جرعةُ التضليلِ الأخيرة «3 – 4»
تاريخ النشر: 10th, November 2025 GMT
جرعةُ التضليلِ الأخيرة «3 – 4»
د. النور حمد
(1) كيكل حصان طروادة الاستخباراتيقول مثلٌ إنجليزي قديم: “إذا خدعتني مرَّةً، فالعارُ عليك؛ أما إذا خدعتني مرَّتين، فالعارُ عليَّ أنا”. لقد ارتكبت قوات الدعم السريع عددًا من الأخطاء، بسبب الخديعة، وهي تدير معركتها في هذه الحرب التي أشعلها الإخوان المسلمون وجيشهم للقضاء عليها.
رغم المباغتة الخبيثة التي واجهها بها الجيش الإخواني وكتائبه، سيطرت قوات الدعم السريع على مفاصل العاصمة الخرطوم، منذ البداية. ولم تفعل قوات الجيش أمام ردة الفعل القوية التي واجهتها، سوى أن تحتمي قواها الأكبر في معسكراتها، مكتفيةً بمجرد الدفاع، تاركةً المواطنين عالقين في أتون واحدةٍ من أفظع حروب المدن. وربما كان السبب وراء ضعف أداء الجيش، أن بعض قادته لم تكن لهم دراية بأن هناك حربًا ستُشن على قوات الدعم السريع. ويبدو، في المقابل، أن كتائب الإسلاميين التابعة للتنظيم، والمزروعة في جسم الجيش قد ظنت بأنها قادرة، مع بعض فصائل الجيش المتناغمة معها، في العاصمة، على القضاء المبرم على قوات الدعم السريع. وبالفعل قال قادتهم إن القضاء عليها لن يستغرق أكثر من ست ساعات. لكن، ظهر ضعف أداء الجيش وافتقاره للعددية الكافية من الجنود. فالدبابات والمدرعات التي كانت تجوب شوارع الخرطوم عند بداية الحرب اختفت تماما. لذلك، شرع الجيش في استدعاء المتحركات من معسكراته في الإقاليم القريبة من الخرطوم، غير أن كل تلك المتحرِّكات التي هُرعت لنجدته، انهزمت وتبدَّد شملها.
مباغتة الحرب لقوات الدعم السريع، إلى جانب دخولها ولأول مرة في تجربة حرب المدن، جعلاها تقع في أخطاء فادحةٍ، لم يكن من الممكن تجنُّبها. وقد كلَّفتها الكثير؛ من حيث العتاد، ومن حيث الجنود. وأفدح من كل أولئك، من حيث السمعة. وكان أكبر تلك الأخطاء فداحةً استجابتها للفخ الذي نصبه لها الفريق البرهان بتصريحه الكاذب الذي أطلقه من مدينة ودمدني، حيث قال: إن له فيها 40 ألف مستنفر، وأنه سوف يرسلهم لتعزيز أوضاع الجيش في الخرطوم. هذا هو ما جعل قوات الدعم السريع تفكِّر في احتلال ودمدني، وتسند مهمة احتلالها إلى أبي عاقلة كيكل، الذي لم تكن تدري، حينها، أنه عميلٌ من عملاء استخبارات الجيش.
لقد جرت زراعة كيكل داخل قوات الدعم السريع لثلاثة أغراض: الأول منها، جر قوات الدعم السريع إلى احتلال ودمدني لإضعاف قبضتها في الخرطوم، وسحب قسمٍ مقدَّرٍ منها ونشره في نطاقٍ جغرافيٍّ شاسعٍ، مكتظٍّ بالقرى والمدن متوسطة الحجم، ومتَّسمٍ بالكثافة السكانية العالية. الأمر الذي أدي إلى بعثرتها وإضعافها من حيث تماسك القيادة والسيطرة، كما عقَّد عليها خطوط الإمداد والإسناد. خاصةً، أن منطقة الجزيرة المَرْوِيَّة تتخلَّلها شبكة ضخمة جدًّا من القنوات المائية والمسارات المحصورة بين الحقول، التي لا تسمح بالحركة الحرة. يضاف إلى ذلك، أن وجودها في قرى الجزيرة الكثيرة ومدنها قد حمَّلها مسؤولية الإدارة والأمن، وهي المنشغلة أصلاً بالحرب في بيئةٍ جديدةٍ عليها تمامًا. وهي أيضا بيئة تتحكم في أجهزتها الإدارية قوى الإخوان المسلمين، ومن معهم من المنتفعين. وقد جرى كل ذلك وفقًا لخطةٍ رسمتها استخبارات الجيش وأسند تنفيذها إلى عميلها كيكل.
أما الغرض الثاني فقد كان توريط كيكل لها في ارتكاب انتهاكات على نطاقٍ واسعٍ، بغرض تشويه سمعتها إلى أقصى مدى ممكن، وحرق صورتها، وإثارة الكراهية ضدَّها وسط سكان وسط السودان. ولأجل ذلك، أعدَّ لها الإخوان المسلمون وجهاز الأمن وجهاز الاستخبارات، فخاخًا عديدة. فقد قاموا بتجييش المواطنين وتسليحهم بأسلحةٍ خفيفةٍ ودفعوهم لمهاجمة ارتكازات قوات الدعم السريع حول عددٍ من القرى، لتردَّ عليهم قوات الدعم السريع بأسلحتها الأقوى، فيكثر الموت والإصابات وسطهم، وتضطر قوات الدعم السريع لمطاردة فلولهم داخل تلك القرى، الأمر الذي يحدث مزيدًا من الانتهاكات والفوضى. وبالفعل قامت استخبارات الجيش بتصوير ذلك وبثَّه على أوسع نطاقٍ، ضمن الحملة المعدَّة أصلاً لتشويه صورتها. ومن أمثلة ذلك، ما جرى في قرى” ود النورة، واللعوتة الحجاج، والتكينة، والسريحة، ومدينتي رفاعة، والهلالية، وغيرها من الأماكن التي جرى فيها تنفيذ تلك الخطة الخبيثة الماكرة. يضاف إلى ذلك، أن جماعاتٍ من “الكسيبة” و”الشفشافة”، قد تداعت إلى نطاق الحرب من جهاتٍ عديدةٍ بغرض النهب والسلب. وقد وفَّرت الاستخبارات العسكرية لقطاعٍ من هؤلاء زي الدعم السريع.
السيطرة عبر نسف الأمن المجتمعيأما الغرض الثالث، وهو الغرض الرئيس الذي من أجله أشعلت الحرب، في الأساس، فقد كان نسف الأمن المجتمعي لكل المواطنين بالكلية. لقد توصل الإخوان المسلمون وجيشهم، عقب فشل كل محاولاتهم في إجهاض ثورة ديسمبر إلى نتيجةٍ مفادها أنه لا فرصة لهم في العودة إلى السلطة، إلا إذا نسفوا أمن المواطنين نسفًا شاملا. ومعلومٌ أن أفضل وسيلة للقضاء على ثورة شعبٍ ما، هي إفقاده أمنه ونسف نمط حياته المستقرة. فذلك سيقوده، وبالضرورة، إلى أن ينسى ثورته تحت الضغط الهائل لانعدام الأمن والاستقرار وتلاشي فرص العيش الكريم. وبتراكم ضغوط المعاناة والتشرد وشظف العيش، تتقزَم تطلعاته، فتنحصر في مجرد حلم العودة إلى الأوضاع السابقة. بل، تصبح الأوضاع السابقة، مع كل مظالمها وسوئها وقبحها، حلمًا هو غاية المأمول.
نجح هذا الأسلوب في تفريغ مدينة الخرطوم من سكانها، وقد كان ذلك بمثابة ضربةٍ قاضيةٍ لمعقل الثورة ومسرحها ومكمن قوتها، حيث توجد الكتلة الأكبر من جماهيرها. وقد جرى استخدام عميل الاستخبارات الآخر، إبراهيم بقال، في إنجاز تلك المهمة الضخمة في مدن العاصمة الثلاث. ولا ينبغي أن ننسى أن كلَّ هذا الخراب الشامل، قد جرى على قاعدة: “يا نحكمكم يا نقتلكم”. وهي القولة الشهيرة التي صُوِّرَ بها أسلوب الأنظمة القمعية في التعامل مع شعوبها الثائرة. وقد أعتد الفريق الكباشي تلك المقولة، في صيغة جديدة ،حين قال: “يا سودان بفهمنا، يا مافي سودان”. وعقب ذلك، تواصل بث رسالة الفريق الكباشي هذه في إفطارات رمضان، قبل إشعال الحرب بأسبوع، بواسطة كلٍّ من أنس عمر، والحاج آدم، ومحمد طاهر آيلا، ومحمد الجزولي، وغيرهم. (راجعوا الفيديوهات على الانترنت).
بعد أن خلت الخرطوم من أكثرية سكانها، توجهت أسرٌ عاصميةٌ كثيرةٌ جدًّا إلى منطقة الجزيرة، بحكم أنها المنطقة الأقدر على استقبال النازحين، بسبب كثرة مدنها وقراها. كما أنها، إلى جانب ذلك، تتمتع بقدرٍ معقولٍ من الخدمات الأساسية، ما جعلها مقصدًا مفضَّلاً للأسر العاصمية. أيضًا، جاء كثيرون من أهل الجزيرة ممن انتقلوا منذ عقودٍ للعيش في العاصمة، إلى قراهم بسبب الحرب. أما مدينة ود مدني، فقد تزايدت فيها أعداد النازحين، في تلك الفترة، حتى أوشك العدد الكلي لسكان المدينة أن يصل إلى الضعف. لكن، الخطة الإخوانية الشيطانية في زعزعة الناس انتقلت في مرحلتها الثانية من الخرطوم إلى مدينة ودمدني، وإلى ولاية الجزيرة المكتظة بالنازحين. وكان هجوم كيكل على ودمدني هو الوسيلة لتنفيذ هذا الفصل الثاني من فصول الزعازع والتهجير. فحاق بالجزيرة المنكوبة، التي أضحت ملجأَ للهاربين، ما حاق قبلها بالعاصمة. ومرَّةً ثانيةً، نزح الذين هربوا إلى الجزيرة، ونزح معهم هذه المرة قطاعٌ من أهل الجزيرة أنفسهم، إلى سنار، وسنجة، والقضارف، وكسلا، وبورتسودان، وغيرها من المدن التي بقيت آمنةً نسبيا.
الوسومأبو عاقلة كيكل التحول الديمقراطي الجزيرة الحرب الخرطوم السودان بورتسودان حماس د. النور حمد سنجة غزة قوات الدعم السريع كسلا ود مدني
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: أبو عاقلة كيكل التحول الديمقراطي الجزيرة الحرب الخرطوم السودان بورتسودان حماس د النور حمد سنجة غزة قوات الدعم السريع كسلا ود مدني قوات الدعم السریع من حیث
إقرأ أيضاً:
الاشتباكات تدفع 385 شخصا للنزوح من جنوب كردفان خلال يومين
الخرطوم- أعلنت المنظمة الدولية للهجرة، الثلاثاء، استمرار حركة النزوح من عدة مناطق في ولاية جنوب كردفان جنوبي السودان، حيث نزح 385 شخصا خلال اليومين الماضيين.
يأتي ذلك في ظل اشتباكات متواصلة بالولاية بين الجيش السوداني من جانب و"قوات الدعم السريع" والحركة الشعبية المتحالفة معها من جانب آخر.
وأفادت المنظمة الدولية في بيان، بأنه خلال يومي الأحد والاثنين الماضيين، نزح ما يقدر بـ385 شخصاً من مدينتي كادوقلي والدلنج وقرى تابعة لمدينة هبيلا بولاية جنوب كردفان، بسبب تفاقم انعدام الأمن.
والأحد، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة، نزوح ألفين و245 شخصا من ولاية جنوب كردفان، بين 28 و30 مايو/ أيار الماضي، جراء تدهور الأوضاع الأمنية.
وحسب آخر إحصائية إجمالية للمنظمة الدولية للهجرة في 11 فبراير/ شباط الماضي، نزح أكثر من 132 ألف شخص من ولايات كردفان، الثلاثاء، شمال وغرب وجنوب، منذ 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2025.
وبجانب إقليم دارفور ومنطقة النيل الأزرق، تشهد ولايات كردفان الثلاث اشتباكات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
ومنذ أبريل/ نيسان 2023، يخوض الجيش السوداني وقوات الدعم السريع حربا، بسبب خلاف بشأن دمج الأخيرة في المؤسسة العسكرية، ما تسبب بإحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، ومقتل عشرات الآلاف ونزوح ولجوء نحو 13 مليون.