لجريدة عمان:
2026-07-24@12:53:48 GMT

نهضة الأدب

تاريخ النشر: 12th, August 2025 GMT

لم أكن أعرف أنور سونيا، ولا سمعت به، وأنا المتابع إلى حدّ ما لحركيّة الفنون التشكيليّة، بحكم ميلي أوّلًا وصداقاتي ثانيا، ولكن عندما أردنا نشر أعمال ندوة «الثقافة الشعبيّة في عُمان»، التي كانت عملا ناتجا عن التعاون بين جامعة السلطان قابوس والجمعيّة العمانية للكُتّاب والأدباء، اقترح عليّ الصديق المثقّف، الذي كان يعتني آنذاك بالجمعيّة فكرةَ اختيار لوحة من أعمال أنور سونيا التي تتناسق مع موضوع الندوة بحكم فراغه إلى توطين الذاكرة العمانيّة بالألوان والأصباغ، فنفرتُ من الفكرة ليقيني بأنّها ستكلّفنا عبئا ماديّا لا تقدر الجامعة على الموافقة عليه، والحقّ أن كلّ تلك الندوات التي أقيمت ونُشرت أعمالها، كنَّا فيها عيالًا على الجمعيّة العمانيّة للكُتّاب والأدباء، وأُنجزت ونُشرت بتمويلٍ سخيّ من الجمعيّة، وبيقظة الفريق الإداريّ النشط والمبادر، ولم يكن للجامعة سوى دور التنظيم والرعاية العلميّة، الذي مثّلتُه.

وبعد مدّة وجيزة، اتّصل بي الخطّاب المزروعي وأعلمني أن أنور سونيا وهبنا لوحةً من أعماله، وسعد بأن يُسهم في الكتاب بعملٍ له تَخَيَّره لنا، وكان الأمر كذلك، وخرج الكتاب وصفحة غلافه مُشكّلة من أجمل لوحات الفنّان أنور سونيا، الذي تابعتُ من بعد ذلك أعماله، وأدركتُ دوره الجليل في تأريخ التراث العماني بحرا وبرّا، بيوتًا وجبالًا، نساءً ورجالًا، والتعبير عنه بالألوان والأشكال، صُورًا وظلالًا، تشفّ عن عميق رأي ودقّة رؤية، عن عين فنّانٍ أصيلٍ، متشبّع بواقعه، مالك لفرشاته، يُصرّفها أنّى شاء، فتطيعُه وتأتمر بمزاجه وتتلبّس هواه، فتخرج منه الألوان مفارقةً لسنتها الأولى، مكتسبة معاني وأبعادًا، يتلذّذها بسيط العين، ويمرح فيها صاحب الفكر، يُعْمل فيها ما شاء من ممكن التأويل.

ترى فيها ومنها ألوان الحياة في عُمان، وجوهًا وأنواءً، أصداء وجواهر، حيوانًا وبشرا، ملابسَ وأفئدة، في قدرة بيّنة على التمثّل والتمثيل، ألوانه تتحرّك وفق هوى اللّوحة قتامةً أو بهجةً، ميلًا إلى الظلام أو جنوحًا إلى الضياء، لا يرسم الأشكال والأشخاص، وإنّما هو يتمثّلها بوعي وإدراك ويُمثّلها، فتنبعث حييّة، يافعةً، نابضة، مارقةً عن حدود اللّوحة التي تُصبِح أبوابًا للمعنى لا أسْرًا للأشكال والأصباغ.

تصاوير أنور سونيا ورسومه هي صورة من تفاعل فنيّ عميقٍ في عُمان، يُبْعِدُ فكرة الطفرة التي أرادها البعضُ، ويؤكّد أرضيّة ثقافيّة فنيّة نشطة، تحتاج عنايةً ودرايةً واحتفاء بنهضة لا تأتي إلاّ نتاج جهودٍ، تدفع الروائيّ والرسّام والسينمائي والمسرحيّ والموسيقيّ والشاعر والمترجم إلى العيش في كون متناغم، وإلى التبارز والتبريز في أرضٍ هُيِّئت لتُنبت نهضة ثقافيّة شاملة وعامّة.

ولذلك، فإنّ بروز أنور سونيَا وغيره من الفنّانين التشكيليين، لم يكن -وفق منطق التاريخ- طفرة معزولة، وإنّما هو داخلٌ في حالة إبداعيّة مهّد لها أدباء وفنّانون، وعاصَرته فيها حركيّة فنيّة ثقافيّة، أثّثها عدد من الأدباء ومن الفنّانين، أثّثها في الشعر زاهر الغافري وسما عيسى وسيف الرحبي، وفي الرواية علي المعمري وبدرية الشحّي وحسين العبري وجوخة الحارثي وهدى حمد وزهران القاسمي، وفي المسرح عبد الله الفارسي وآمنة الربيع، وفي السينما عبد الله حبيب، وغيرهم كُثْر.

لم أتابع كثيرًا حركة الموسيقى وحركيّتها، ولا نشأة المسرح وتراكمه، ولا بدايات السينما وتطوّرها، ولم أقف على الفنّ التشكيليّ ومظاهره، ولكنّي باطّلاعي البسيط، وبما قرأتُ لأصدقائي في هذه الفنون، أقرّ وجود حركة نشطة على مستوى حضاريّ عامّ، غير أنّها حركيّة مهملة، إلى حدّ بعيد، تحتاج جهودًا لإضاءتها ولئن وجدت الأعمال القصصيّة عنايةً متأخّرة فإنّ نهضة الفنون المجانبة تحتاج عناية أوفر.

عودًا إلى الفكرة الأساس التي أردتُها من هذا المقال، فإنّ النشاط السرديّ الذي أصبح مميَّزاً في سلطنة عُمان، لا يُمثِّل قُدرة على إعادة حكاية الواقع فحسب، بل هو واقعٌ، فالواقع يكون بالحكايات كما يكون بالأفعال، وهذا النشاط السرديّ هو إمكانٌ تهيّأ تاريخيّا لأرضيّة قابلة وقادرة على حكي حكايتها، أرضيّة خصبة للتمثيل من جهة، وللدخول في تثقيف مكوّن من مكوّنات الواقع وهو الحكي من جهة ثانية، وهي أرضيّة لا يُمكن أن تُنتج حركة حكائيّة معزولة عن أنشطة تعبيريّة أخرى تحكي حكايتها بوسائط أخرى، بالألوان والحركة والمشاهد والأصوات، وهو المجال الذي تتحرّك فيه فنون أخرى.

لقد ردَّ البعض هذه الحركيّة النشطة في الرواية تحديدًا إلى مخرجات التعليم، وما أنتجه الاهتمام به، وهي فكرة خاطئة تمامًا، ومحبطة وسلبيّة، لأنّ برامج التعليم نشطت في أغلب الدول العربيّة في مرحلة جامعة، مع اختلافات بسيطة، وأغلب الدول اعتنت بالتعليم وجعلته ضمن برنامجها التنمويّ الأوّل. ليس بالضرورة أن نجد علّة للنشاط الأدبيّ والفنيّ، وإنّما هي أصولٌ ضاربة في القِدم أوّلا، وانفتاح بوعي وإدراك، لمجتمع له قابليّة الإيمان بدور الفنّ، وبأداء الأدب.

النشاط القصصيّ والروائيّ داخلٌ في حركةٍ ثقافيّة ظهرت فيها الترجمة على مستويات محمودة، ولعلّ الدور الذي تقوم به مترجمة رائعة اسمها زوينة الكلبانية لم يظهر للعيان بعد، وهو دورٌ جليل وأثر بارز، وظهرت فيها حركيّة النقد لشباب عُمانيّ تكوّن وفرغ إلى بناء ذهن ناقد، فاعلٍ، أرجو ألاّ ينتهي إلى ما انتهت إليه نُخبة التعليم العالي من يأس وإحباطٍ، فالمنظومة الجامعيّة العربيّة قاتلة لكلّ إبداعٍ، معرضةٌ عن ترْكِ أثرٍ فاعل، دافعة إلى التنميط والنمذجة، محوّلة الباحث إلى آلةٍ، إلى خانةٍ، المهمّ أنّها تُملأ آخر السنة، ليس بالكيف بل بالمطلوب الشكلي، وظهرت فيها حركة التصوير الشمسي، والإخراج السينمائي والعمل المسرحي والنشاط الموسيقيّ، الرواية العمانيّة تنشط في هذا الحقل الفنيّ الحييّ، ولا تكون إلاّ بكونه، والروائيّ عنصر من هذا الكون، يحتاج تغذيّة أبديّة لفنون مجانبة منها يمتح صوره وحكاياته وملامح شخصيّاته، فلا يختلف أنور سونيا في حكاياته اللّونيّة عن هدى حمد في حكايتها التي تصنعها باللغة، ولا عن زهران القاسمي في رسم شخصيّاتٍ ضاربةٍ في عمق أرضها، نابتة من فؤادها، ولا عن جوخة الحارثي في عوالم روائيّة منها تفوح روائح الأصالة، هو عالم متكاملٌ، ويقظة فنيّة عامّة، لا تُشكّل طفرة مؤقّتة، وعلى أصحاب الرأي تلقّف هذه اللحظة من الزمان للاحتفاء برموز في الأدب والفنّ سيحوّلهم التاريخ، كرهًا أو طوْعًا، إلى آباء يُقتَدى بهم وتُضرب بهم الأمثال.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: ة العمانی ثقافی ة

إقرأ أيضاً:

شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

كشفت الفنانة المعتزلة شمس البارودي تطورات حياة نجلها الفنان عمر حسن يوسف، مؤكدة أنه بخير، وقالت باللهجة الدارجة: «الحمد لله، عمر كان فرحان جدًا ومتواصل دائمًا مع ياسر جلال وأشرف زكي».

وأضافت أن عمر هو الوحيد من أبنائها الذي أحب مهنة والده الراحل حسن يوسف، مشيرة إلى أن زوجها الراحل «كان بيحبه جدًا»، بينما لم يتجه بقية أبنائها، ناريمان ومحمود وعبد الله، رحمه الله، إلى المجال الفني.

وتابعت البارودي، في مداخلة هاتفية مع الإعلامية بسمة وهبة مقدمة برنامج 90 دقيقة، عبر قناة المحور، أنها تنظر إلى دور الحماة باعتباره دور الأم، وقالت: «الحمى دي أم، وأنا بروح أطبخ ليهم وبحبهم جدًا»، معربة عن سعادتها باختيار عمر لزوجته، وأضافت: «الجميل إن ابني عمر اختار زوجة بتسعده، وأنا بقول دايمًا "اللي يحب ابني أحبه"».

وأوضحت أنها لم تكن بحاجة إلى أن توصي عمر بشيء عند زواجه، لأنه نشأ وهو يرى كيف كان والده يعامل والدته، وقالت: «هو شاف والده كان بيعامل أمه إزاي، فمش محتاج وصية، هو قدوته أبوه»، مؤكدة أن حسن يوسف كان «نعم الزوج ونعم الأب»، واحتواها بحنان كبير، بل إنه عندما تزوجها كان يخشى عليها من مشقة العمل وقال لها: «هنتجلك وأخرجلك» حتى يخفف عنها أعباء المهنة.

وفي حديثها عن المسيرة الفنية لعمر حسن يوسف، أوضحت شمس البارودي أنه حصل على فرص كثيرة، لكنها أشارت إلى أنه في بداياته «مكنش مركز». وأضافت أن والده الراحل كان حريصًا دائمًا على أن يضع التعليم في المقام الأول، وكان يردد أن «الشهادة أهم من أي حاجة»، ولذلك أصر على أن ينهي عمر دراسته أولًا ثم يتجه بعد ذلك إلى ما يرغب فيه.

وأكدت أنها كانت تخشى عليه من الشهرة، وقالت باللهجة الدارجة: «أنا كنت خايفة عليه من الشهرة لأن تمنها قاسي والإنسان مبيعرفش يعيش حياته بخصوصية»، في إشارة إلى الأعباء التي تفرضها الحياة تحت الأضواء.

مقالات مشابهة

  • اختبارات القدرات بجامعة الأزهر.. اعرف كيفية التسجيل فيها خطوة بخطوة
  • كتاب يوثّق رحلة الحرف العربي ورواده في قطر
  • سوزان نجم الدين: مستحيل أعتزل الفن.. وبعد أولادي عني خير
  • اترك هاتفك بالمنزل في المرة المقبلة التي تخرج فيها للمشي لهذا السبب
  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • عبدالله بن زايد: الإنسان أساس نهضة الإمارات
  • ثروت : أنا أول واحد قلت إن الفيفا فيها نيفة
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • صنعاء: حركة قضائية بنقل 60 قاضيا .. اسماء