عندما تثق بالبشرية ولا تثق بالبشر
تاريخ النشر: 7th, May 2025 GMT
الذكاء الاصطناعي ومصير الإنسان
مؤيد الزعبي **
في سيناريو مستقبلي في عالمٍ يهرول بسرعة نحو مستقبل تحكمه الخوارزميات عالمٍ من الذكاء الاصطناعي والروبوتات المتطورة والذكية، يثور في رأسي سؤال مصيري: هل سنستسلم نحن البشر أمام هذا الزخم والتطور التكنولوجي؟ هل سنكون ضعفاء أمامها؟، أم أننا سنُظهر ما يكفي من الحنكة والصمود لنُبقي إنسانيتنا في مركز المشهد؟ ولو سألتني- عزيزي القارئ- سأقول لك دون تردد: أنا أثق بالبشرية.
قد يبدو هذا التناقض غريبًا للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة يعكس مفارقة عميقة في مسيرة الإنسان منذ بداية الخليقة؛ البشرية كقوة تطورية جماعية أثبتت على مدار التاريخ قدرتها على تصحيح المسار، ومواجهة التحديات الكبرى، فهي التي أسقطت الطغاة، ووضعت دساتير الحقوق، وتعلمت من الكوارث لتعيد بناء ذاتها، أما البشر كأفراد فهم في نهاية المطاف خطّاؤون، يمكن أن تضلهم مصالحهم أو تغريهم السلطة، فيقررون ما يضر أكثر مما ينفع، ولهذا، فإن القلق الحقيقي لا يكمن في تطور الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل فيمن يطوره وكيف ولمصلحة من.
لقد تحدثت معك في مقالات سابقة محذرًا من أن الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي سيفقدنا الكثير من المهارات البشرية، وقد وجدت دراسة قام بها باحثون في جامعة تورنتو تثبت أن استخدام الذكاء الاصطناعي في المهام الإبداعية قد يؤدي إلى انخفاض في الأداء الإبداعي المستقل، مما يثير المخاوف بشأن التأثيرات طويلة المدى على الإبداع البشري والقدرات المعرفية، ونحن نتحدث هنا عن مهام إبداعية كانت جوهر عطاؤنا الإنساني.
على مدار التاريخ لم تُهزم البشرية أمام أي تحدٍ؛ سواء كان كارثة طبيعية، أو حربًا مدمرة، أو أزمة اقتصادية؛ بل كانت دائمًا قادرة على النهوض، وإعادة البناء، وتجاوز المحن؛ لكن اليوم نواجه تحديًا من نوع مختلف: الذكاء الاصطناعي أكثر منا ذكاء وتطورًا، وما يثير القلق أن عملية تطويره تسير بوتيرة متسارعة دون وجود رقابة صارمة أو مساءلة واضحة، والمستفيدون من هذا السباق هم شركات وأفراد، يتحولون يومًا بعد يوم إلى "حيتان" تسيطر على مفاتيح هذه التقنية، وفي المقابل نجد أنفسنا كمجتمعات نُسلم الراية تدريجيًا، دون أن نُدرك العواقب.
الغريب في الأمر أن مطالباتنا بوضع أطر تنظيمية وأخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي ما زالت خجولة ومحدودة والاستجابة لا تزال دون المستوى المطلوب، وإذا استمر هذا الوضع، فقد نجد أنفسنا أمام "غول" تقني يلتهم إنسانيتنا، ويُعيد تشكيل مجتمعاتنا بطرق لا يمكن التنبؤ بها. لذا، يجب أن نُعيد التفكير في كيفية تعاملنا مع هذه التقنية، ونُطالب بوضع ضوابط صارمة تضمن استخدامها بما يخدم البشرية وليس العكس.
في حالتنا هذه نحن أمام 3 سيناريوهات يجب أن نختار فيما بينها حتى لا نُهزم كبشرية، الأول أن نعتمد بشكل مفرط على الذكاء الاصطناعي، مما قد يؤدي إلى تراجع المهارات البشرية الأساسية وحينها سنصبح نحن أسرى للتقنية، والسيناريو الثاني، أن نتفاعل ونتكامل مع التقنية والذكاء الاصطناعي لكي تخدم مصالحنا وتعزيز انتاجيتنا وابداعنا، رغم أن الكثيرين يرون في هذا الخيار حلًا رائعًا، إلا أنني أراه محفوفًا بالمخاطر، فنحن عندما نتفاعل مع التقنية ونتكامل معها سننجرف في مسار يجعلها تتعلم منا وتجعلنا نتخلف أمامها، فاستسهالنا لهذا الحل سيجعل الأمر معقدًا ويعود بنا الحال لنقطة البداية كما لو اخترنا الخيار الأول.
أما ما أجده واجبًا هو السيناريو الثالث وهو أن نعمل على إيجاد التوازن الذكي، وهو الخيار الأكثر واقعية؛ حيث نمزج بين الخيارين الاثنين السابقين بحيث نستخدم الذكاء الاصطناعي ليس لتحقيق مصالحنا فقط؛ بل لتعزيز قدراتنا العقلية والابداعية، وتعزيز مهاراتنا البشرية بحيث نكون دائما متقدمين بخطوة دون أن نسمح لها بالسيطرة علينا، لكن تحقيق هذا التوازن ليس بالأمر السهل فنحن أمام حالة من الاستسهال في استخدام التقنية دون أن نعلم أننا بذلك نقتل عقولنا ونحجم قدراتنا.
إنَّ التوازن الذكي بين اعتمادنا على التقنية وبين تطوير مهاراتنا كبشرية يتطلب وعيًا جماعيًا للبشرية، ومجهودًا مستمرًا من قبل الحكومات والمنظمات لكي نضمن أن نصل لهذا التوازن.
وكما ذكرتُ لك- عزيزي القارئ- في مطلع هذا المقال، أنا أثق بالبشرية وطالما أتحدث عن البشرية؛ فالضامن الوحيد لنا جميعًا هو قدرتنا على التعاون في وضع القواعد والأطر التنظيمية لتطوير الذكاء الاصطناعي من جانب، ومن جانب آخر العمل على تسليح أنفسنا كبشر بقدرات أكبر؛ إبداعية كانت أو عقلية، أو حتى مهارات يدوية فنحن البشر خُلقنا لعمارة الأرض، والعمارة تتطلب مِنَّا أن نكون المُسيطرين والمُسلحين بالعقول والمهارات.
**المنسق الإعلامي ومنتج الأخبار لصالح مجموعة الصين للإعلام الشرق الأوسط
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
كلمات دلالية: الذکاء الاصطناعی
إقرأ أيضاً:
وزارة المالية تدمج حلول الذكاء الاصطناعي بمركز الاتصال وتتجاوز المستهدفات خلال النصف الأول
كشفت وزارة المالية، أمس، عن نتائج أداء مركز الاتصال خلال النصف الأول من عام 2026، والتي أظهرت نجاح دمج حلول الذكاء الاصطناعي في تخطي كافة المستهدفات التشغيلية المعتمدة وتطوير كفاءة الخدمات، حيث تمثلت أبرز الإنجازات في حل 97.11% من المكالمات من المرة الأولى، واختصار سرعة الرد إلى 8 ثوان فقط مع ارتفاع سعادة المتعاملين إلى 95.43%، بفضل التوظيف الأمثل للتقنيات الذكية التي أسهمت مباشرة في تسريع الاستجابة والارتقاء بجودة العمل المالي الحكومي وفق أعلى المعايير العالمية.
وأكد سعادة يونس حاجي الخوري وكيل وزارة المالية، أن هذه النتائج المسجلة تعكس الرؤية الاستباقية للوزارة في ترسيخ ريادتها الرقمية وصياغة مستقبل مبتكر للخدمات المالية الحكومية يتواكب مع التوجهات الإستراتيجية للدولة في تبني الحلول الذكية، حيث تبرز هذه الإنجازات القيمة الحقيقية للاستثمار المدروس في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وقدرتها على إحداث تحول جذري في جودة الكفاءة التشغيلية، والارتقاء برضا المتعاملين عبر تقديم خدمات سريعة وموثوقة تفوق توقعاتهم وتختصر الجهد والوقت بشكل ملموس.
وأضاف أن الوزارة ملتزمة بمواصلة تطوير بيئتها التقنية وتحديث خدماتها باستمرار لضمان البناء على هذا التميز المؤسسي المبتكر وتوفير تجربة تفاعلية متكاملة تركز على تمكين العنصر البشري، وتزويده بأحدث الأدوات المساندة لضمان استدامة الأداء العالي، ومواكبة تطلعات المتعاملين بما يدعم تنافسية دولة الإمارات ويسهم في تعزيز مرونة وكفاءة العمل المالي الحكومي وفق أعلى المعايير العالمية المعتمدة في هذا المجال.
وأظهرت البيانات التفصيلية أداء استثنائياً في كافة المؤشرات التشغيلية، حيث حقق المركز نسبة 97.11%، في مؤشر حل المكالمات من المرة الأولى متجاوزاً المستهدف البالغ 90%.
وسجل مؤشر مستوى جودة الخدمة نسبة 92.41%، متخطياً المستهدف المحدد بـ 80 %، كما ارتفعت نسبة سعادة المتعاملين لتصل إلى 95.43%، مقارنة بمستهدف 90%، في حين بلغت نسبة المكالمات التي تم الرد عليها خلال 30 ثانية 93.40%، متفوقة على المستهدف البالغ 90%.
وترافق ذلك مع تقليص متوسط سرعة الرد على المكالمات ليكون 8 ثوان فقط وهو أداء أفضل بكثير من المستهدف البالغ 20 ثانية، كما انخفض متوسط زمن المكالمة إلى 4 دقائق و35 ثانية، وهو أقل من المستهدف البالغ 5 دقائق.
وتكللت هذه النتائج بتسجيل نسبة مكالمات مهجورة بلغت 1.88% فقط وهي أقل بكثير من المستهدف البالغ 5%.
ويرجع هذا النجاح وفق الوزارة إلى حزمة متكاملة من البرامج والتطبيقات الذكية المطبقة في المركز، وفي مقدمتها نظام تحليل المشاعر المدعوم بالذكاء الاصطناعي، الذي يرصد مشاعر المتعاملين من خلال تحليل نبرة الصوت والكلمات المستخدمة في المكالمات.
كما يعتمد النظام على تقنية تحويل الصوت إلى نص باستخدام الذكاء الاصطناعي، بما يتيح تحويل المكالمات إلى نصوص مكتوبة وتقديم ملاحظات وتوجيهات استرشادية للموظفين، بما يسهم في تعزيز جودة الردود ودقتها، هذا إلى جانب توظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي للرد على استفسارات المتعاملين بشكل لحظي وعلى مدار الساعة طوال أيام الأسبوع.
ويتيح المركز نظام المحادثة مع الملفات، الذي يمكن المتعاملين من استخراج المعلومات والإجابات من المستندات والأدلة الإرشادية بصيغة “بي دي إف” عبر المحادثة المباشرة مع الذكاء الاصطناعي، بالتكامل مع المساعد الافتراضي لتقديم دعم مستمر وفوري للمتعاملين مع الاعتماد على شاشات العرض الذكية “تابلو” التي توفر لوحات قياس تفاعلية تتيح المتابعة اللحظية لحالة الطلبات ومراقبة الأداء واتخاذ القرارات الفورية جنباً إلى جنب مع نظام “تلبية” المخصص لاستقبال وتلبية طلبات المتعاملين بكفاءة متناهية. وام