارًا واقعيًا عقلانيًا ومُثمرًا يخدم الجميع وفي صالح الجميع ويلجم الشرور من أي مصدر كانت. وفي المقابل على المصدومين من كلمة معالي السيد بدر أن يستعيدوا ذاكرتهم السياسية والجغرافية والتاريخية، ليقرروا بعد ذلك كيفية توصيف وتصنيف مواقف السلطنة وثوابتها، ويستعرضوا قبل ذلك ثمار كل موقف للسلطنة على أرض الواقع الخليجي والإقليمي. فالسلطنة لم تسع يومًا إلى الكسب المادي من أي قضية تتبناها أو تدعمها، فكسبها وهدفها الأول والأخير ما هو أثمن من المال وهو السلام والاستقرار وحقن الدماء والثروات فالغرب لا ينظر إلينا كشركاء ولا حلفاء، بل أدوات تحت الطلب لخدمة مصالحهم وعلى استعداد للتضحية بنا في أول صفقة "رابحة" لهم وفق "البورد" السياسي الغربي.

قبل اللقاء.. يقول السياسي والدبلوماسي المصري الدكتور مصطفى الفقي في لقاء تلفزيوني: الأمريكان يُحبون مصر ولكنهم "لا يحترمونها"، ويكرهون سوريا ولكنهم "يحترمونها".

وبالشكر تدوم النعم.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

لماذا الغدير؟  قراءة تحليلية في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني

في كل عام، ومع حلول الثامن عشر من ذي الحجة، يتجدد حضور مناسبة الغدير في الوجدان الشعبي والإيماني لقطاع واسع من أبناء اليمن، بوصفها مناسبة ذات امتدادات دينية وتاريخية وثقافية عميقة. ومع كل موسم احتفاء، يبرز سؤال يتكرر على ألسنة البعض: لماذا الاحتفال بالغدير بعد مرور قرون طويلة على وقوعه؟ وما الذي يجعل هذه المناسبة حاضرة بقوة في الواقع المعاصر؟
هذا السؤال لا يقتصر على كونه استفساراً تاريخياً، بل يتجاوز ذلك إلى مناقشة طبيعة العلاقة بين الأمة وذاكرتها الدينية، وبين الحاضر والجذور الفكرية التي تشكل هويتها الحضارية والإيمانية.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

الغدير.. استحضار للهوية وليس استدعاءً للماضي

تنطلق الرؤية المطروحة من اعتبار أن الاحتفاء بالغدير ليس حدثاً طارئاً أو ممارسة مستحدثة، وإنما يمثل امتداداً لتراث اجتماعي وثقافي متجذر في اليمن منذ أجيال طويلة، حيث عرف اليمنيون هذه المناسبة وأحيوا ذكراها تحت مسميات شعبية مختلفة، من أبرزها “يوم النشور”، في دلالة على عمق حضورها في الوعي الجمعي، ومن هذا المنطلق، فإن الاحتفال بالغدير لا يُنظر إليه باعتباره استدعاءً لحدث تاريخي منقطع الصلة بالواقع، بل باعتباره استحضاراً لمعانٍ وقيم ومبادئ ما تزال حاضرة ومؤثرة في حياة الأمة، تماماً كما تستحضر الشعوب محطات تاريخها الكبرى وأحداثها المؤسسة لهويتها.

إشكالية الانتقائية في قراءة التاريخ

تثير الرؤية تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة التعاطي مع التاريخ الإسلامي، إذ تشير إلى وجود حالة من الانتقائية في قبول بعض الأحداث ورفض أخرى، فإذا كان الحديث عن الغزوات الإسلامية الكبرى، أو عن مراحل الدول الأموية والعباسية والعثمانية، أمراً طبيعياً ومقبولاً في المجال الثقافي والفكري، فلماذا يصبح الحديث عن واقعة الغدير أو فضائل أهل البيت محل اعتراض أو تشكيك؟، هذا التساؤل يكشف عن جدل أعمق يتعلق بمعايير قراءة التاريخ الإسلامي، وما إذا كانت تخضع لموازين علمية موضوعية أم لتأثيرات مذهبية وسياسية تراكمت عبر القرون.

الغدير امتداد طبيعي لسيرة حجة الوداع

من أبرز الأفكار التي تطرحها هذه الرؤية أن حادثة الغدير لا يمكن فصلها عن سياق حجة الوداع نفسها، فالمسلمون يتحدثون باستفاضة عن مناسك الحج وخطبة عرفات وأحداث الرحلة النبوية الأخيرة، باعتبارها جزءاً من السيرة النبوية الشريفة، وبالتالي فإن تناول ما جرى في غدير خم يُعد امتداداً طبيعياً لذلك التسلسل التاريخي، وليس حدثاً منفصلاً أو طارئاً على السردية الإسلامية، وبحسب هذا المنظور، فإن واقعة الغدير تمثل محطة من محطات الرسالة المحمدية التي تستحق الدراسة والبحث والفهم شأنها شأن بقية الأحداث الكبرى المرتبطة بالسيرة النبوية.

البعد القرآني لمفهوم الولاية

تؤكد الرؤية أن أهمية الغدير لا تنبع من الحدث التاريخي فحسب، بل من ارتباطه بجملة من الآيات القرآنية التي تستدعي التأمل في مفاهيم الإمامة والولاية والطاعة والاقتداء، وتطرح تساؤلات فكرية حول دلالات عدد من الآيات التي تتناول مفهوم الولاية وأولي الأمر والإمامة والقيادة الإيمانية، معتبرة أن فهم هذه النصوص يشكل جزءاً من مسؤولية المسلم في تدبر القرآن الكريم واستيعاب معانيه، وفي هذا السياق، يُقدَّم الغدير بوصفه مناسبة لإعادة قراءة تلك المفاهيم القرآنية واستحضار مضامينها في الواقع العملي للأمة.

الولاية كمنظومة قيم لا كشعار عاطفي

من أهم الدلالات التي يبرزها الخطاب المرتبط بالغدير أن الولاية ليست مجرد شعار يُرفع أو مناسبة تُحتفل بها، بل منظومة أخلاقية وسلوكية متكاملة، فالاقتداء بالإمام علي عليه السلام، وفق هذه الرؤية، لا يقتصر على إعلان المحبة أو إحياء الذكرى، وإنما يتمثل في استلهام قيم العدالة والزهد والعلم والشجاعة والنزاهة والتضحية التي جسدها في حياته،
ومن هنا تتحول المناسبة من حدث احتفالي إلى محطة تربوية وأخلاقية تهدف إلى بناء الإنسان المؤمن الواعي والقادر على حمل مسؤولياته الدينية والاجتماعية.

الغدير وتصحيح مفاهيم الولاء والانتماء

في ظل واقع تتداخل فيه الانتماءات الحزبية والمذهبية والمصالح الضيقة، تطرح مناسبة الغدير رؤية مختلفة لمفهوم الولاء، فالموالاة، بحسب هذا الفهم، لا ينبغي أن تقوم على العصبيات أو الانتماءات الضيقة، وإنما على معيار الحق والعدل والقيم الإيمانية، وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في زمن تتسع فيه الانقسامات وتتصاعد فيه النزاعات الفكرية والسياسية، حيث يُقدَّم نموذج الإمام علي عليه السلام باعتباره نموذجاً للقيادة المرتبطة بالمبادئ لا بالمصالح.

البعد الثقافي والاجتماعي للغدير في اليمن

لا يمكن فصل الاحتفاء بالغدير عن خصوصيته اليمنية، إذ تمثل المناسبة جزءاً من الموروث الثقافي والديني لشرائح واسعة من المجتمع اليمني، وتتحول فعاليات الغدير في كثير من المناطق إلى مساحة لتعزيز الروابط الاجتماعية، وإحياء قيم التكافل والتراحم وصلة الأرحام، إلى جانب دورها في ترسيخ الوعي الديني والثقافي، كما تعكس المشاركة الشعبية الواسعة في هذه المناسبة حالة من الارتباط الوجداني بالرموز الإسلامية الجامعة التي تمثل جزءاً من الهوية التاريخية للمجتمع اليمني.

بين الذاكرة والواقع

تكشف الرؤية المطروحة أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا نحتفل بالغدير؟، بل ربما يكون السؤال الأعمق: كيف يمكن للأمة أن تحافظ على ذاكرتها الدينية والتاريخية وأن تستفيد من دروسها في بناء حاضرها ومستقبلها؟، فالأمم لا تعيش بلا ذاكرة، والمجتمعات التي تفقد صلتها برموزها وقيمها المؤسسة تصبح أكثر عرضة للتيه الفكري والتشظي الثقافي، ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الغدير باعتباره مناسبة لاستحضار معاني القيادة الصالحة والارتباط بالقرآن الكريم والاقتداء بالقيم التي جسدها الإمام علي عليه السلام، بما يسهم في تعزيز الوعي والبصيرة وترسيخ الهوية الإيمانية للأمة.

ختاما ..

يبقى الغدير أكثر من مجرد ذكرى تاريخية؛ فهو محطة لاستحضار معاني الولاء للحق والاقتداء بالنموذج الإسلامي الأصيل، وفرصة لتجديد الصلة بالقيم القرآنية والنبوية التي شكلت أساس الرسالة الإسلامية، وبغض النظر عن اختلاف القراءات والاجتهادات حول بعض تفاصيله التاريخية أو العقدية، فإن المناسبة تظل حاضرة في الوعي الشعبي والثقافي بوصفها جزءاً من التراث الإسلامي الذي يستدعي الدراسة والفهم والحوار الهادئ، بعيداً عن التعصب والانغلاق، وصولاً إلى ترسيخ ثقافة المعرفة والبصيرة والوعي.

مقالات مشابهة

  • رئيس قطاع المسرح يشيد بصناع عرض "كلمة مرور.. PASSWORD"
  • مجلس الوزراء الكويتي يدين الاعتداءات الإيرانية على الكويت والتصعيد الإسرائيلي في لبنان
  • وحدة الخليج العربي ونداءات الفرقة
  • حوار الوجعة: البرهان يرفض مشاركة البرهان..!
  • قرقاش: اليمن ودول الخليج ولبنان والعراق تدفع ثمن الطموح الإيراني
  • المنامة تحظر سفر مواطنيها إلى إيران والعراق حتى إشعار آخر
  • "حوار شانغريلا".. اتجاهات جديدة في حوكمة الأمن
  • إنفوجرافيك | لماذا الغدير؟  قراءة في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني
  • من النول إلى الخشبة: قراءة في العرض الهندي رقصة النسيج
  • لماذا الغدير؟  قراءة تحليلية في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني