ترامب والإخوان.. بين هندسة الإرهاب وصناعة عدوّ بديل لإسرائيل
تاريخ النشر: 9th, December 2025 GMT
بينما تهتزّ خرائط النفوذ في المنطقة، ويتحوّل الإسلام السياسي من ملف محلي إلى ورقة صراع دولي، يعود اسم "الإخوان المسلمين" إلى واجهة الجدل العالمي، لا بوصفه حركة اجتماعية وسياسية ممتدّة، بل كعنوان لمعركة جديدة تخاض في واشنطن وعلى تخوم الشرق الأوسط. وفي لحظة تتقاطع فيها الشعبوية الأمريكية مع صعود اليمين المتطرف والضغط الإسرائيلي المنهجي لإعادة تشكيل الوعي الغربي تجاه قضايا المنطقة، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه يعيد تدوير ملف قديم: محاولة وسم بعض فروع الإخوان بالإرهاب، في خطوة تتجاوز القانون والمعايير الأميركية ذاتها، لتتحول إلى أداة سياسية تعيد تعريف "الخصم" في الإقليم.
في هذا المقال الخاص لـ "عربي21"، يقدّم جلال الورغي الكاتب والباحث التونسي، ورئيس المركز المغاربي للبحوث والتنمية، قراءة معمّقة تفكّك خلفيات هذا التوجّه، وتشرح دوافعه الإقليمية والدولية، وتبحث في دلالاته بالنسبة لعلاقة واشنطن بالإسلام السياسي، ولصراع الروايات بين مقاومة تُجرَّم، وإرهاب يُعاد تعريفه بما يخدم توازنات القوة لا أمن الشعوب.
جدل في سياق جديد
لا يكاد موضوع الإسلام السياسي يهدأ، حتى يعود لواجهة الجدل السياسي بأكثر سخونة وإثارة. ويأخذ هذا الجدل في كل مرة مستوى مختلفا، وسياقا جديدا، ونطاقا أوسع. وتبدو أهمية وخطورة هذا الجدل في أنه يتجاوز الإطار الوطني، أي ضمن بلد محدد، كما يتجاوز الإطار الإقليمي المتعلق بمنطقتنا، ليتحول إلى قضية تثار في أبرز العواصم العالمية، متخذا بعدا دوليا يستقطب اهتمام كل الفاعلين الدوليين.
وتجدد هذا الجدل بشأن الإسلام السياسي هذه المرة، تحت عنوان توجه أمريكي لوضع "جماعة الاخوان المسلمين" في مصر ولبنان والأردن على قائمة المنظمات الإرهابية. وجاء هذا التوجه من الإدارة الأمريكية، والرئيس دونالد ترامب تحديدا ضمن سياقات سيساعد التوقف عندها على فهم وتفسير الدوافع التي أعادت الجدل بشأن الاخوان المسلمين، والتلويح بتصنيفهم كجماعة إرهابية.
أولا ـ إيعاز ترامب لوزير خارجيته ببحث إمكانية تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في ثلاث بلدان عربية وهي مصر ولبنان والأردن، كمنظمة إرهابية، جاء ليستعيد قضية قديمة جديدة، أثيرت مرات ومرات في الإدارات الأمريكية المتعاقبة بدمقراطييها وجمهورييها، وانتهى المسار دوما إلى وضع الملف في الدرج بسبب صعوبات قانونية وسياسية وحتى أمنية، تحول دون المضي في وسم الجماعة بالإرهاب.
أشارت تقارير غربية أن إسرائيل ضخّت مئات الملايين في كبرى العواصم الغربية في إطار حملة علاقات عامة. وأقدمت إسرائيل على هذه الخطوة بعد أن أدركت أن صورتها تضررت بشكل كبير، وإن المزاج العام للرأي العام الغربي وللنخب تغيّر بشكل سلبي ضدها. وقد أظهرت استطلاعات رأي دولية بشكل لا لبس فيه هذا الانقلاب ضد إسرائيل.وحاول ترامب نفسه خلال ولايته الأولى وتحديدا في 2019 المضي في تصنيف الجماعة عبر تمرير قرار في الكونغرس، لكن تم التراجع بسبب عوائق قانونية وعدم استجابة مشروع القرار للمعايير القانونية المعتمدة من قبل المشرعين في الولايات المتحدة. ثانيا ـ من الواضح أن أطرافا عديدة ساهمت في التأثير على ترامب للتوجه لتصنيف بعض جماعات الاخوان كمنظمة إرهابية.
ورغم ما يقال عن مجاملة ترامب لبعض حلفائه في المنطقة من الدول العربية في ضرورة تصنيف الإخوان جماعة إرهابية، إلا أن الخطوة الأخيرة تبدو استجابة مباشرة لإسرائيل واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية. ففي الوقت الذي ما فتئ فيه نتنياهو وحكومته تحريض واشنطن والدول الغربية على اتخاذ إجراءات ضد الإخوان، واعتبارهم يقفون وراء حملة العداء للسامية، والتحريض على إسرائيل، وأنهم هم من يقفون وراء تحريك الرأي العام العالمي في العواصم الغربية ضد إسرائيل.
وقد اعتبر رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أن الرأي العام الغربي، والإعلام الغربي سقط في حبال الاخوان المسلمين وما يروجوه من دعاية ضد بلاده. ونزل اللوبي الصهيوني بثقله بعيد اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، من أجل استعادة صورة إسرائيل ما قبل العدوان على غزة.
وأشارت تقارير غربية أن إسرائيل ضخّت مئات الملايين في كبرى العواصم الغربية في إطار حملة علاقات عامة. وأقدمت إسرائيل على هذه الخطوة بعد أن أدركت أن صورتها تضررت بشكل كبير، وإن المزاج العام للرأي العام الغربي وللنخب تغيّر بشكل سلبي ضدها. وقد أظهرت استطلاعات رأي دولية بشكل لا لبس فيه هذا الانقلاب ضد إسرائيل.
ويعتقد مراقبون أن شخصيات من اليمين المتطرف الداعمين لإسرائيل لعبوا دورا بارزا في إقدام ترامب على هذه الخطوة، لا سيما اليمينية المتطرفة رولا لومار المعروفة بحملاتها ضد الإسلام والمسلمين، والتي تحظرها غالبية مواقع التواصل الاجتماعي بسبب تطرفها ونشرها للكراهية، بينما تعتبر مقربة من ترامب. بل هناك من اعتبر خطوة ترامب جاءت لاسترضاء هذه الأصوات اليمينية المتطرفة في الولايات المتحدة، بعد الغضب الذي عبروا عنه عقب لقاء ترامب للعمدة الجديد لنيويورك زهران ممداني وإطرائه له. فاليمين المتطرف الداعم لترامب يعتبر ممداني جاء برافعة النشطاء الإسلاميين وعلى رأسهم المنظمات الأمريكية المسلمة المحسوبة على الاخوان المسلمين.
لذلك يمكن القول إن من يقف وراء تجريم الإخوان وإدراجهم على لائحة الإرهاب هي إسرائيل، واللوبي الصهيوني المتغلغل بقوة اليوم في مفاصل الإدارة الأمريكية بكل مستوياتها.
ثالثا ـ يبدو موقف ترامب الأخير بشأن الإخوان انزياحا واضحا عن مقاربة أكثر تركيبا وتعقيدا تبنتها الولايات المتحدة الأمريكية لعقود، وتقوم على عدم التعاطي مع التيارات الاخوانية، دون أن يعني ذلك مواجهتها أو الاشتباك معها. وهو موقف نابع من قراءة لواقع المنطقة الذي يبدو فيه هذا التيار رقما صعبا لا يمكن القفز عليه، ولا يمكن تجاهله، ولكن أيضا لا يمكن السماح له بتصدر المشهد في المنطقة، باعتبار أنه تيار يتبنى أطروحة الاستقلال الاستراتيجي وبالتالي، قد يلحق ضررا بالمصالح الأمريكية، إن هو وصل إلى الحكم.
وتؤكد العديد من مراكز صناعة القرار الأمريكية، أن سياسة التواصل مع هذا التيار بشكل شبه رسمي، يبقي هذا التيار في الصورة، خاصة وأن التجربة أثبتت أنه مؤهل لأن يكون في الحكم بشكل أو بآخر، وبالتالي لا يمكن القطيعة الكاملة معه.
واللافت أن هذه السياسة التزم بها ترامب وتبناها في العلاقة بالحكم الجديد في سوريا، رغم أنه كان محسوبا على تيار يصنّف إرهابيا، بينما خالف هذه السياسة في العلاقة بالإخوان، رغم إدانتهم المستمرة للعنف، ورفضهم استعمال القوة في الوصول إلى الحكم أو البقاء فيه. وقد يكون اكتفاء ترامب في قراره بالجماعة في ثلاث بلدان فقط، يعكس استمرار اندراجه في أفق السياسة الأمريكية التقليدية تجاه الاخوان.
رابعا ـ في وقت تسود فيه قاعدة معلومة ومحسومة لدى الجميع بأن مواجهة الأفكار والتوجهات ذات الأبعاد الثقافية والسياسية والاجتماعية، لا يمكن أن يكون بالقوة والعنف. وهذه القناعة تتردد دوما في أروقة مؤسسات صناعة القرار في الإدارات الأمريكية المتعاقبة. لذلك تبدو فكرة تجريم الإخوان توجها انفعاليا، يقفز على القناعة السائدة بأن الأفكار لا تواجه بالعنف والتجريم، وإنما بالأفكار والسياسات القادرة على احتواء تلك الأفكار وتفكيكها.
فجماعة مثل جماعة الاخوان، ليست كما يريد من يحرضون عليها، باعتبارها ظاهرة عنفية طارئة، وإنما هي تيار فكري وسياسي واجتماعي، له جذور تاريخية عميقة، وانتشار لا يبزه فيه أي تيار فكري أو سياسي في المنطقة العربية. وقد صمد هذا التيار بل وازداد اتساعه وانتشاره في كل مرة يتعرّض فيها لحملة من العنف والقمع من قبل الأنظمة السياسية هنا أو هناك.
إن إدارة ترامب بشعبويتها، واحتفائها بالأنظمة التسلطية في المنطقة، والتراجع الكامل عن فكرة دعم الديمقراطية أو حماية الحريات وحقوق الإنسان في دول المنطقة، جعل التوجه لتجريم الإخوان، سبيلا للاستجابة للرغبة الإسرائيلية واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة والغرب، وتعزيزا لعلاقة المصالح ذات البعد التجاري المحض، لإدارة ترامب مع أنظمة المنطقة. أوقد أظهر هذا التيار قوة شعبية لافتة بعد ثورات الربيع العربي، ونجح في حسم لصالحه كل الاستحقاقات الانتخابية التي دخلها في المنطقة. ولقد سادت قناعة لدى خبراء الإسلام السياسيين من باحثين غربيين وغير غربيين، أن السبيل الأسلم في التعاطي مع هذا التيار هو التعامل معه، تواصلا واحتواء و"تأهيلا" وإشراكا. وكتبت في هذا الشأن ورقات وكتب وتقارير عديدة. لذلك تبدو فكرة التجريم والوسم بالإرهاب، غير ذات جدوى، ولا هي مفيدة لتحقيق الاستقرار أو تحييد المخاطر، بل قد يكون هذا التوجه طريقا لنتائج عكسية. إذ أن التقاط أنظمة تسلطية لفكرة التجريم الأمريكي لهذا التيار، سوفر لها غطاء لتصفية خصومها السياسيين ومعارضيها، وممارسة القمع والتضييق على الحريات وانتهاك حقوق الإنسان بحجة محاربة "الإرهاب".
خامسا ـ اللافت أن هذا التيار الإخواني والذي يحتفل بعد عامين بمرور 100 عام على تأسيسه، ينبذ العنف والإرهاب، ويعتبر نفسه تيارا إصلاحيا. بل هناك من يرى أن تيار الإخوان الأصيل، لا يعمل بالسياسة وإن كانت تعنيه، وإنما ينصب اهتمامه الأساسي على التربية والإصلاح. وهذا التوجه تعكسه بشكل واضح رؤية المؤسس حسن البنا، الذي ركز في نشاطه على الدعوة والإصلاح، وكان يكاد يذم العمل الحزبي والتحزّب.
ولا يبدو توجه ترامب اليوم لتصنيف الجماعة ضمن قائمة الإرهاب، مستندا إلى معايير موضوعية، أو يعتمد على حقائق موثقة تثبت تورط الجماعة في الدعوة للإرهاب أو ممارسته. فالحركة دأبت على مدى تاريخها على المبادرة لإدانة كل أشكال العنف، ورفض الأعمال الإرهابية التي تورّطت فيها جماعات أخرى على غرار تنظيم القاعدة أو تنظيم داعش، أو الأعمال العنيفة التي استهدف خلال السنوات الماضية العواصم الغربية، والتي لم تتردد الجماعة في إدانتها وتعبيرها عن التضامن مع كل ضحايا العنف والإرهاب الذي يمارس باسم الدين.
كما تظهر تجارب تيار الإسلام السياسي العام، أنه رغم ما تعرض له من عنف ومن إقصاء ومن إبعاد من المشهد العام إلا أن ردة فعله بشكل عام كانت دوما سياسية، وتجنّب الاستدراج للعنف. بل تشكّلت قناعة عامة لدى هذا التيار، أن جل الأنظمة التسلطية في المنطقة تحاول وتعمل على استدراجه لمربع العنف، لتبرير إقصائه سياسيا وملاحقته أمنيا، لذلك ظل دوما يتمسك بالسلمية ونهج اللاعنف، لدرجة أنه بدأ ينظّر إلى ذلك في أدبياته الكثيرة.
ولن نبالغ إذا قلنا إن ظهور تيارات عنيفة خلال العقود الماضية في المنطقة، بفسّر في جزء منه باحتجاج تلك التيارات على تيار الاخوان الرافض للعنف. إذ اعتبرته تلك التيارات العنيفة، تيارا مهادنا للأنظمة ومدمنا للسلمية في وجه أنظمة استبدادية وقمعية، ترفض الاعتراف به. ولن نبالغ إذا قلنا أن الإسلام السياسي عموما والإخوان خصوصا هما ضحية متشددة، تراه خانعا ومستسلما لا يرد ظلما ولا يصد عدوانا.. ظلمان ينعطفان على موقف أمريكي وغربي يتراوح بين رفض التعامل معه والاصطفاف ضده، حتى إذا تم ذلك ضمن التضحية بالديمقراطية وبالحريات وحقوق الإنسان.
سادسا ـ لا شك أن تيار الإسلام السياسي عموما والإخوان خصوصا، وهم على عتبة 100 عام على انطلاقتهم، داخل مسارهم ومسيرتهم ككل القوى السياسية والاجتماعية التي عرفتها المنطقة، العديد من الأخطاء والخيبات، لا تعود كلها إلى غيرهم بل إلى أخطائهم الذاتية، وسوء تدبيرهم وتخطيطهم وتسييرهم. وتجربة الربيع العربي، منحتهم فرصة، لم يحسنوا التصرف فيها، ولا المحافظة عليها، كمسار للتغيير والانتقال ببلداننا والمنطقة من طور الاستبداد والدكتاتورية، إلى طور يؤسس للاندراج النهائي في مسار ديمقراطي، والحكم الرشيد.
ولعل هذا التيار وهو على أعتاب المائة من السنين مسيرا، محمول على التوقف العميق، نظرا وتقييما ومراجعة وتدقيقا، والتجدد مشروعا، بما يقتضي التحرر والتخفف من رؤية تقادمت، وإرث تنظيمي انبثق عنها، لم يعد مواكبا للمتغيرات والتحولات التي ساهمت فيها، لكنها لا تبدو قادرة على مواكبتها والانسجام معها. ولذلك لا يجب أن يركن هذا التيار لفكرة المظلومية، فيفوّت على نفسه فرصة تثوير جهازه المفاهيمي، ورؤيته الإصلاحية، كضرورة وجودية لا غنى عنها للاستئناف.
خلاصة: تجدد الجدل بشأن تجريم بعض المنظمات الإخوانية أو إدراجهم ضمن قائمة الإرهاب، لا يمكن مطلقا إخراجه من سياقاته الإقليمي والدولي. فقد نزلت إسرائيل بثقلها، تحريضا ضد الإخوان الذين ترى فيهم التيار الذي يقود اليوم المعركة ضدها تحت عناوين مختلفة وعلى جبهات ومستويات متعددة، وهو تحريض تقاطع مع توجهات بعض السياسات العربية وموقفها المناهض للإخوان.
أما على المستوى الدولي فإن إدارة ترامب بشعبويتها، واحتفائها بالأنظمة التسلطية في المنطقة، والتراجع الكامل عن فكرة دعم الديمقراطية أو حماية الحريات وحقوق الإنسان في دول المنطقة، جعل التوجه لتجريم الإخوان، سبيلا للاستجابة للرغبة الإسرائيلية واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة والغرب، وتعزيزا لعلاقة المصالح ذات البعد التجاري المحض، لإدارة ترامب مع أنظمة المنطقة. أنظمة ترى في تيار الإسلام السياسي خطرا على حكمها، وعنوانا لعدم الاستقرار.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات سياسة دولية سياسة عربية ترامب الاخوان الإرهابية الرأي امريكا إرهاب اخوان رأي ترامب المزيد في سياسة سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فی الولایات المتحدة الاخوان المسلمین واللوبی الصهیونی العواصم الغربیة الإسلام السیاسی فی المنطقة هذا التیار لا یمکن
إقرأ أيضاً:
بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
بنك الذهب أم بنك الحرب؟
قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
عمر سيد أحمد
مقدمةتداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.
هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.
أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني
المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.
القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.
2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر
البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.
هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.
بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.
3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين
المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.
4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل
السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.
في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.
5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة
حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:
من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.
ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًاأي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.
الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.
ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعيةالمقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.
1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني
لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:
إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.
2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي
يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة
| الجهة | الدور | الضمانة |
| مجلس إدارة مستقل | إدارة العمليات اليومية | تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر |
| البرلمان (لجنة مالية دائمة) | رقابة تشريعية ومساءلة سنوية | جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة |
| ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد | تدقيق مالي وتقني | تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا |
| هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) | تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع | تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة) |
| ممثلو المعدنين وحكومات الولايات | مقاعد تصويتية في الشركات الولائية | حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية |
نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.
4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان
لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:
تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية
تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًاقد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.
الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.
خاتمةمشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.
هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.
* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل
Email:[email protected]
يوليو 2026
الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح