لبنان والكيان بين المبادرة والعدوان
تاريخ النشر: 4th, November 2025 GMT
يواصل كيان العدو الصهيوني عربدته وانتهاكاته السافرة لاتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، من خلال غاراته الجوية واستباحته للسيادة اللبنانية بكل بجاحة ووقاحة وجرأة وقلة حياء، على مرأى ومسمع العالم بأسره، توغل بري إسرائيلي في قرية بليدا جنوب لبنان، واقتحام لمبنى البلدية وقتل الموظف إبراهيم سلامة، وقصف جوي للعديسة والجرمق والمحمودية والمصيلح، وانتهاك سافر لأجواء بيروت وضاحيتها، وإمعان في استهداف ما تبقى من مؤسسات اقتصادية في المناطق الحدودية، ليصل عدد المؤسسات الاقتصادية التي تم تدميرها قرابة 8060 مؤسسة، وسط تقديرات للبنك الدولي للخسائر التي تعرض لها لبنان جراء العدوان الإسرائيلي على لبنان بقرابة 14مليار دولار.
الهمجية الإسرائيلية التي تمارس تجاه لبنان تتم بضوء أخضر أمريكي وبتواطؤ عربي قذر من قبل الأنظمة المتأبطة شرًّا بحزب الله والمقاومة اللبنانية والتي تحاول من وراء هذه الاعتداءات والاستفزازات الوقحة ممارسة الضغط على لبنان الرئاسة والحكومة والبرلمان وحزب الله من أجل القبول بالرؤية الأمنية الإسرائيلية بشأن لبنان التي تستهدف المقاومة خاصة ولبنان عامة، حيث يسعى الكيان الإسرائيلي لتثبيت معادلة جديدة في جنوب لبنان من خلال سياسة الضغط المركزة التي يمارسها بالتنسيق مع الجانب الأمريكي، الذي يتحرك بشكل غير مسبوق من أجل بلورة صيغة توافقية لحل دائم بين لبنان والكيان بما يتماشى مع الرغبات الإسرائيلية التي لا يمكن القبول بها على الإطلاق.
الاستباحة الإسرائيلية للسيادة اللبنانية التي يحاول الكيان فرضها وممارستها على أرض الواقع تمثل التهديد الخطير لاتفاق وقف إطلاق النار، هذا الاتفاق الذي لم يلتزم به الكيان ولم يوقف همجيته التي تتصاعد وتيرتها من وقت لآخر وخصوصًا في ظل الرفض الإسرائيلي للانسحاب من التلال الخمس (العويضة والعذبة والحمامص وجبل بلاط واللبونة) والتي نص اتفاق وقف إطلاق النار على انسحاب قوات الكيان منها، وإصراره على احتلالها.
كل هذه المعطيات خلقت حالة من التوتر في المنطقة؛ مما دفع بالرئيس اللبناني للخروج عن صمته وإعطاء التوجيهات للجيش اللبناني المرابط على الحدود اللبنانية بالتصدي لأي عدوان أو توغل إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، بعد أن أدرك خطورة الموقف ومغبة الصمت على الانتهاكات والاعتداءات والخروقات الإسرائيلية المتكررة والتي وصلت إلى حد استباحة الأراضي اللبنانية والتوغل داخلها وصولًا إلى الهجوم على مؤسسة حكومية وقتل موظف رسمي بداخلها مع سبق الإصرار والترصد.
هذا التوتر دفع بالأمريكي إلى تحريك الدبلوماسية المصرية (بُندُق العَدَال) كما يقال في اللهجة اليمنية؛ من أجل لعب دور الوسيط بين لبنان والكيان من خلال تبني مبادرة دبلوماسية تهدف إلى نزع فتيل التوتر وتطبيع الأوضاع في لبنان، وعلى الرغم من أن الجانب المصري حاول أن يقدم المبادرة ويغلفها بطابع مصري، وأنها صيغت في الأروقة الدبلوماسية للخارجية المصرية بمعزل عن أي تدخل أو مشاركة للجانبين الأمريكي والإسرائيلي إلا أن المتابع للشؤون السياسية الشرق أوسطية يدرك تمامًا أن مصر لا يمكن أن تقدم على القيام بهكذا خطوة دون علم الجانب الأمريكي على الأقل، إذا ما تجاوزنا الجانب الصهيوني.
المبادرة الدبلوماسية المصرية بحسب تسريبات ما تسمى بهيئة البث الإسرائيلية تتضمن تثبيتًا لوقف إطلاق النار، وتنص على انسحاب القوات الإسرائيلية من المواقع الخمسة التي ما يزال محتلًّا لها، مقابل التزام حزب الله بتجميد أنشطته العسكرية جنوب نهر الليطاني، بالإضافة إلى إنشاء آلية تفاوض برعاية عربية تركية تتولى متابعة تنفيذ الاتفاق وتمنع أي خرق له، وبما يضمن إشرافًا ميدانيًا عربيًا إسلاميًا جزئيًا بديلًا عن الدور الأممي التقليدي، بالإضافة إلى البعد الإقليمي الذي تم تضمينه هذه المبادرة الذي يتعلق بالتنسيق بين طهران والرياض من أجل تحييد لبنان عن التجاذبات الإقليمية، مع الحفاظ على سلاح حزب الله ضمن ما أطلقت عليه القاهرة مصطلح الخمول الاستراتيجي، والذي يعني عدم استخدامه وتطويره، وكقراءة أولية لمضامين هذه المبادرة يبدو أنها ستواجه تحديات عدة، تتطلب الانخراط في نقاشات وتفاهمات ولقاءات ومفاوضات، وخصوصًا ما يتعلق بنشر قوات عربية تركية أو ما يخص سلاح حزب الله، وهو ما يضع الكرة في ملعب الدبلوماسية المصرية، المطالبة بالتنسيق مع الجانب الأمريكي من أجل المصادقة على هذه المبادرة ودخولها حيز التنفيذ من أجل احتواء التوتر الداخلي اللبناني اللبناني الذي قد يقود إلى حرب أهلية، والتوتر الخارجي اللبناني الإسرائيلي الذي قد يقود إلى حرب مفتوحة بين الطرفين لن يتوقف نطاقها الجغرافي ومسرحها العملياتي عند الحدود بين لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة.
خلاصة الخلاصة: على اللبنانيين في هذه المرحلة أن يترفعوا عن الصغائر ويتناسوا الخلافات والتباينات، ويرحّلوا كل الملفات الشائكة، ويعملوا على استحضار كل عناوين الوحدة الوطنية؛ من أجل الانتصار للجمهورية اللبنانية وسيادتها واستقلالها.
والعاقبة للمتقين.
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
الرئيس اللبناني: لا عودة إلى الوراء والفتنة خدمة لإسرائيل
بيروت- أكد الرئيس اللبناني جوزاف عون، أن القوة الحقيقية لا تكمن في خوض الحروب، بل في امتلاك الشجاعة والحكمة لإنهائها عبر التفاوض بما يخدم مصلحة لبنان وشعبه"، مشددًا على أن بلاده "لا تملك ترف العودة إلى الوراء في ظل التحديات الراهنة، وفق تعبيره.
وقال عون، في تصريحات له، إن الجيش والأجهزة الأمنية يشكّلون العمود الفقري للحفاظ على الاستقرار ومنع الفتنة الداخلية، رغم تعرضهم أحيانًا للانتقادات"، مؤكدًا أهمية دعم المؤسسات الأمنية في هذه المرحلة الحساسة، وفق وكالة سبوتنيك الروسية.
وأشار إلى "حجم الخسائر التي تكبّدها لبنان نتيجة الحرب"، موضحًا أن "أكثر من ثلاثة آلاف شخص قُتلوا، فيما تجاوز عدد النازحين مليون شخص، إضافة إلى الدمار الواسع الذي طال آلاف المنازل والبنى السكنية".
وأضاف الرئيس اللبناني أن استمرار هذا الواقع دون أفق واضح لنهايته فرض عليه، بصفته رئيسًا للجمهورية، اتخاذ المواقف التي يمليها عليه ضميره وواجبه الوطني تجاه لبنان واللبنانيين.
وشدد عون على أن "الحفاظ على السلم الأهلي والاستقرار الداخلي يمثل أولوية قصوى"، محذرًا من أن "إثارة الفتن والانقسامات الداخلية لا تخدم سوى إسرائيل"، على حد قوله.
وأكد أن "الدولة مسؤولة عن حماية مواطنيها ورعاية مصالحهم، وأنه لا يمكنها الوقوف مكتوفة الأيدي أمام ما يواجهه اللبنانيون من تحديات"، مجددًا التأكيد على أن "التفاوض يبقى الخيار الوحيد لإنهاء الأزمة وفتح الطريق أمام الاستقرار".
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أعلن التوصل إلى تفاهم يقضي بوقف كامل لإطلاق النار بين إسرائيل و"حزب الله" اللبناني، مؤكدًا أن الجانبين تعهدا بعدم تنفيذ أي هجمات متبادلة خلال الفترة المقبلة.
وقال ترامب، عبر حسابه على منصة "تروث سوشيال"، إنه أجرى اتصالا مثمرا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مشيرًا إلى أن الأخير أكد له "عدم إرسال أي قوات إسرائيلية إلى بيروت، وأن الوحدات التي كانت في طريقها إلى العاصمة اللبنانية أُعيدت بالفعل".
وأضاف أنه "أجرى أيضاً اتصالات جيدة للغاية مع "حزب الله" عبر ممثلين رفيعي المستوى"، موضحًا أن هذه الاتصالات أسفرت عن اتفاق على وقف إطلاق النار بشكل كامل.
وأكد ترامب أن "التفاهم يتضمن التزامًا متبادلًا، حيث لن تهاجم إسرائيل "حزب الله"، كما لن يهاجم "حزب الله" إسرائيل"، في خطوة تهدف إلى احتواء التصعيد ومنع اتساع رقعة المواجهة على الجبهة اللبنانية.
ودخل اتفاق لوقف إطلاق النار بين "حزب الله" وإسرائيل، حيز التنفيذ في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، بعد أكثر من عام على فتح "حزب الله" ما أسماها "جبهة إسناد قطاع غزة"، في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وكان من المفترض أن يستكمل الجيش الإسرائيلي انسحابه من المناطق التي احتلها في جنوب لبنان، بحلول فجر 26 يناير/ كانون الثاني 2025، إلا أن إسرائيل لم تلتزم بالموعد، وأبقت على وجودها العسكري في 5 نقاط إستراتيجية بجنوب لبنان، معللة ذلك "لضمان حماية مستوطنات الشمال".