ذكرى ٣٠ نوفمبر.. شُعلة تحرّر تتجدّد ودروس عزة تتواصل
تاريخ النشر: 30th, November 2025 GMT
تمر علينا هذه الأيّامَ الذكرى المجيدةُ لثورة ٣٠ نوفمبر، وهي ليست مُجَـرّد تاريخ عابر في ذاكرة الوطن، بل هي شُعلةٌ متجددة توقظ فينا معانيَ العزة، وتستحضر دروسَ النضال الذي خاضه أجدادُنا الأحرارُ ضد إحدى أعتى الإمبراطوريات في عصرهم.. إنها ذكرى جلاء آخر جندي بريطاني بعد ١٢٩ عامًا من الاحتلال، والتي كانت حصيلة كفاح مرير وتضحيات جسيمة قدَّمها أبناء اليمن؛ مِن أجلِ الحرية والكرامة.
في خطابات متعددة بهذه المناسبة، يؤكّـدُ سيدُ الجهاد والمقاومة، السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله)، أن ذكرى الاستقلال ودحر المحتلّ البريطاني تُمثِّلُ محطةً من محطات التاريخ المشرّف للشعب اليمني في وقوفه بشجاعة واستبسال ضد الاستعمار، مقدمًا في سبيل ذلك تضحياتٍ كبيرةً وعظيمة لينال حريته وكرامته وعزته.
ويشدّد السيد القائد على أن الثلاثين من نوفمبر هي أَيْـضًا محطة تذكير للشعب اليمني “بأهميّة التحَرّك وحتمية الموقف وحتمية الانتصار”، وفيها الكثير من الدروس المهمة، وفرصة لغرس الوعي لدى الأجيال عن جرائم المحتلّ البريطاني وأساليبه في الخداع والاستقطاب والتجنيد.
كما أنها دليل على أن “المحتلّ مهما كان قويًّا فَــإنَّه يُهزَم”، ومناسبة “تُثبِتُ أن الشعب اليمني قادر اليوم على صناعة انتصارات أكبر، وأن هذا الشعب العزيز، فيما هو عليه الآن من مسار تحرّري جهادي، يسلك المسلك الصحيح إلى العزة والتمكين والقوة والمنعة والنصر والوعي والبصيرة”.
إن هذه الذكرى لم تعد مناسبةً سنوية عابرة في ظل توغُّلُ الاحتلال الأعرابي الصهيوأمريكي الجديد في المحافظات الجنوبية، بل هي مناسبة تحملُ الكثير من الدلالات والعبر على وهن أي محتلّ أمام إرادَة الشعوب الحرة.
لقد كانت ثورة ١٤ أُكتوبر وعيد الجلاء نتيجةَ نضالات وتضحيات شجاعة من أبناء شعبنا اليمني كافة؛ حَيثُ كانت الشرارة الأولى التي انطلقت من جبال ردفان مرعبة للمحتلّ، ولم تستطع سياسةُ “الأرض المحروقة” التي انتهجها البريطانيون إخمادَها، حتى أجبروا المحتلَّ على الرحيل مذلولًا مدحورًا، وواجهوا أكبرَ قوة في العالم بالإرادَة وقوة الحق.
إن المحافظات الجنوبية اليوم على موعد جديد مع الاستقلال، والجلاء سيتجدد على أيدي أحرار اليمن شمالًا وجنوبًا، أحفاد راجح بن غالب لبوزة ورفاقه من أبطال ثورة ١٤ أُكتوبر ١٩٦٣م.
تزدادُ هذه المناسبةُ الوطنية أهميّةً في ظل تكالب قوى الهيمنة والاستعمار الإقليمية والدولية على شعبنا، وقد أصبحت مناسبة سنوية يستلهم منها الأحرار والثوار العظات والعبر.
إننا في لحج -ونحن نحتفي بهذه الذكرى الخالدة- نوجه رسالة إلى أبناء المحافظات الجنوبية المتواجدين في صفوف الاحتلال، بأن يقرأوا التاريخ السياسي الحديث لأحرار وثوار المحافظات الجنوبية، الذين بإرادتهم وعزيمتهم الوطنية الصُّلبة طردوا الإمبراطوريةَ التي لم تكن تغيب عنها الشمس.
وبنفس العزيمة والإرادَة والإباء، سنطهّر محافظاتنا اليوم من هيمنة المستعمر الجديد وأدواته.
لقد أثبتت السنواتُ الماضية أن اليمنَ اليوم أقوى من الماضي، وأن قدراتِه العسكريةَ التي صمدت وقاومت وأفشلت كافةَ المخطّطات الاستعمارية، قادرةٌ على إفشال كُـلّ المؤامرات التي تُحاك في المحافظات الجنوبية.
ومهما حاول المحتلُّ البريطاني القديم أَو غيره العودةَ تحت ذرائعَ جديدة؛ فَــإنَّ هزيمتَه اليوم ستكون أقسى، فاليمن كانت وستظل مقبرة للغزاة.
إن ذكرى ٣٠ نوفمبر تبقى نبراسًا يضيءُ دربَ الأحرار، وترسِّخُ في نفوس الأجيال أن طريق التحرّر لا يتوقّف عند لحظة تاريخية، بل هو مسارٌ متواصلٌ حتى تتحقّقَ السيادة الكاملة، وتغادر آخر قوات محتلّة أرض الوطن.
* محافظ محافظة لحج
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
ولاية الإمام علي عليه السلام في الوعي اليمني.. المفهوم والموقف
تمثل ذكرى ولاية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في الوعي اليمني المعاصر أكثر من مجرد مناسبة دينية أو حدث تاريخي يستعاد سنوياً، فهي محطة فكرية وثقافية وسياسية ترتبط بمفهوم القيادة في الإسلام، وبالرؤية التي تتبناها شريحة واسعة من المجتمع اليمني تجاه العلاقة بين الدين والسلطة والهوية والموقف، وفي كل عام، تتجدد في اليمن معاني الارتباط بواقعة غدير خم، ذلك الحدث المفصلي الذي أعلن فيه الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمام حشود المسلمين: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه»، في مشهد اعتبره المؤمنون بالولاية إعلاناً لاستمرار مسار الهداية الإلهية بعد اكتمال الرسالة، وربطاً عضوياً بين النبوة والقيادة، ومن هذا المنطلق، ينظر اليمنيون إلى الغدير باعتباره نقطة تأسيس لمشروع متكامل لا يقتصر على البعد العقدي، بل يمتد إلى بناء الوعي وصناعة الموقف وتحديد مسار الأمة في مواجهة التحديات والانحرافات.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الولاية في قراءة الشهيد القائد
أعاد الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي طرح مفهوم الولاية باعتباره أحد المفاهيم المركزية في فهم الواقع الإسلامي المعاصر، مؤكداً أن الإشكالات الكبرى التي واجهت الأمة عبر تاريخها تعود في جانب أساسي منها إلى الابتعاد عن النهج الذي مثله الإمام علي عليه السلام، وفي محاضراته ودروسه، قدم الشهيد القائد الغدير بوصفه إعلاناً إلهياً لقيادة تمتلك مقومات العلم والعدل والبصيرة والشجاعة، معتبراً أن تجاوز هذا المسار فتح الباب أمام التحولات السياسية والفكرية التي أضعفت الأمة وأفقدتها قدرتها على مواجهة مشاريع الهيمنة، ومن هنا جاءت المسيرة القرآنية لتضع الولاية في صدارة مشروعها الفكري والثقافي، لا كعنوان مذهبي ضيق، وإنما كمنهج متكامل لإدارة الحياة وصناعة المواقف وبناء الشخصية المؤمنة القادرة على التمييز بين الحق والباطل.
الولاية كمحدد للموقف السياسي
في الفكر اليمني المرتبط بالمسيرة القرآنية، لا تنحصر الولاية في بعدها التاريخي أو الروحي، بل تتحول إلى معيار عملي لتحديد المواقف السياسية والاستراتيجية، فبحسب هذا الفهم، فإن تولي الإمام علي عليه السلام يعني تبني قيم الاستقلال والعدل والكرامة والوقوف في وجه الطغيان، وهي القيم التي يجري إسقاطها على الواقع المعاصر في مواجهة مشاريع الهيمنة الخارجية، وقد أكد قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي في العديد من خطاباته أن الولاية ليست مجرد ولاء عاطفي، بل التزام عملي بقيم الحق والعدل والحرية، وأن الأمة التي تتولى أعلام الهدى تمتلك القدرة على بناء مشروعها المستقل بعيداً عن التبعية والإملاءات الخارجية.
من المفهوم إلى التجربة
شهدت اليمن خلال العقدين الماضيين تحولاً لافتاً في طريقة تجسيد مفهوم الولاية، حيث انتقل من إطار ثقافي وفكري إلى ممارسة عملية انعكست على مختلف المستويات السياسية والعسكرية والاجتماعية، ومع تصاعد التحديات التي واجهتها البلاد، برزت الولاية كمرجعية في اتخاذ القرار، وكإطار يحدد طبيعة العلاقة مع القضايا الإقليمية والدولية، الأمر الذي انعكس على طبيعة الخطاب السياسي ومواقف القيادة تجاه قضايا السيادة والاستقلال، وخلال سنوات العدوان والحصار، قدمت صنعاء نموذجاً تعتبره امتداداً لهذا الفهم، حيث ارتبط الصمود العسكري والإداري والاقتصادي بمنظومة قيمية تستمد مرتكزاتها من الثقافة القرآنية ومفهوم الولاية بوصفه مصدراً للثبات وتحمل المسؤولية.
إعادة تعريف الأصدقاء والأعداء
أحد أبرز التحولات التي ارتبطت بمفهوم الولاية في الوعي اليمني يتمثل في إعادة صياغة معايير التحالف والخصومة، ففي الوقت الذي شهدت فيه المنطقة موجات من التطبيع وإعادة التموضع السياسي، حافظ الخطاب اليمني المرتبط بالمسيرة القرآنية على تعريف واضح للأعداء والحلفاء، واضعاً العدو الصهيوأمريكي في موقع الخصم الرئيسي باعتبارهما مصدرين لمشاريع الهيمنة والعدوان على شعوب المنطقة،
وفي المقابل، جرى بناء التحالفات وفق معيار الموقف من قضايا الأمة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، بعيداً عن الحسابات التقليدية القائمة على المصالح الآنية أو الضغوط الخارجية.
فلسطين .. الامتحان العملي للولاية
يبرز الموقف اليمني من القضية الفلسطينية باعتباره أحد أكثر تجليات الولاية حضوراً في الواقع المعاصر، ففي الوقت الذي اتجهت فيه بعض الأنظمة نحو التطبيع أو الحياد، اتخذت صنعاء موقفاً داعماً لفلسطين على المستويات السياسية والإعلامية والعسكرية، معتبرة أن نصرة الشعب الفلسطيني تمثل التزاماً دينياً وأخلاقياً ينسجم مع نهج الإمام علي وأعلام الهدى، وأصبحت فلسطين في الخطاب اليمني معياراً حقيقياً لصدق الانتماء لقيم الولاية، باعتبارها قضية تختبر المواقف وتكشف حدود الالتزام العملي بمبادئ العدالة ونصرة المظلومين.
الولاية وبناء الدولة
لم يقتصر أثر الولاية على الجوانب الفكرية والسياسية، بل امتد إلى مشاريع بناء المؤسسات وتعزيز القدرات الوطنية، ففي ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب والحصار، اتجهت الدولة في صنعاء نحو تشجيع الإنتاج المحلي، وتوسيع المشاريع الزراعية والصناعية، وتعزيز مفاهيم الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الخارج، ويُنظر إلى هذه السياسات باعتبارها امتداداً لمبدأ الاستقلال الذي تمثله الولاية، حيث يصبح القرار الاقتصادي جزءاً من معركة السيادة الوطنية، وليس مجرد ملف تنموي منفصل عن بقية القضايا، كما انعكس هذا التوجه في مجالات التصنيع العسكري وتطوير القدرات الدفاعية، بما يعزز قدرة البلاد على حماية قرارها الوطني وصيانة استقلالها السياسي.
الغدير وتجديد الهوية الجماعية
تمثل الفعاليات الجماهيرية الواسعة التي تشهدها اليمن في ذكرى الولاية جانباً مهماً من عملية تجديد الهوية الجماعية، فإحياء المناسبة لا يقتصر على الاحتفال الرمزي، بل يتحول إلى مساحة لتجديد الوعي وإعادة التأكيد على المبادئ التي يقوم عليها المشروع الثقافي والسياسي للمجتمع، ومن خلال الحشود والفعاليات والأنشطة الثقافية والإعلامية، يجري ترسيخ الغدير باعتباره محطة سنوية لإعادة قراءة الواقع وتأكيد الثبات على الخيارات الكبرى التي تبنتها اليمن خلال السنوات الماضية.
الولاية.. مشروع سيادة ومستقبل
تؤكد التجربة اليمنية المعاصرة أن مفهوم الولاية تجاوز حدود التنظير الفكري ليصبح جزءاً من البنية الثقافية والسياسية للمجتمع، فالولاية في الوعي اليمني ليست مجرد رواية تاريخية أو مناسبة موسمية، وإنما منظومة قيم متكاملة تجمع بين الإيمان والمسؤولية، وبين الهوية والسيادة، وبين العقيدة والموقف، ومن هذا المنطلق، ينظر كثير من اليمنيين إلى الغدير باعتباره بوابة لفهم مشروع النهضة والتحرر، وإلى الإمام علي عليه السلام باعتباره النموذج الأعلى للقيادة العادلة التي تجمع بين الحكمة والشجاعة والعدالة، وفي ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، تستمر الولاية في الوعي اليمني كمرجعية فكرية وسياسية وثقافية، تعيد تشكيل المواقف، وتمنح المجتمع القدرة على الصمود، وتؤسس لرؤية ترى في الاستقلال والسيادة والكرامة امتداداً طبيعياً للرسالة التي أعلنها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في يوم الغدير الخالد.