موقع النيلين:
2024-04-14@04:17:33 GMT

المتنبي اللابس والمتلبس

تاريخ النشر: 24th, February 2024 GMT


يقول المتنبي:
وَكُلُّ شَجاعَةٍ في المَرءِ تُغني/ وَلا مِثلَ الشَجاعَةِ في الحَكيمِ
بيت خطير يكشف حال المتنبي نفسه بين حال الحكيم الشجاع، أو الشجاع غير الحكيم، أي حال المتنبي بين اللابس للحكمة أو المتنبي المتلبس بالنسق، وقد ظل المتنبي حكيماً وحكمته تنتشر على الألسنة وتعمر ذاكرة الثقافة، وهو حكيم ولا شك بمثل ما هو شاعر عظيم كذلك، ولكنه يظل نسقياً تتحكم فيه قوى غير حكيمة وقد مات ميتةً غير حكيمة وإن كانت شجاعةً، وذلك أن حكمته غابت لحظة مواجهته للموت فلم تحصنه الشجاعة، ولنستعرض حال هذا البيت وحال مصير المتنبي صاحب المقولة.

على أن الشجاعة قد تكون فضيلةً وقد تكون رذيلةً، وحسب مقولة سقراط بكون الفضيلة وسطاً بين رذيلتين فإن الشجاعة لكي تكون فضيلةً لا بد أن تقع في موقع الوسط بين الجبن أو التهور، والشجاعة قد تقع في نوع من الجبن أو نوع من التهور، وفي حال الجبن أو حال التهور ستكون حماقةً وهي ما قصد المتنبي بقوله (يَرى الجُبَناءُ أَنَّ العَجزَ عَقلٌ/ وَتِلكَ خَديعَةُ الطَبعِ اللَئيمِ)! فالجبن المتلبس بصفة التعقل هو من خديعة الطبع اللئيم، وهذا هو الوجه المقلوب للشجاعة، وكذلك سيكون التهور الذي هو حماقةٌ واضحةٌ، وينتج عنه سلوكيات حمقاء في فعلها وفي ردود الفعل عليها، ولو أصيبت الشجاعة في علة التهور فهي تعادل الحماقة لأنها تتحكم بصاحبها وتكون قوةً متسلطة عليه. أما الشجاعة مع الرأي والحكمة فستصبح قوةً ناعمةً ومنها الشجاعة المعنوية والعقلية وشجاعة الرأي والتدبير،

وهنا تكون فضيلةً، ولهذا قارن المتنبي بين موت رخيص وموت ثمين (فَطَعمُ المَوتِ في أَمرٍ صَغيرٍ/ كَطَعمِ المَوتِ في أَمرٍ عَظيمِ). فالموت رخيص أو ثمين في قيمته ولكن طعمه سيظل واحداً في الحالين. وقد أعلى المتنبي من شأن الرأي في قوله (الرأي قبل شجاعة الشجعان / هو أول وهي المحل الثاني). ومثل مقام الرأي يأتي مقام الحكمة وهما معاً مقدمان على الشجاعة ومشروطان لها لكي تكون الشجاعةُ فضيلةً وتترفع عن صفتي الحماقة والرذيلة، وقد اشترط المتنبي الحكمة للشجاعة ولم يشترط الشجاعة للحكمة مما يعني أن الحكمة غنيةٌ بذاتها وليست مشروطةً بغيرها، بينما الشجاعة مشروطةٌ بالرأي والحكمة أو لنقل مشروطة بالرأي الحكيم، والرأي الحكيم قانونٌ فكري وهو أيضاً قانونٌ سياسي واقتصادي واجتماعي، وقانونٌ في نظام العلاقات العامة. وستكون الشجاعة بمعونة الرأي الحكيم قيمةً صانعةً للترقي البشري من حال ردود الفعل إلى أحوال الفعل، وتجاور القول مع الفعل تحت مفهوم الرأي الحكيم، وهذه وصفةٌ من صيدلية المتنبي التي هي صيدلية تحتوي على السموم حيناً وعلى الحكمة حيناً آخر. ومن خصائص المتنبي أنه كلما كان ذاتياً تحول إلى نسقي، وكلما تحرر من ذاتيته أصبح فيلسوفاً، وظل هكذا في كل تقلباته ولو أخلص مع حالته الحكيمة لربما أصبح الفيلسوف الشاعر،

ولكن الشعرنة تطغى عليه وتجعله يتقلب بين الحكمة والنسق، وإن أبدع في الحالين، لكن الذي حدث أنه راح ضحيةً للنسقية فمات ميتةً رخيصة ولم يظفر بالميتة التي تمناها لنفسه ولصديقه الأثير سيف الدولة، وكانت نهايته غيلةً على يد لص تربص به واستعان عليه به. فقد أجبره على الانصياع لذاتيته المفرطة وحين همَّ المتنبي بالفرار من معركة صغيرة لا تليق به عاد للمعركة لأن اللص فاتك الأسدي استفزّ حسه النسقي إذ عيره ببيته الشهير (الخيل والليل والبيداء تعرفني.. إلخ) مما جعله يرتد لميدان المبارزة ويتلقى طعنةً أنهت حياته، وهنا تبعثر بيته عن الشجاعة في الحكيم إذ فقد حكمته وتفردت به شجاعةٌ من دون حكمةٍ تحصنها، فمات بغلطته القاتلة. هذا هو المتنبي لابس الحكمة والمتلبس بالنسق.

عبدالله الغذامي – كاتب ومفكر سعودي – جريدة الاتحاد
أستاذ النقد والنظرية/ جامعة الملك سعود – الرياض

المصدر: موقع النيلين

إقرأ أيضاً:

طلال أبو غزالة في حوار لمصراوي: مصر ركزت على شراء المستقبل وهذه نصائحي للحكومة

حوار- محمد عمارة:

رسم رجل الأعمال طلال أبوغزالة، ملامح المرحلة المقبلة في مصر من الناحية الاقتصادية والمجالات التي يمكن التركيز عليها من أجل النهوض بالأوضاع الحالية، فضلا عن تحديد أفضل المجالات التي يمكن استثمار أموال صفقة رأس الحكمة فيها.

وقال "أبو غزال"، في حوار مع مصراوي، إن ما تقوم به مصر عمل عظيم، فالمشاريع الاستراتيجية والعملاقة تعني خلق فرص عمل كبيرة وسريعة للشباب، وتقضي على البطالة.

وإلى نص الحوار.

- لماذا قلت مجددًا رغم الأزمات إن الاقتصاد المصري سيكون ضمن أكبر اقتصادات العالم خلال سنوات؟

أنا لست متنبئًا ولا منجّمًا، أنا تلميذ يقرأ ويدرس التقارير والدراسات والوقائع ويحللّها، ولذلك قلت إن الاقتصاد المصري سيكون السادس عالميا في العام 2030، فبالرغم من الأزمات التي يمرّ بها كلّ العالم وليست مصر وحدها، فإن الأهم هو كيف نتعامل مع الأزمات، فالقيادة المصرية ركّزت في سياستها على شراء المستقبل وليس الحاضر كما تفعل بعض الدول التي تبيع مستقبلها بحاضرها، وذهبت باتجاه تجهيز بنية تحتية في مختلف القطاعات ستكون عماد الاقتصاد المصري، وستجعل من مصر مقصدا لكلّ المستثمرين، ولذلك أنا أكثر إصرارا على أن اقتصاد مصر سيكون السادس عالميا في 2030.

- برأيك، ما مميزات اقتصاد مصر التي لا تملكها أي دولة أخرى؟

هناك عدة مميزات للاقتصاد المصري، فالبنية التحتية تطوّرت بشكل كبير جدا في مصر، وهذا لا يتعلّق بالبنية التحتية الانشانية من طرق ومبانِ، بل وبنية تحتية تشريعية، وشبكات اتصال وتواصل أرضي، وبنية تحتية رقمية، وبنية تحتية تؤسس لربط النظام العالمي بالنظام المصري.

وعندما نتحدث عن مصر تحديدًا، فنحن لا نتحدث عن بنية تحتية متميزة فقط، بل وسوق كبيرة ومجتمع فتيّ يشكّل قوة عاملة نابضة، وأيدٍ عاملة ماهرة.

- كيف ترى مشروع رأس الحكمة.. اقتصاديًا وسياسيًا؟

ما تقوم به مصر عمل عظيم، فالمشاريع الاستراتيجية والعملاقة تعني خلق فرص عمل كبيرة وسريعة للشباب، وتقضي على البطالة. أنا لم أطلع على التفاصيل الكاملة لمشروع "رأس الحكمة"، فإذا كان الهدف سياحي فهذا عمل عظيم، لكني كنت أتمنى أن نرى ملتقى للاختراع والابتكار، أو أن تكون على غرار سيلكون فالي في الولايات المتحدة، أي أن يكون ملتقى لشركات تكنولوجيا المعلومات والشركات التي يجري تأسيسها للاختراع والابتكار. وبشكل عام فإن مشروع "رأس الحكمة" من شأنه تنشيط عدة قطاعات اقتصادية هامة، وتوفير عوائد تمكّن الدولة من الانفاق على القطاعات الرئيسة مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية.

- إذا تمّت استشارتك في بقاء حكومة الدكتور مصطفى مدبولي من عدمه، بماذا تنصح؟

في البداية لابدّ من التأكيد على أن هذا شأن مصري داخلي، لكنني أعتبر مصر بلدي فأنا قومي عربي في الأساس، الدكتور مدبولي تولّى قيادة الحكومة منذ نحو 6 سنوات، وقد تمكّن خلالها من ترجمة وتنفيذ رؤى الرئيس السيسي، وبالنظر إلى خبراته العلمية والعملية، نجد أنه خبير في مجال تخطيط المدن والتخطيط العمراني، وهذا متسق مع رؤية القيادة باستكمال بناء البنية التحتية التي تشكّل ميزة من شأنها النهوض بالاقتصاد المصري.

- وسط موجات التضخم الحالية، بم تنصح المصريين وفي أي وعاء يدخرون أموالهم، ذهب أم عقارات أم ماذا؟

هذا موضوع جدلي، فكلّ من الذهب والعقار يُسعّر بالدولار، فأنت عندما تشتري الذهب أو العقار يتمّ تسعيره بالدولار، هي كلّها عملة قياس وعملة احتياط، وما سيتقرر بشأن الدولار سينسحب على الذهب وغيره.

- لو كنت مستشارًا للحكومة، ما نصيحتك بشأن إنفاق أموال صفقة رأس الحكمة؟

هذا أيضًا شأن داخلي مصري، لكن إن استشارتني الحكومة فإنني أرى دائما أن هناك اجتهادات لا خطأ فيها، على رأسها مواصلة تطوير البنية التحتية في البلاد، بالإضافة إلى أن هناك مجالات لا خسارة فيها، بل إن الاستثمار فيها مكسب لأي بلد؛ التعليم، والصحة، والتكنولوجيا والتحول الالكتروني.

في أي مجال تنصح رجال الأعمال بالاستثمار في مصر؟

بداية أنا أنصح بالاستثمار في مصر بشكل كبير، فالاقتصاد المصري يفرض نجاحه ومناخ الاستثمار هنا متميز للغاية وقوانين الاستثمار مستقرّة، وهناك تسهيلات استثمارية، كما أن السوق المصري كبير وعدد السكان كبير والأيدي العاملة الماهرة متوفرة، وهناك العديد من الفرص الجاذبة، خاصة في قطاع التكنولوجيا، وأنا شخصيا أقوم بالتوسع فى السوق المصرية. أما المجالات التي أنصح بالاستثمار فيها فهي (الغذاء، والدواء، والتقنية) لأن الانسان لا يمكن أن يستغني عن الغذاء، والدواء أمر أساسي في حياة الانسان أيضا، وأما التقنية فهي الحاضر والمستقبل، والثروة الحقيقية فهي في الاستثمار بالمعرفة والفكر والابتكار والتقنية.

- الآن، يبدو أن مصر ستحاول كبح جماح التضخم باعتباره الأزمة الأم، ما الإجراءات التي تنصح الحكومة باتخاذها في هذا الشأن؟

ليست مصر وحدها التي تعاني من التضخم وتحاربه، فالعالم اليوم يعيش حالة فريدة تتمثّل بوجود مشكلتين؛ الغلاء والكساد، وهنا أشير إلى اجراء مهم اتخذته الولايات المتحدة، حيث أصدر الكونغرس في عام 2022 قانونا لمكافحة التضخم، يقوم على فرض اجراءات حمائية للمنتجات والخدمات الوطنية بأي طريقة كانت، سواء كان ذلك من خلال فرض عقوبات على المنافسين أو فرض حواجز جمركية عليهم أو تقديم تسهيلات للمنتجين المحليين.

- كيف ترى تجربة الرئيس السيسي خلال الفترة الماضية، وما المطلوب مستقبلا؟

تجربة الرئيس عبدالفتاح السيسي في مصر خلال السنوات الماضية كانت مُلهمة في البناء والتنمية، وقد حقق إنجازات غير مسبوقة في مجال البنية التحتية التي ساعدت مصر على التعامل مع الأزمات العالمية بإيجابية عالية، وأتمنى على الرئيس السيسي تركيز جهود حكومته على تأمين الاكتفاء الذاتي في ثلاثة مجالات أساسية للانسان (الغذاء، والدواء، والعلم)، فتحقيق الأمن الغذائي والأمن الدوائي والأمن التقني محليّا أمر واجب، حتى لو كانت كُلف الانتاج محليّا أغلى من شرائها.

- كيف تساعد مصر اقتصادها بتوفير موارد دولارية بشكل مستمر؟

الأمر الأكثر أهميّة هو بناء أرضية لاقتصاد قويّ ومتين، وذلك من خلال بناء البنية التحتية القوية في مختلف المجالات، وتعزيز كلّ ما يلزم من أجل بناء الاقتصاد.

مقالات مشابهة

  • لماذا حث النبي على صيام الست من شوال؟ اعرف الحكمة والسر
  • بالصورة والفيديو... باسكال سليمان في الملعب
  • المشروع الوطني الشيعي بين الحكيم والصدر.. دعوة مضى عليها اكثر من عام.. مالجديد؟
  • لوقف الحملة ضد اللاجئين.. معاذ الخطيب يوجه رسالة إلى قادة الرأي في لبنان
  • دُعيت للغداء أثناء صيام القضاء فهل يجوز الفطر؟ اعرف الرأي الشرعي
  • خبير مصري: الدولار في طريقه للهبوط.. توقعات أن يصل إلى 40 جنيها خلال الفترة المقبلة
  • المقطع المتداول اليوم؛ ما الرأي القانوني فيه؟
  • صدور كتاب الغناء والطرب في أدب نجيب محفوظ عن بيت الحكمة
  • طلال أبو غزالة في حوار لمصراوي: مصر ركزت على شراء المستقبل وهذه نصائحي للحكومة
  • الحكيم يطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته: اغتيال عائلة هنية دليل الاختناق