يجلس مارك زوكربيرغ، على رأس طاولة الاجتماعات كعادته، مع فريق الإدارة في "ميتا"، وعلى رأسهم آدم موسيري، رئيس منصة إنستغرام، مفكرين بعمق كيف يمكن أن ننقذ شركتنا بعد أن أطلقنا على أنفسنا هذا الاسم الغريب؟ "ميتا"، ما هذا الاسم؟ وفي أي مجال نعمل أصلا؟

 

نعم، صحيح، في مجال وسائل التواصل الاجتماعي.

 

يقول أحدهم: "هل رأيتم ما يفعله إيلون ماسك في تويتر، يا له من مهرج!".

 

هنا، تلمع الفكرة في رأس مارك ويقول: "حسنا، يبدو أننا سنعود إلى مجال أعمالنا الأصلي، هذه فرصتنا. إن كان إيلون ماسك يرغب في مواجهتي في الحلبة، فعليه أن يواجهني في ملعبي. سنطلق تطبيقا منافسا لتويتر، ويشبه تويتر، حتى إننا سنعطيه اسم "ثريدز" (Threads)".

لماذا أنشأ مارك زوكربيرغ منصة "ثريدز" الجديدة؟ ???? pic.twitter.com/NjB6iOMZeA

— Aljazeera.net • الجزيرة نت (@AJArabicnet) July 6, 2023

طبعا لم يحدث هذا السيناريو بهذا الشكل، على الأقل حسب علمنا، لكنه يلخص فكرة إطلاق تطبيق "ثريدز" الجديد التابع لمنصة إنستغرام، التابعة بدورها لشركة "ميتا"، أو كما نعرفها سابقا بشركة فيسبوك. هنا رأى زوكربيرغ فرصة في سوق التواصل الاجتماعي، فرصة لنسخة جديدة من تويتر، لكنها مستقرة تقنيا، وتملك تأثير شبكة ضخمة، ولا تخضع لأهواء وتصرفات إيلون ماسك العجيبة.

ببساطة، نسخة تويتر لكن تديرها شركة ميتا!

 

مصائب تويتر عند قوم فوائد

أعلنت شركة ميتا عن إطلاق تطبيقها الجديد "ثريدز"، وهو من المفترض أن ينافس تويتر، حتى إنه يشبه العصفور الأزرق في كل شيء تقريبا من الداخل، طريقة كتابة التغريدات القصيرة نفسها، لكن بعدد حروف أكبر يصل إلى 500 حرف، وطريقة الرد على تلك التغريدات والتفاعل معها نفسها. (1)

 

يجري تطوير التطبيق منذ شهر يناير/كانون الثاني الماضي، استغلالا للمشكلات الأخيرة التي تتعرض لها منصة تويتر بعد انتقالها لملكية إيلون ماسك، وهو ما أكده آدم موسيري، رئيس إنستغرام، مشيرا إلى أن "التقلبات" و"عدم إمكانية التنبؤ" بما يحدث في تويتر تحت قيادة ماسك قد أتاحت الفرصة للمنافسة في هذا السوق. (2)

إن تمكن تطبيق "ثريدز" من توفير مكان آمن لوضع الإعلانات في موضع انتباه المستخدمين، فقد تتردد بعض الشركات أكثر في العمل مع تويتر مستقبلا. (رويترز)

جاء الإعلان عن تطبيق "ثريدز" الآن بعد المشكلة الأخيرة التي تسبب بها ماسك وهي الحد من التغريدات التي يمكن للمستخدمين رؤيتها في اليوم، وهي خطوة لم يسبق أن قامت بها أي منصة تواصل اجتماعي، لأن هذا ببساطة على النقيض من الفكرة التي قامت عليها تلك المنصات في الأساس، كأن تطالب زوار مطعم يعمل على مدار 24 ساعة في اليوم أن يتوقفوا عن الأكل في تمام الساعة 9 مساء.

 

من المرجح أن هذا القرار سيكون مؤقتا، لكنه أثار حفيظة المستخدمين والمعلنين، فالمعلنون على منصات التواصل الاجتماعي يعتمدون على مدى الانتشار والتفاعل والمشاركة في تلك المنصات، وما أشارت إليه التقارير الداخلية في تويتر أن مبيعات الإعلانات في أميركا تراجعت بنسبة 59% مقارنة بهذا الوقت نفسه من العام الماضي، رغم إصرار ماسك على أن كل شيء يجري على طبيعته وأن المعلنين قد عادوا إلى المنصة. (3) المشكلة أن محاولات البحث عن تفسير منطقي لأيٍّ من هذه القرارات أصبحت مستحيلة على الصحافة الآن، لأن ماسك تخلص من كل موظفي التواصل في تويتر.

 

عموما، أرباح الإعلانات ليست لعبة صفرية، أي شركة بميزانية تسويق ضخمة ترغب في نشر إعلاناتها أينما كان هناك انتباه من المستخدمين، لهذا لا تتنافس شركات تويتر وميتا بالضرورة على الأموال نفسها من الإعلانات. لكن من ناحية أخرى، تتبع الإعلانات الصيحات (الترندات) نفسها مثل بقية السوق، وغالبا ما تنجذب إلى أي فرصة جديدة تبدو لامعة وباهرة. لذا، إن تمكن تطبيق "ثريدز" من توفير مكان آمن لوضع الإعلانات في موضع انتباه المستخدمين، فقد تتردد بعض الشركات أكثر في العمل مع تويتر مستقبلا.

 

تطبيق جديد لا يقدم جديدا

دائما ما تشعر أن تويتر منصة إخبارية أكثر منها شبكة اجتماعية، حتى إن اعتبرتها هكذا فهي شبكة للنخبة؛ لن تجد أصدقاءك المعتادين يشاركون "الميمز" المعتادة والمكررة، لكنْ هناك صحفيون ورجال أعمال وشركات كبرى وسياسيون وتصريحات نارية، وغيرها من الأمور التي لا يهتم بها أحد تقريبا إلا مَن يعمل بتلك المجالات. لهذا فإن إمكانية الحصول على تطبيق مشابه لتويتر، ولكن بشبكة إنستغرام نفسها، من أصدقائك وعائلتك وجيرانك، لهو أمر جديد علينا، وربما أمر مثير للغاية أيضا.

Post by @mikedavismma View on Threads

مارك زوكربيرغ كان يحب تأثير تويتر منذ بداياته في إثارة النقاشات العامة في المجتمع، وحاول شراء المنصة أكثر من مرة في الماضي، وهو ما دفعه لتلخيص فكرة تطبيق "ثريدز" قائلا: "يجب أن يوجد تطبيق للنقاشات العامة يملك أكثر من مليار شخص. لقد أتيحت الفرصة لتويتر ليكون هذا التطبيق ولكنه لم يفلح. نأمل أن نفعل نحن هذا".

 

لكن ما يُغفله مارك هنا هو أنه عندما ظهر تويتر عام 2006، كانت فكرة كتابة مقاطع نصية قصيرة جدا فكرة جديدة حينها، لأن مَن حضر الإنترنت وقتها سيتذكر انتشار المدونات، التي كانت تتطلب كتابة "تدوينات" طويلة. لذا، فعندما تصدر منصة يمكن للناس أن يكتبوا عليها خبرا سريعا، أو معلومة بسيطة، أو رأيا سياسيا، أو أي شيء قصير لا يتجاوز 140 حرفا، فهي فكرة جديدة وعصرية في زمنها، حتى إن تلك المنصة اشتهرت بأنها منصة للتدوين المصغّر (microblogging).

 

لكن عندما تقدم بديلا لتويتر، بالخصائص نفسها بالضبط عام 2023، فهنا أنت لم تقدم شيئا جديدا فعلا، بهذا أنت تواصل إصدار تطبيقات جديدة لكي تفعل وتقدم الشيء ذاته. آخر منصة قدمت شيئا جديدا لفت انتباه العالم كانت "تيك توك"، هذا إن اعتبرناها منصة تواصل اجتماعي من الأساس، لأنها استغلت فكرة التصوير بالهواتف الذكية، وفكرة الملل من مقاطع الفيديو الطويلة، لتنتج مزيجا من مقاطع فيديو قصيرة جدا وسريعة جدا جدا، وهو ما كان مناسبا لمستهلكي وجمهور تلك المنصة تحديدا.

 

لكن هذا لا يعني أن ثريدز لا يحظى بنقاط قوة. إنستغرام يملك نحو مليارَيْ مستخدم نشط شهريا (4)، بينما يملك تويتر 368 مليون مستخدم، هذا يعني إذا تمكن تطبيق "ثريدز" من تحويل 20% فقط من قاعدة مستخدمي إنستغرام، فسيتفوق على تويتر بسهولة من حيث عدد المستخدمين. بهذا لن يواجه التطبيق مشكلة في الاشتراكات الأولى، خاصة مع توفيره لتلك الخطوة بسهولة جدا، فكل ما عليك فعله هو التسجيل بحساب إنستغرام نفسه أصلا، لكن هل يكفي هذا لكي ينجح التطبيق الجديد؟

 

هل سينجح؟ الانتشار الواسع لتطبيق "ثريدز" الجديد اعتمد غالبا على "نوستالجيا" قديمة؛ على تذكرنا كيف كانت وسائل التواصل الاجتماعي في الماضي. (شترستوك)

التسجيل هو الخطوة الأولى، لكن لكي يكمل التطبيق مسيرته يجب أن يحتفظ بهؤلاء المشتركين ويحولهم إلى مستخدمين نشطين، يتفاعلون مع التطبيق باستمرار. هذا الجانب تحديدا هو الأصعب، لأنك بوصفك مستخدما لتطبيقات التواصل الاجتماعي عليك أن تخلق عادة جديدة بالكامل، وتجعل تطبيق "ثريدز" جزءا من روتين يومك الطبيعي، وهي مهمة ليست سهلة أبدا.

 

يشرح كتاب "مدمن: كيف تصنع منتجات تسبب الإدمان؟" كيف استخدمت المنتجات الناجحة مثل إنستغرام وغيرها عملية وصفها باسم "نموذج الإدمان" (Hooked Model)، وهي دورة من أربع مراحل تتكرر وتُشكِّل سلوكا معتادا لدى مَن يستخدمها، بمعنى أنها تصبح عادة يومية متكررة في روتين يومه. (5)

 

أول مرحلة هي عامل التحفيز والإثارة، عبر الاعتماد على المحفزات الخارجية والداخلية لحث المستخدمين على المشاركة؛ مثلا المحفزات الخارجية قد تتضمن الإشعارات أو الرسائل التي تطالب المستخدم بفتح التطبيق. بينما غالبا ما تكون المحفزات الداخلية هي استغلال الحالات العاطفية لدى الإنسان، مثل الملل أو الفضول أو الرغبة في التواصل الاجتماعي، مما يدفع المستخدم إلى اللجوء إلى تلك التطبيقات للترفيه وتقضية الوقت أو للتواصل مع الآخرين أو حتى لمعرفة الأخبار.

 

في المرحلة الثانية، تهدف تطبيقات التواصل الاجتماعي إلى تمكين المستخدم من اتخاذ أي إجراء بأسهل طريقة ممكنة؛ مثلا فكرة الاشتراك في "ثريدز" من خلال حساب إنستغرام نفسه، وتوفير واجهة مستخدم سهلة، وخيارات مشاركة بسيطة، ومحتوى مستمر لإبقاء المستخدم أكبر وقت بداخلها، يتصفح ويلقي بالإعجابات والتعليقات هنا وهناك.

(شترستوك)

في المرحلة التالية، على تلك التطبيقات أن تقدم مكافآت متغيرة للحفاظ على عودة المستخدمين إليها؛ مثلا تلقي الإعجابات والتعليقات والمشاركات على منشورات المستخدم، أو اكتشاف محتوى جديد ومثير للاهتمام والجدل. تثير تلك الطبيعة المتغيرة وغير المتوقعة لهذه المكافآت الترقب لدى المستخدم، وتشجعه على الاستمرار في العودة واستخدام التطبيق، لأنه إذا كان سيتوقع ما سيجده من مكافآت فلن يذهب إلى التطبيق أصلا.

 

وأخيرا يأتي الاستثمار، إذ تشجع منصات التواصل الاجتماعي المستخدمين على استثمار وقتهم وجهدهم ومعلوماتهم الشخصية في التطبيق، وكل مشاركة يقوم بها المستخدم تزيد من استثماره في التطبيق وتجعل تغييره أكثر صعوبة بالنسبة له، مثلا إن كنت قد نشرت المئات من صورك على تطبيق إنستغرام، ولديك مئات أو آلاف المتابعين هناك، فإن احتمالات تبديلك وانتقالك إلى تطبيق آخر لمشاركة صورك والبدء من جديد ستكون ضئيلة للغاية.

 

هل يستطيع تطبيق "ثريدز" أن يستغل هذا النموذج السابق لكي ينجح ويستمر ويستبدل تويتر فعلا؟ أم إن مبررات وجوده فقط تتلخص في أن إيلون ماسك قرر تدمير تويتر الآن؟ الأسئلة التي تظهر بعد إطلاق أي منصة تواصل اجتماعي جديدة الآن هي غالبا أسئلة وجودية بسيطة ولكنها غامضة: لمَن تلك المنصة؟ هل يحتاج إليها أحد؟ مَن سيستخدمها؟ ما الذي ستقدمه فعلا ولم يقدمه أحد قبلها؟

 

مارك زوكربيرغ يعرف هذا جيدا، ربما أنفق مليارات الدولارات على مشروع وهمي أطلق عليه "ميتافيرس"، لكنه يفهم كيف تعمل منصات التواصل الاجتماعي جيدا، ويفهم كيف يعمل تأثير الشبكة، لأن هذا تحديدا ما يجعل منصاته ناجحة ومنتشرة للغاية، وهذا ما دفعه لشراء إنستغرام ثم واتساب، لأن كليهما نما سريعا ووصل إلى كتلة حرجة تجعل كلًّا منهما مرشحا لاستمرار هذا النمو. لكن هل هذا يكفي لأن تبدأ الشركة تطبيقا جديدا من الصفر؟

في حال فشل تطبيق "ثريدز"، فلن تخسر الشركة كثيرا، لكن إن نجح فسوف تكون قد تخلصت من منافس قوي في هذا المجال، والأهم هذا المنافس الآن هو إيلون ماسك نفسه. (رويترز)

الانتشار الواسع لتطبيق "ثريدز" الجديد اعتمد غالبا على "نوستالجيا" قديمة؛ على تذكرنا كيف كانت وسائل التواصل الاجتماعي في الماضي. هكذا تبدأ الطقوس المقدسة، النشوة وتجديد ذاتنا عند الانضمام إلى منصة تواصل جديدة؛ معظم مَن اشترك وشارك في هذا التطبيق الجديد سعيد ومتحمس لهذه البداية، نحن نعود إلى زمن التواصل الاجتماعي الجميل. تطبيق "ثريدز" هو تمثيل لذكرى جميلة في الماضي لم ننسها بعد، أو لم ننسَ إحساس السعادة التي منحتنا إياه في حينها.

 

لكن مع انقضاء تلك الليلة، والنشوة التي تجلبها، مع انتهاء جرعة الدوبامين، سنعود إلى أرض الواقع، ونتذكر أن عصر وسائل التواصل الاجتماعي كما نعرفه قد انتهى للأبد. زوكربيرغ فعل ما يفعله غالبا، وقدم نسخة متطابقة لشبكة اجتماعية موجودة، ثم سيبدأ في تحديد ما نراه على تلك الشبكة، ثم تبدأ الإعلانات في غزوها، وتبدأ الملايين تتدفق إلى حسابات شركة ميتا، ونكون قد عدنا إلى حيث بدأنا. فكرة "الميتافيرس" نفسها قائمة على أساس أن حقبة منصات التواصل الاجتماعي كما نعرفها أوشكت على الانتهاء.

 

عموما، تلك الخطوة من ميتا محفوفة بالمخاطر، والشركة تدرك هذا الأمر، وربما لهذا اختارت أن يكون التطبيق منفصلا وليس مجرد ميزة أخرى داخل إنستغرام، مثل ميزة الفيديوهات القصيرة "ريلز" (Reels). تطبيق إنستغرام حقق أرباحا بقيمة 51.4 مليار دولار في عام 2022، وهو ما يُمثِّل نحو 45% من إجمالي إيرادات شركة ميتا، لهذا من الصعب المخاطرة بدمج ميزة جديدة الآن، ربما تؤثر على سمعة تطبيق ميتا الأكثر انتشارا بين الشباب، وربما يفسر هذا أيضا اختيار تصميم "ثريدز" بناء على تقنيات إنستغرام، لأن أكثر من 70% من مستخدمي إنستغرام أقل من 35 عاما. (6)

 

في حال فشل تطبيق "ثريدز"، فلن تخسر الشركة كثيرا، على الأقل نحن حاولنا أن نجرب وفشلنا، ولكن إن نجح فسوف نكون قد قدمنا تطبيقا بديلا لتويتر، وتخلصنا من منافس قوي في هذا المجال، والأهم هذا المنافس الآن هو إيلون ماسك نفسه. انتصار ميتا، إن حدث، سيقدمها بوصفها شركة خارقة، بجاذبية تماثل جاذبية الكواكب، في وسائل التواصل الاجتماعي، وهي ربما النتيجة التي تبحث عنها أكثر مما تبحث عن الإعلانات أو المكاسب المالية حاليا!

___________________________________

المصادر: 1) Introducing Threads: A New Way to Share with Text 2) Why Instagram is taking on Twitter with Threads 3) Twitter’s U.S. Ad Sales Plunge 59% as Woes Continue 4) Meta’s Instagram Users Reach 2 Billion, Closing In on Facebook 5) Hooked: How to Build Habit-Forming Products 6) Instagram Revenue and Usage Statistics (2023)

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسائل التواصل الاجتماعی إیلون ماسک شرکة میتا فی الماضی فی تویتر أکثر من فی هذا

إقرأ أيضاً:

دبلوماسيون وخبراء يكشفون للجزيرة نت تحديات رئيس الوزراء السوداني الجديد

الخرطوم- أثار تعيين كامل إدريس، رئيسا لوزراء السودان، أمس الثلاثاء، ردود فعل متباينة بعد أن ظل هذا المنصب الرفيع شاغرا لأكثر من 3 سنوات. وفيما راهن الكثيرون على نجاحه في إحداث اختراق بالملفات الشائكة التي تنتظره داخليا وخارجيا، جزم آخرون بفشله بسبب الواقع المتأزم جراء الحرب.

ويتكئ إدريس على خبرة دولية واسعة بحكم عمله ورئاسته لعدد من المنظمات والهيئات الدولية مثل المنظمة العالمية للملكية الفكرية ومحكمة التحكيم والوساطة الدولية، وغير ذلك من التجارب التي رفعت من سقف توقعات البعض بمقدرته على إحداث اختراق في علاقات السودان مع المجتمع الدولي.

خطاب قوي

من جانبه، قال المحلل السياسي والكاتب الصحفي عثمان ميرغني للجزيرة نت، إن السياسة الخارجية هي الملعب المفضل لقدرات وخبرات كامل إدريس. ويمكنه تحقيق اختراق مؤثر في وقت وجيز لكن بشرط أن يتغلب على الأجسام المضادة الداخلية التي لها هواجس مزمنة تجاه العلاقات الدولية.

وأضاف ميرغني أن المجتمع الدولي منفتح وراغب في الانخراط الإيجابي مع السودان وشعبه، لكن دائما هناك قلق من ضعف الإرادة السياسية السودانية تجاه علاقات دولية مثمرة والتركيز على المساعدات المباشرة فقط.

إعلان

وأشار إلى أن تعزيز صورة البلاد الخارجية يحتاج ربما لخطاب داخلي قوي يرسم ملامح سودان مختلف في فهمه وتطلعاته للتعاون الدولي.

من جهته، قال السفير عبد المحمود عبد الحليم، مندوب السودان الدائم في الأمم المتحدة بنيويورك، إن الأستاذ كامل شخصية مقتدرة ودبلوماسي محنك يملك الرؤية المستبصرة لقراءة الملعب السياسي واللاعبين وأدوارهم، ويملك الرؤية العارفة والفلسفة المدركة وخطة اللعب المفضية لإنجاح الحراك في هذه الفترة المفصلية والحرجة في تاريخ السودان.

وفي حديث للجزيرة نت، قال إن على رئيس الوزراء الجديد إدراك أن تجربة الحرب وبشاعتها قد أوجبتا -ليس فقط ضرورات تطبيع وإعادة الحياة، وإنما- إعادة التأهيل العاطفي والسيكولوجي للمواطن جنبا إلى جنب. وعليه تبعا لذلك الاهتمام بالرسائل التي تبعث بها تحركاته واستجماع فضيلتي الصبر وقوة العزيمة، كما أن عليه، و"هو الدبلوماسي الحاذق"، إدراك أن التوافق الذي يحتاجه العمل في إطار المنظمات الدولية ضرورة في السياق الوطني.

وحول أبرز التحديات التي تواجهه، قال السفير عبد المحمود إن الحرب أحدثت دمارا غير مسبوق جعل كافة متطلبات استعادة الحياة أبرز العقبات، "كأن تقذف بمريض إلى غرفة العناية المركزة لإعادة عمل أعضاء جسده المتعطلة".

ودعا رئيسَ الوزراء للتركيز على المشاورات التي ستجرى ويجريها مع قيادة الدولة، وذلك قبل أداء القسم على الصلاحيات التي ينبغي أن تكون واضحة وكاملة، ليتفرغ بعدها لاختيار وزراء أكْفاء وبقوام وزاري غير مترهل وبآجال زمنية دقيقة لإدارة الحكومة، وخاصة قطاعات الخدمات والأمن والصحة والتعليم، وإيلاء الاهتمام الضروري للمؤسسية والتنسيق.

تحديات

وجاء قرار عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني بتعيين شخصية مدنية رئيسا للوزراء بصلاحيات كاملة كخطوة طال انتظارها منذ شغور المنصب باستقالة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك في يناير/كانون الثاني 2022.

إعلان

وقال عثمان ميرغني إن إدريس يواجه تحديات أساسية تتمثل في القدرة على مواجهة مقاومة داخلية متعددة من الأطراف الرسمية والسياسية، خاصة التي تتركز في محاولة إعاقة مشروعاته وإفشالها لتأكيد عدم الحاجة لوجود رئيس وزراء.

ووفقا له، فإن من وصفهم بأمراء الحرب سيجتهدون في محاولات منع إدريس من التواصل الخارجي الفعال لإنهاء الحرب خاصة في مسار التفاوض وإصلاح العلاقات الثنائية مع الدول المؤثرة على الملف السوداني.

ومن التحديات الأساسية، حسب ميرغني، التعامل مع ملعب سياسي سوداني يعاني من استقطاب حاد جدا مما قد يعقّد جهوده لتقوية الصف الداخلي برفع سقف القواسم المشتركة بين المؤثرين السياسيين، أفرادا وأحزابا وتحالفات.

من ناحيته، قال الأمين العام الأسبق لمجلس الوزراء السوداني عمر محمد صالح، للجزيرة نت، إن هناك تحديات "جساما" داخليا وخارجيا يواجهها إدريس، أبرزها كيفية المحافظة على وحدة الصف الوطني التي تحققت جراء "حرب الكرامة" التي وحدت وجدان الشعب خلف قواته المسلحة، وذلك بالوقوف على مسافة واحدة من كافة القوى السياسية الوطنية التي ساندت الجيش.

ومن التحديات أيضا -حسب صالح-:

استكمال هياكل الحكم وتشكيل مجلس وزراء من تكنوقراط غير حزبيين للعمل وفق برنامج وطني متفق عليه بعيدا عن أي مؤثرات خارجية. وتحقيق أحلام المواطن السوداني في العودة العاجلة لدياره ببسط الأمن وإصلاح ما دمرته "المليشيا" (يقصد قوات الدعم السريع). وترتيب أولويات إعادة الإعمار في ظل ميزانية موجّهة لدعم المجهود الحربي. أولويات

أما عن الصعوبات الخارجية التي تواجه رئيس الوزراء الجديد، فأشار صالح إلى:

إعادة دور السودان الفاعل في المنظمات الدولية والإقليمية دون تفريط في السيادة الوطنية. واستقطاب الدعم الخارجي من "الأشقاء والأصدقاء" لدعم جهود إعادة الإعمار. إلى جانب ضبط وتقييد الوجود الأجنبي بالبلاد "بعد أن ثبتت مشاركة كثير من اللاجئين كمرتزقة في الحرب". إعلان

ويرى مقربون من رئيس الوزراء السوداني -تحدثوا للجزيرة نت- أن أولوياته ستكون تشكيل حكومة "رشيقة" تعمل على تحسين الوضع المعيشي للمواطنين واستعادة الخدمات العامة المتدهورة، إضافة إلى إعادة إعمار ما دمرته الحرب.

وحسب محللين سياسيين ودبلوماسيين تحدثوا للجزيرة نت، فإنه من المبكر الحكم بنجاح إدريس في التعاطي الإيجابي مع التحديات الداخلية والخارجية، ورهنوا ذلك بالتزام القيادات العسكرية في مجلس السيادة بعدم التدخل في إدارة الجهاز التنفيذي، حيث عزا كثيرون حالة الشلل وعدم الاستقرار التي أصابت الأداء الحكومي "لتدخلاتهم المزاجية".

وأشار السفير عبد المحمود إلى أن نجاح رئيس الوزراء خارجيا يعتمد على جودة السياسات وأداء الواجبات والمهام والمسؤوليات الداخلية. ودعاه للعمل مع مجلس وزرائه للتوصل إلى خطة وطنية مترابطة الحلقات لإعادة التأهيل، لتشكّل أساسا لطلب العون الخارجي بما في ذلك إمكانيات عقد مؤتمرات تعهدية للمانحين شاملة التغطية أو قطاعية.

وقال إنه بحكم شبكة علاقاته الخارجية وموقعه، يُتوقع أن يكون له دور كبير ومهم إزاء النشاطات والتحركات الدبلوماسية التي ستشهدها الفترة القادمة، بما في ذلك إنجاح خارطة الطريق وإيلاء الاهتمام للانخراط الإيجابي في استعادة نشاطات السودان في الاتحاد الأفريقي.

واعتبر السفير عبد المحمود أن قضية مشاركة المجتمع الدولي في إعادة البناء والإعمار تعدّ تحديا رئيسيا على الجبهة الخارجية في الفترة المقبلة.

مقالات مشابهة

  • مارك زوكربيرج يتخطى جيف بيزوس ليصبح ثاني أغنى رجل في العالم
  • "قانون الضمان الاجتماعي الجديد".. حماية متكاملة للفئات الأولى بالرعاية وتوسيع مظلة الدعم في مصر
  • واتساب يتصدر تطبيقات التواصل الاجتماعي الأكثر استخداما بالمملكة
  • أدوات تحليلات وسائل التواصل الاجتماعي.. أداة أيم إنسايتس لزيادة التفاعل وتحسين الأداء
  • دبلوماسيون وخبراء يكشفون للجزيرة نت تحديات رئيس الوزراء السوداني الجديد
  • عدد الأصدقاء أم نوعيتهم؟.. ما الذي يحقق لنا السعادة في التواصل الاجتماعي؟
  • “واتساب ويوتيوب وسناب شات” في المقدمة.. تطبيقات التواصل الاجتماعي تتصدر الاستخدامات الرقمية في المملكة خلال 2024
  • تطبيقات التواصل الاجتماعي تتصدر مشهد الاستخدام الرقمي في المملكة
  • «واتساب» في المرتبة الأولى.. تطبيقات التواصل الاجتماعي تتصدر مشهد الاستخدام الرقمي في المملكة
  • بعد إلغاء متابعة زوجته له .. عصام صاصا يتصدّر مواقع التواصل الاجتماعي