إسحق أحمد فضل الله يكتب: (الصورة على جدار الميل أربعين)
تاريخ النشر: 10th, July 2025 GMT
والميل أربعين معركة دارت في الجنوب، بين المجاهدين، وعتادهم يومها كان مثل عتاد الجيش السوداني قبل شهرين من نشوب الحرب التي تجري الآن… وعتاد العدو مثل عتاد “الدعم السريع” في بداية الحرب… الآن.
ومشاهد من المعركة هي:
قبل المعركة بيوم، كان كل شيء واضحًا تمامًا. وكل أحد يعلم أن الأمر ليس (نصرًا أو هزيمة)، بل الأمر كان هو… موت أو موت…
وفي ظهيرة اليوم الذي سبق المعركة، تدخل عربة لوري المعسكر، والقائد علي عبد الفتاح يجمع المجاهدين الثلاثمائة، ويحدّثهم أن المعركة القادمة شديدة الهول… ويحدثهم أن الدين يُسر، ويطلب من كل من يريد الانسحاب أن يصعد إلى هذه العربة.
وعجوز يبدو في الستين يقترب من العربة، وحين يجد أنه ليس معه أحد، يتظاهر بأنه ينظر في بطن العربة… ثم يبتعد عنها.
وفي المعركة، يُصاب الرجل في بطنه، ويسقط على وجهه، ويمسح الأرض بوجهه حتى يستطيع الالتفات.
التفت إلى المجاهدين وكأنه يقول لهم:
“أنا هنا… لم أذهب.”
وفي المجموعة، كان هناك شرطي جاء من العاصمة لاعتقال المجاهد عبد الرحمن.
وعبد الرحمن، الذي كان اسمه “أجوكو”، كان مجرمًا معتقلاً، وعربة الشرطة كانت تنقله إلى السجن.
لكن أجوكو يقفز من العربة ويهرب… والشرطي، الذي هرب منه أجوكو، جعل على نفسه عهدًا أن يأتي به.
وحين يعلم بوجود أجوكو في “الميل أربعين”، ينطلق لاعتقاله.
وأجوكو يقول للشرطي:
“معاك، يا سيادتك… لكن خليني لحدي ما المعركة تنتهي، وأمشي معاك.”
وبعد المعركة العجيبة، لما كانت الآذان ما تزال ثقيلة من دوي المعركة، كان كل أحد راقدًا، بصورة ما، على الأرض.
وأجوكو، الذي كان قد بدّل اسمه إلى “عبد الرحمن”، يقترب من الشرطي ويهمس:
“يا سيادتك… أنا دلوكت جاهز عشان أمشي معاك.”
والشرطي يقول له:
“يا أجوكو…”
فيقول هذا:
“اسمي عبد الرحمن، سيادتك.”
فيرد الشرطي:
“يا عبد الرحمن… لكن عندنا مشكلة.”
فيسمعه، والشرطي يقول:
“أنا جيت حسب التعليمات عشان أعتقل أجوكو… لكني ما لقيت أجوكو… لقيت عبد الرحمن… يبقى ما فيش اعتقال.”
(3)
ظاهرة “الدبابين”، وابتكار أسلوب الفرد الذي يواجه الدبابة، ظاهرة ابتكرها المجاهد السوداني، وبدّلت شيئًا واسعًا في جيوش الأرض كلها.
والآن، ظاهرة “الجيش المسكين”، الذي يحمل سلاحًا متخلفًا، ويستطيع رغم ذلك أن يفعل بالعدو المُجَهَّز الأفاعيل، ظاهرة يبتكرها السودان، والعالم يتحدث عنها.
والبداية كانت من كرري، ومن سدوا الفرقة.
إسحق أحمد فضل الله
إنضم لقناة النيلين على واتساب
المصدر
المصدر: موقع النيلين
كلمات دلالية: عبد الرحمن
إقرأ أيضاً:
سامح قاسم يكتب: داليدا.. أغنية لا تنتهي
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
بعد ما يقرب من أربعة عقود على رحيلها، تعود داليدا إلى الإسكندرية، عبر خشبة المسرح هذه المرة. فقد أعلن صناع العرض المسرحي الموسيقي "داليدا.. الأغنية التي لا تنتهي" انطلاق المشروع من الإسكندرية نهاية أكتوبر المقبل، مع توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لاستعادة شخصيات من طفولتها. واختيار المدينة التي عشقتها داليدا يفتح الباب أمام استعادة سيرة واحدة من أكثر الشخصيات الفنية إثارة في القرن العشرين؛ سيرة بدأت في أحد أحياء القاهرة، وامتدت إلى باريس، وانتهت نهاية مأساوية، بينما بقي صوتها حيًا في وجدان العالم.
في الثالث عشر من يناير عام 1933، ولدت يولاندا كريستينا جيجليوتي في حي شبرا العريق، لأسرة إيطالية استقرت في مصر منذ سنوات. كانت المدينة آنذاك واحدة من أكثر المدن انفتاحًا وتنوعًا، تمتزج فيها اللغات والثقافات والديانات، ويعيش على أرضها المصري والإيطالي واليوناني والفرنسي والأرمني وغيرهم. وفي هذا المناخ تشكلت شخصية الفتاة التي ستعرف لاحقًا باسم داليدا، فحملت معها شيئًا من روح المدينة طوال حياتها، حتى بعد أن أصبحت نجمة عالمية.
لم تكن طفولتها سهلة. أصيبت في سنواتها الأولى بمشكلة في عينيها، وخضعت لعمليات جراحية متكررة، كما عاشت أجواء الحرب العالمية الثانية وما حملته من خوف واضطراب. تلك السنوات تركت أثرًا عميقًا في شخصيتها، ورسخت لديها إحساسًا دائمًا بالوحدة ظل يرافقها حتى في ذروة نجاحها.
عام 1954 فازت بلقب ملكة جمال مصر، وكان ذلك الحدث نقطة التحول الكبرى في حياتها. حملت أحلامها وغادرت إلى باريس، مثل آلاف الشبان الذين يطاردون فرصة قد لا تأتي. وهناك بدأت رحلة شاقة في عالم الفن، واختارت اسم "داليدا"، وطرقت أبواب شركات الإنتاج والملاهي الليلية والإذاعات، قبل أن تجد الفرصة التي غيرت مصيرها.
سرعان ما أصبحت داليدا واحدة من أشهر الأصوات في فرنسا. أغنيتها "بامبينو" حققت نجاحًا استثنائيًا، لتتوالى بعدها النجاحات بلا توقف. امتلكت صوتًا مميزًا، وحضورًا آسِرًا، وقدرة على مخاطبة جمهور واسع ينتمي إلى ثقافات مختلفة. غنت بالفرنسية والإيطالية والعربية والإسبانية والألمانية والإنجليزية وغيرها، وباعت عشرات الملايين من الأسطوانات، وأقامت حفلات في معظم عواصم العالم، وحصدت جوائز كثيرة، حتى أصبحت واحدة من أهم رموز الأغنية الأوروبية خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
ورغم هذا المجد، ظل اسم مصر حاضرًا في أحاديثها. كانت تتحدث عن الإسكندرية بحنين واضح، وتستعيد ذكريات الطفولة والبحر والشوارع القديمة، ولم تتنكر يومًا للمدينة التي أحبتها، حتى بعد أن أصبحت باريس موطنها الجديد.
غير أن الأضواء كانت تخفي حياة شديدة القسوة. فقد عاشت داليدا سلسلة من الصدمات الشخصية التي يصعب أن تجتمع في حياة إنسان واحد. انتحر لويجي تينكو، الرجل الذي أحبته، بعد مشاركتهما في مهرجان سان ريمو، وكانت تلك الحادثة بداية جرح لم يلتئم. ثم توالت الخسارات، ورحل رجال آخرون ارتبطت بهم، وتعاقبت الأزمات النفسية، حتى أصبح النجاح نفسه عاجزًا عن تعويض ما فقدته في حياتها الخاصة.
كانت تقف أمام آلاف المتفرجين بابتسامتها المعروفة، ثم تعود إلى منزلها لتواجه وحدة لا يراها أحد. وكانت تعترف، في حواراتها القليلة الصريحة، بأن الشهرة تمنح الفنان كل شيء تقريبًا، لكنها تعجز عن منحه السكينة.
في الثالث من مايو عام 1987 انتهت الحكاية. أنهت داليدا حياتها في منزلها بباريس، تاركة رسالة قصيرة كتبت فيها: "سامحوني.. الحياة لم تعد محتملة." كان الخبر صادمًا لجمهورها، لأن صاحبة الابتسامة التي ملأت المسارح بدت، في نظر الملايين، بعيدة تمامًا عن هذا المصير.
ومع رحيلها بدأت حياة أخرى. استمرت أغانيها في الانتشار، وأعيد إصدار أعمالها مرات عديدة، وأنتجت أفلام ومسلسلات ووثائقيات عن سيرتها، وتحولت إلى رمز ثقافي يتجاوز حدود الغناء. وبعد مرور عشرات السنين، ما زال اسمها حاضرًا بين الأجيال الجديدة، وكأن الزمن رفض أن يطوي صفحتها.
وحين يُرفع الستار على "داليدا.. الأغنية التي لا تنتهي"، لن يكون الجمهور أمام قصة فنانة شهيرة فقط، بل أمام حكاية مدينة عشقتها فتاة اسمها يولاندا جيجليوتي، ومنها حملت حلمًا بسيطًا، ثم عادت إليها بعد أكثر من تسعين عامًا اسمًا خالدًا في تاريخ الموسيقى. وربما كانت هذه هي المفارقة الأجمل؛ فالأغاني تنتهي مع انتهاء دقائقها القليلة، أما أصحابها الكبار فيواصلون الغناء في وجدان الناس، حتى بعد أن يسدل الزمن ستاره الأخير.