خرائط الطريق الأمريكية.. مسارات تقود إلى الأزمات لا إلى الحلول
تاريخ النشر: 30th, November 2025 GMT
على مدى العقود الماضية، اتخذت الولايات المتحدة من «خرائط الطريق» عنوانًا لسياساتها في مناطق الصراع، مقدّمة نفسها كوسيط يسعى إلى بناء الدول وتحقيق السلام وإنهاء النزاعات. غير أنّ تجربة الشعوب مع هذه الخرائط تشير إلى نتيجة مختلفة تمامًا؛ فكل خارطة طريق صاغتها واشنطن تحوّلت إلى بوابة لحرب طويلة أو أزمة ممتدة، وانتهت إلى خدمة المصالح الأمريكية أكثر من خدمة الشعوب التي وُعدت بالأمن والاستقرار.
بدأ هذا النمط بوضوح في أفغانستان عام 2001م، حين روّجت واشنطن لمشروع بناء دولة حديثة بعد إسقاط نظام طالبان. غير أنّ عشرين عامًا من الوجود العسكري لم يثمر مؤسسات قوية ولا تنمية حقيقية، بل ساهمت في صناعة نظام هشّ يتغذّى على الدعم الأجنبي ويغرق في الفساد، لينتهي الأمر بعودة طالبان إلى السلطة كما كانت قبل عقدين، تاركة خلفها دولة مدمّرة وشعبًا أنهكته الحرب.
وتكرر المشهد بطريقة مختلفة في فلسطين مع خريطة طريق حلّ الدولتين عام 2003م، التي قُدّمت كخطوة تاريخية لإنهاء الصراع. لكنّها في الواقع منحت الاحتلال الإسرائيلي الوقت والغطاء لتوسيع الاستيطان وفرض وقائع جديدة على الأرض، بينما حوصرت القيادة الفلسطينية بشروط أمنية وسياسية قاسية جعلت المسار التفاوضي عبثًا بلا نتائج. وكان المفترض أن تكون هذه الخريطة جسرًا للسلام، لكنها تحولت إلى أداة لتمديد السيطرة الإسرائيلية وتجميد الحل حتى اليوم.
أما العراق، فقد واجه واحدة من أكثر الخرائط دمارًا بعد اجتياح 2003م حين أعلنت واشنطن مشروعًا لإعادة الإعمار وبناء الديمقراطية. لكن ما حدث كان العكس تمامًا؛ تفكيك الجيش، وتفجير الصراع الطائفي، وانهيار مؤسسات الدولة، وتحوّل البلاد إلى ساحة صراع إقليمي ودولي. ورغم مليارات الدولارات التي أُنفقت باسم الإعمار، بقي العراق يعاني ضعفًا سياسيًا واقتصاديًا عميقًا، في واحدة من أكثر التجارب دلالة على أن خريطة الطريق الأمريكية كانت في حقيقتها وصفة للفوضى.
وفي سوريا، دخلت الولايات المتحدة عام 2012م بخارطة طريق للحل السياسي بدت في ظاهرها محاولة لتجنيب البلاد الانهيار، لكنها سرعان ما تحولت إلى إطار لإدارة الصراع لا إنهائه، مع تسليح أطراف، والتغاضي عن تدخلات دولية متعددة، وفتح الباب لتقسيم النفوذ بين القوى الكبرى. النتيجة كانت كارثة إنسانية وسياسية لا تزال تتفاقم حتى اليوم، فيما بقيت الخريطة الأمريكية ورقة ضغط، لا مسارًا للحل.
وفي اليمن، ظهرت خريطة طريق جديدة عام 2023م تحت شعار «السلام المستدام». لكنها جاءت مشوبة بحسابات إقليمية ودولية جعلتها أقرب إلى مشروع لتثبيت واقع معقّد بدل تفكيك جذوره. فقد تجاهلت الخريطة الأسباب الحقيقية للحرب، وتجنّبت معالجة قضايا السيادة والقرار الوطني، وتركت البلاد في وضع لا حرب ولا سلام، مع استمرار المعاناة الإنسانية وتفاقم الانقسام.
وعند مراجعة كل هذه التجارب، يبدو واضحًا أن خرائط الطريق الأمريكية لم تكن يومًا حلولًا خالصة بقدر ما كانت أدوات لإعادة ترتيب مناطق النفوذ. فهي تُصاغ في غرف السياسة وفق رؤية ترى في استمرار الصراعات وسيلة للضغط والتحكم، لا في إنهائها فرصة لبناء الاستقرار. ولذلك لم تؤدِّ أيٌّ من هذه الخرائط إلى سلام حقيقي أو بناء دولة قوية، بل إلى إطالة أمد الأزمات وتعميق اعتماد الدول على القوى الخارجية.
إنّ الشعوب التي عُلِّقت آمالها على هذه المسارات اكتشفت أن الطريق الذي ترسمه واشنطن يقود غالبًا إلى مزيد من التعقيد والاضطراب، لأن الغاية ليست وضع حدّ للمعاناة، بل إدارة الأزمات بطريقة تخدم الاستراتيجيات الأمريكية في المنطقة. وهكذا تصبح خريطة الطريق، بدل أن تكون جسرًا نحو المستقبل، دائرة مغلقة تعيد إنتاج المأساة.
ويبقى الدرس الأهم أن الدول لا تُبنى بـ«الخرائط المستوردة»، بل بالإرادة الوطنية الحرة والقرارات السيادية التي يشارك في صنعها أبناء البلد أنفسهم. فخارطة لا تُرسم داخل حدود الوطن لن تقود إلا إلى طريق يطيل من عمر الأزمات.
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
واشنطن بوست: الإدارة الأمريكية تبحث خيارات بديلة حال تعذر تشكيل قوة دولية في غزة
#سواليف
نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرًا موسعًا كشفت فيه عن #صعوبات متزايدة تواجهها #الإدارة_الأمريكية في جهودها لتعبئة #قوة_دولية تشارك في الإشراف على #الترتيبات_الأمنية في قطاع #غزة، ضمن ما تسميه #واشنطن “خطة اليوم التالي”. التقرير أوضح أن جولات دبلوماسية مكثفة أجرتها الإدارة خلال الأسابيع الماضية مع دول غربية وآسيوية وعربية، لم تُفضِ إلى موافقات كافية تكفل تشكيل القوة وفق التصور الأمريكي.
وبحسب الصحيفة، فقد قوبلت المقترحات الأمريكية بتردد واضح، بل ورفض مباشر من عدة دول، نتيجة مخاوف من الانخراط في مهمة معقدة تحمل احتمالات الاحتكاك المباشر مع المدنيين الغزيين، وما قد ينجم عنه من تبعات سياسية وقانونية. ورغم تأكيد واشنطن أن القوة ستكون “غير قتالية” وذات مهام محدودة في ضبط الأمن والإشراف على المرحلة الانتقالية، فإن هذه الضمانات لم تبدد هواجس العديد من الحكومات.
وأوضحت الصحيفة أن شركاء تقليديين للولايات المتحدة يخشون من انعكاسات المشاركة على صورتهم الدولية في حال وقوع أي حوادث ميدانية، خاصة في ظل حساسية متنامية تجاه الملف الفلسطيني داخل المؤسسات الدولية والمنظمات الحقوقية. ويرى دبلوماسيون – وفق التقرير – أن أي قوة دولية في غزة ستكون عرضة للتدقيق الشديد، ما يجعل الدول أقل استعدادًا لتحمل كلفة سياسية أو أمنية قد تتفاقم بمرور الوقت.
مقالات ذات صلةوتضيف “واشنطن بوست” أن الإدارة الأمريكية باتت تدرس خيارات بديلة بعد فتور الاستجابة الدولية، تشمل تقليص حجم القوة المقترحة، أو اعتماد صيغة هجينة تمزج بين عناصر مدنية وأمنية، أو حتى إحياء خطط إقليمية بديلة إذا تعذّر تشكيل قوة متعددة الجنسيات تلبي شروط واشنطن.
ورغم عدم صدور تعليق رسمي من البيت الأبيض على ما ورد في التقرير، فإن مصادر مطلعة في الإدارة أكدت للصحيفة أن العمل ما يزال مستمرًا، وأن الهدف الأساسي يتمثل في منع عودة حماس والفصائل المسلحة إلى إدارة القطاع، وتهيئة بيئة انتقالية تتيح بلورة ترتيبات حكم جديدة تتوافق مع رؤية واشنطن وحلفائها للمرحلة المقبلة.