تراجُعٌ مريبٌ ومخالف للعهود أبدته المملكةُ السعوديّة عن “خارطة الطريق” للسلام في اليمن.. هذا التملُّص ليس مُجَـرّد نكوصٍ عن التزام واجب، بل هو دفعٌ متعمَّد للمنطقة برمتها نحو كارثة إقليمية شاملة، ستكون لليمن فيها الكلمة الفاصلة والحاسمة، وستجد السعوديّة نفسها الخاسرَ الأكبر بلا منازع.
إن المتابع المتفحّص للسياسات الإقليمية لا يمكنه أن يغفل أوجه الشبه الصارخة والمقلقة بين تصرفات كيان الاحتلال الصهيوني والمملكة السعوديّة.


فكلاهما يتشابه بشكل لافت في الغطرسة والتجبر، وفي الإجرام المنظَّم، والإسراف في القتل والتجويع، وُصُـولًا إلى حَــدّ الإبادة الجماعية – سواء في غزة أَو في اليمن.
كلٌّ منهما يمارس القتل الجماعي بدمٍ بارد، ويستخدم الحصار والتجويع كسلاح حربٍ ممنهج، ضاربًا عرض الحائط بكل القوانين والأعراف والمواثيق الدولية.
هذه السياسات المتطابقة ليست محض مصادفة عابرة، بل هي نتاج عقلية استعلائية مشتركة تقوم على مبدأ الإفلات المطلق من العقاب، والتفوّق المزعوم، وتستبيح دماء الشعوب لتحقيق مصالحها الضيقة.
ويزداد التشابه بين الطرفين وضوحًا في ممارسة النكث بالعهود والمواثيق، والتهرب من الالتزامات والاتّفاقات.
فكما يتفنّن الكيان الصهيوني في الالتفاف على القرارات الدولية ونقض الاتّفاقات بكل غطرسةٍ وخداعٍ وإجرام، نجد السعوديّة اليوم تحذو حذوه، وتحاول الهروب من “خارطة الطريق” للسلام مع اليمن التي سبق أن التزمت بها.
هذا التملُّص ليس سوى محاولة يائسة للالتفاف على الالتزامات، وإظهار نيّة مبيتة بعدم الرغبة في معالجة الملف اليمني واستحقاقاته كما تعهّدت.
والهدف واضح ومكشوف: استمرار معاناة الشعب اليمني، وإبقاؤه تحت ضغط الأزمة الإنسانية والاقتصادية، كأدَاة ضغط رخيصة ومجرّمة.
ولا يخلو هذا التراجع السعوديّ من دعمٍ خارجي، فقد وجد تشجيعًا رسميًّا صريحًا من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة للتهرب من خارطة الطريق مع اليمن.
لكن يجب ألا يغيب عن الأذهان أن هذا الدعم ليس “حبًّا في المملكة”، بل هو انتقام سافر من اليمن؛ بسَببِ موقفه الصلب المساند لغزة وللقضية الفلسطينية، ولانخراطه المباشر في “معركة طوفان الأقصى”، وفتح جبهة الإسناد اليمنية في البحرَين الأحمر والعربي.
إن واشنطن وتل أبيب تحاولان، بوضوح، استخدام الرياض كأدَاة عقابٍ رخيصة ضد اليمن على موقفه القومي والإنساني الثابت.
إن استجابة السعوديّة للأوامر الأمريكية والإسرائيلية بالهروب من خارطة الطريق للسلام مع اليمن، والالتفاف عليها، هو لعبٌ بالنار ومقامرةٌ بمستقبل المملكة ذاتها.
هذا القرار سيضع المملكة مباشرة أمام “طوفان اليمن” القادم، وحينئذٍ لن ينفعها من شجّعها وحاك لها المؤامرة.
فالشواهد حاضرة ومريرة: الكيان الصهيوني لم يستطع أن يحمي نفسه من صواريخ اليمن ومسيراته، والأمريكيون أنفسهم فشلوا في حمايته أَو حتى حماية سفنهم في الممرات المائية.
فقد اعترف ضباط وقادة البحرية الأمريكية بأن قواتهم تلقت هزيمة نكراء وخسائر فادحة في البحرَين الأحمر والعربي، حين أطلقت ما سمّته “تحالف الازدهار” لحماية الملاحة والدفاع عن الكيان الصهيوني.
ومن يعجز عن حماية نفسه وتابعه، فلن يكون قادرًا على حماية الرياض من عواقب قرارها الأرعن.
وفي الوقت نفسه، تكشفت تحَرّكات مريبة ومكشوفة على الساحة اليمنية، كان أبرزها – وأشدها خطورة – زيارة وفد إسرائيلي إلى عدن، وعقد لقاءات مع ما يسمّى بـ”قيادة المجلس الانتقالي”.
ولم يكتفِ هذا الوفد باللقاءات السياسية، بل تجوّل لتفقد محاور القتال وخطوط التماس الأمامية.
هذا الفعل ليس عابرًا، بل يؤشّر إلى تنسيقٍ واضح ومباشر، ويُعدّ تأكيدًا قاطعًا على تعنت السعوديّة وعدم وفائها بالتزاماتها تجاه استحقاقات السلام في اليمن.
وفي هذا السياق المتأزم والمفصلي، جاء تصريح رئيس الوفد الوطني، محمد عبد السلام، عن لقائه المبعوث الأممي، ليُرسم خطوط المرحلة القادمة بوضوحٍ لا لبس فيه.
فقد أكّـد على ضرورة استئناف العمل بخارطة الطريق، وفي مقدمتها الاستحقاقات الإنسانية، أَو أن البديل الوحيد سيكون العودة إلى حربٍ مفتوحة، أمرٌ سيجعل المملكة تدفع ثمنًا باهظًا وغير مسبوق.
وهو إشارة لا تحتمل التأويل: صبر اليمن قد نفد، والكرة الآن – بكل ثقلها – في ملعب الرياض.
إن الهروب السعوديّ من خارطة الطريق يضع المنطقة بأكملها على صفيحٍ ساخن، والحرب المفتوحة باتت قاب قوسين أَو أدنى.
فالتملّص من الاتّفاق و”خارطة الطريق” يُسقط آخر خطوط الدفاع عن الأمن الإقليمي؛ إذ أن المراوغة السعوديّة وتجميد هذه الخارطة ينذران بعودة استهداف المنشآت الحيوية، وتهديد الملاحة في باب المندب مجدّدًا – ولكن بقوةٍ أكبر وأثرٍ أوسع.
والأكثر إثارة للقلق أن عدم التزام السعوديّة بخارطة الطريق يعني العودة حتمًا إلى “المربع صفر”، وهو ما سيدفع بالخليج إلى أزمة اقتصادية غير مسبوقة في تاريخه، نتيجة هروب الرياض من الوفاء بالاستحقاقات الإنسانية.
ويأتي هذا التهديد في ظل معطيات قوة جديدة ومرعبة على الساحة: فاليمن اليوم بات خامس دولة في العالم يمتلك تقنية تصنيع الصواريخ الفرط صوتية بمختلف أجيالها.
كما يمتلك أجيالًا متطورة من أنظمة الصواريخ الباليستية (أرض–أرض)، تنافس إصداراتِ روسيا والصين وكوريا الشمالية، منها صواريخُ ذات دقة عالية، وصواريخ مجنّحة، وصواريخ نقطية.. التي تُعدّ من أحدث تقنيات الحرب الحديثة.
واليوم، أصبح اليمن أول دولة عربية تحقّق اكتفاء ذاتيًّا في مجال التصنيع الحربي، في كُـلّ أقسامه ووحداته.
وختامًا.. إن هذا التسارع في التسليح النوعي المرعب – المدفوع بحتمية الرد على العدوان – يُنذر بـ”طوفان اليمن” الذي لن يرحم المتهربين من السلام.
و”خارطة الطريق” هي الفرصة الأخيرة لإنقاذ الرياض قبل أن تجد نفسها في عين إعصارٍ لا طاقة لها به.
فإذا أصرّت على المراوغة، فستكون قد جنت على نفسها وعلى المنطقة كارثةً تتجاوز كُـلّ التوقعات.

المصدر

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

تصدع المشروع الصهيوني العالمي

المشروع الصهيوني العالمي الذي يهدف إلى هيمنة الكيان الصهيوني على مقدرات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بدأت ملامحه في التصدع، خاصة أن الحرب الأمريكية الاسرائيلية على إيران كان يهدف منها إلى تغيير النظام الإيراني والقضاء على العقبة الكبرى لتنفيذ ملامح ذلك المشروع الصهيوني.

الخطة الأمريكية الإسرائيلية كانت تهدف إلى القضاء على النظام الإيراني وحركات المقاومة لتبدو المنطقة جاهزة لانطلاق المشروع الذي تحدث عنه المتطرف نتنياهو وعرض من خلاله إسرائيل الكبرى على الخريطة، حيث يتم تمدد الكيان الصهيوني إلى مناطق واسعة من الجغرافيا العربية والإسلامية وفرض هيمنة الكيان الإسرائيلي على الشرق الأوسط الجديد وتنفيذ المخطط الأساسي لإنهاء القضية الفلسطينية والسيطرة على مقدرات المنطقة. إن الصدمة الأمريكية الإسرائيلية كانت كبيرة عندما فشلت الضربة العسكرية الأولى في تغيير النظام من خلال خلق فوضى عارمة وخروج ملايين من الشعب الإيراني والقضاء على القيادات العسكرية والمدنية.

ومع تماسك النظام الإيراني وامتصاص الضربة الأولى والرد العسكري الكبير من قبل إيران على القواعد العسكرية الأمريكية واشتعال الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جانب والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جانب آخر تحولت تلك الحرب إلى حرب استنزاف، خاصة بعد غلق مضيق هرمز وتأثر الملاحة، وبالتالي التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وارتفاع سعر الطاقة وخلق حالة من عدم الاستقرار والسلام في المنطقة.

وشعرت الإدارة الأمريكية بأن الحرب تحولت إلى صراع إرادات وأن هناك خسائر أمريكية بشرية، وإسقاط أكثر من ٤٠ طائرة، علاوة على فشل عملية أصفهان للحصول على اليورانيوم المخصب.

إن معاناة المنطقة على صعيد إشعال الحروب يعود إلى غطرسة القيادات العسكرية الإسرائيلية؛ حيث إن نتنياهو خلال عقدين دخل في حروب عديدة مع حزب الله عام ٢٠٠٠ وعام ٢٠٠٦ وعام ٢٠٢٣ والحرب الحالية، كما دخل نتنياهو حربا معقدة ضد حركة حماس بعد أكبر كارثة عسكرية تعرض لها الكيان الصهيوني في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣.

إذن مشكلات المنطقة سببها الكيان الصهيوني الذي يشعل الحروب ويرفض كل مبادرات السلام التي تقدم بها الجانب العربي، خاصة المبادرة العربية التي أقرتها قمة بيروت العربية عام ٢٠٠٢، علاوة على استعداد الجانب العربي لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي من خلال إيجاد الحل الشامل والعادل بإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشرقية وإرساء قواعد السلام.

الكيان الصهيوني منذ قيامه عام ١٩٤٨وهو ينكل بالشعب الفلسطيني وينتهك حقوق الإنسان في فلسطين المحتلة، فقد ارتكب الاحتلال الإسرائيلي إبادة جماعية وانتهاكات خطيرة خلال الحرب على قطاع غزة؛ حيث استشهد أكثر من ٧٥ ألف إنسان من المدنيين من الأطفال والنساء، إلى جانب تدمير البنية الأساسية لقطاع غزة في جريمة كبرى ارتكبها الجيش الإسرائيلي وأركان الكيان الصهيوني.

ولعل إصدار مذكرة اعتقال من قبل محكمة الجنايات الدولية لنتنياهو وجالانت وزير الدفاع السابق هو دليل على جرائم الحرب البشعة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي والعسكريون في الكيان المحتل.

إن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لا يمكن أن تستقر دون إجبار الكيان الإسرائيلي من الانسحاب من الأراضي الفلسطينية ومن جنوب لبنان والجولان السوري المحتل وبدون هذا الانسحاب سوف تظل المنطقة عرضة لمزيد من اشتعال الحروب والصراعات الإقليمية.

نتنياهو ورط الرئيس الأمريكي ترامب في الدخول في حرب ضد إيران رغم أن واشنطن ليست مهددة من إيران، ومن هنا؛ فإن الرئيس الأمريكي ترامب في موقف صعب ومعقد؛ فقد فشل في تحقيق نصر شامل ضد إيران، كما أن الاقتصاد الأمريكي يعاني الأمرين، وارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن الاقتصاد العالمي يعاني من أضرار كبيرة، وسلاسل الإمداد متأثرة، ورغم المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلا أن طهران متمسكة بثوابتها من خلال خطة تفاوض واضحة تنهي الحرب أولا في كل ساحات القتال، خاصة في لبنان علاوة على إيران.

قضية التطبيع فشلت على الصعيد العربي؛ حيث إن التطبيع المجاني دون حل الدولتين هو أمر مرفوض، كما أن الغطرسة الإسرائيلية تعد عقبة كبيرة أمام تحقيق الشعب الفلسطيني أحلامه المشروعة في إيجاد دولته المستقلة ذات السيادة.

إذن من أهم نتائج الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران هو تصدع المشروع الصهيوني العالمي، وسوف تخرج إيران وحزب الله أكثر قوة، ومن هنا؛ فإن مجمل التحليل حول الصراع والحرب في الشرق الأوسط لا يمكن أن ينتهي دون الحل الشامل والعادل والمنصف.

الحرب الأمريكية الإيرانية أصبحت في حكم المنتهي؛ لأن واشنطن فشلت في تحقيق أهداف المشروع الصهيوني العالمي الذي تعد إسرائيل فيه هي رأس الحربة من خلال إزالة العقبة الكبرى الأخيرة وهي إيران، ثم إطلاق مشروع التطبيع وتصفية القضية الفلسطينية، وتحويل قطاع غزة إلى منطقة استثمارات وبالتالي تتحكم وتتمدد إسرائيل إلى الجغرافيا العربية والإسلامية على ضوء الخريطة التي يحلم بها نتنياهو وحكومته المتطرفة.

كما أن هيبة الدولة الأمريكية أصبحت في مهب الريح بعد أن ورط نتنياهو الرئيس الأمريكي ترامب في دخول حرب عبثية سوف تعاني منها واشنطن وقد تكون العامل الأهم في سقوط الحزب الجمهوري خلال الانتخابات النصفية للكونجرس في شهر نوفمبر القادم.

وإذا ما حدث ذلك فإن الرئيس الأمريكي ترامب سوف يكون عاجزا عن تنفيذ أجندته السياسية التي أوصلته إلى البيت الأبيض من خلال دعم اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن الحزب الجمهوري قد يفشل في المحافظة على البيت الأبيض خلال الانتخابات القادمة بعد سنتين ونصف وانتهاء فترة ترامب المثير للجدل.

من هنا، فإن صحّت تلك التوقعات فإن الرئيس الأمريكي ترامب يكون قد دفع ثمنا سياسيا كبيرا على صعيد طموحه السياسي أولا، وأيضا على صعيد حزبه الجمهوري، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية تعاني على صعيد التضخم وارتفاع أسعار البنزين والدين العام، وكل ذلك الضرر تسببت به سياسات ترامب.

ومع ظهور ملامح تصدع المشروع الصهيوني بعد رفض الدول العربية التطبيع دون حل الدولتين فإن الرئيس الأمريكي ترامب يواجه ضغوطا داخلية معقدة اقتصاديا، وعلى صعيد الموقف العسكري مع إيران، وفي ظل فشل الحماية الأمريكية خلال الحرب، فإن ذلك يحتم على الدول العربية تقييم العلاقات مع إدارة ترامب.

كما أن الكيان الإسرائيلي قد تلقى ضربة موجعة قد تؤدي إلى انتهاء طموحات المتطرف نتنياهو بعد مرور عقدين من إشعال الحروب والصراعات الإقليمية في المنطقة؛ ومن هنا فإن تصدع المشروع الصهيوني يفرض على الدول العربية إيجاد استراتيجية موحدة لحماية الأمن القومي العربي وحماية الهوية الوطنية، والحفاظ على المقدرات، بعيدا عن المشروع الصهيوني العالمي الخبيث الذي يستهدف الأمة العربية والإسلامية وأجيالها وثرواتها.

مقالات مشابهة

  • العجيزي: حسام حسن سيمنح حمزة عبدالكريم الفرصة الذهبية في كأس العالم
  • الديوان الملكي: الملك محمد السادس يستقبل رئيس دولة الإمارات بالرباط ويبحثان قضايا إقليمية ودولية 
  • الزمالك في الرعاية المركزة .. إبراهيم عبدالجواد يحذر من كارثة كبرى بالنادي
  • تصدع المشروع الصهيوني العالمي
  • التيار: نأسف لأنّ السلطة اللبنانية لم تنجح حتى اليوم في صياغة استراتيجية وطنية شاملة للأمن والدفاع
  • كارثة مؤلمة في تعز.. غرق 3 فتيات داخل بركة مياه يهز الشمايتين
  • “مديرية أمن أجدابيا” تعلن إطلاق حملة أمنية شاملة لمكافحة الهجرة غير الشرعية
  • سياسة تجارية جديدة في واشنطن.. مراجعة شاملة لـ«الرسوم الجمركية»
  • صيانة شاملة لمنظومة الإنارة بعدد من مناطق سفاجا لرفع كفاءة الخدمات
  • دبلوماسي هندي: زيارة رئيس ميانمار تمهد السبيل لوضع خارطة طريق جديدة للعلاقات