دوامة الصمت.. ووجع المُسرَّحين
تاريخ النشر: 10th, November 2025 GMT
خالد بن حمد الرواحي
ثلاثية الألم الإنساني: تربيةٌ مربَكة، وأُسَرٌ مضطربة، ونفوسٌ مُنهكة، بينما يتصدّر المشهد أثر ووجهٌ اقتصادي فقط.
في زاويةٍ من البيت، يجلس أبٌ كان بالأمس ينهض قبل الفجر إلى عمله، يعود اليوم ليحصي الأيام في صمتٍ ثقيل. على الطرف الآخر من الطاولة، يراقبه ابنه بنظرةٍ حائرة، لا يفهمها تمامًا، لكنه يشعر أن شيئًا انكسر في صورة القدوة التي اعتادها.
تتكرَّر هذه القصة بصيغٍ مختلفة في بيوتٍ كثيرة؛ غير أن أثر التسريح لا يقف عند حدود الراتب أو الحساب البنكي؛ بل يمتد بصمتٍ إلى أعماق الأسرة والتعليم والنفس. وبينما ينشغل الخطاب العام بالأرقام والتقارير والآثار الاقتصادية لتسريح القوى العاملة الوطنية، يبقى الوجع التربوي والأسري والنفسي في الظلّ، كأنه لا يستحق أن يُسمع أو يُروى.
على المستوى التربوي، يُخلخل التسريحُ صورةَ القدوة في وجدان الأبناء. فحين يفقد الأب أو الأم عمله، لا يتلاشى الدخل فحسب؛ بل تتوارى معه رمزيةُ الانضباط والجدوى. يتحوّل الحديث في البيت من أحلامٍ واسعة إلى حساباتٍ ضيّقة، ومن إشراقة الأمل إلى ظلال الحذر؛ وفي زوايا هذا التبدّل الصامت، تبدأ العيون الصغيرة تلتقط ملامح التغيير.
يرى الطفل والده يطرق الأبواب بحثًا عن فرصة، أو يقلب أوراقًا لا تُثمر، فيتسلّل إلى نفسه إحساسٌ مبكر باللاجدوى؛ وكأن المستقبل يُورَّث قلقًا لا طموحًا. وهكذا تصل رسالةٌ صامتة إلى الجيل الجديد مفادها أن العمل لا يُكافأ دائمًا، وأن التفوّق لا يضمن الأمان. إنّها أزمةٌ تربوية تربك مفهوم القدوة، وتُضعف ثقة الأبناء بقيمة الاجتهاد.
وعلى المستوى الأُسري، لا يطرق التسريح باب الفرد وحده؛ بل يدخل البيت كله دون استئذان. تتبدل العلاقات التي كانت تقوم على الطمأنينة، ويغدو الهدوء اليومي مشوبًا بالقلق؛ فالمصاريف الصغيرة تتحول إلى نقاشٍ متوتر، والالتزامات إلى عبءٍ صامتٍ يتكرر كل مساء.
يشعر الأب بالعجز أمام احتياجات أسرته، وتشعر الأم بثقل المسؤولية وهي تحاول التماسك أمام الأبناء. ومع كلّ يومٍ جديد، يتحول الصمت إلى لغةٍ مشتركة في البيت؛ فيتجنب الجميع الحديث عن المال أو المستقبل، خشية جرح الكرامة أكثر من ضيق الحال. تلك الهزّة لا تُقاس بالأرقام، لكنها تُحدث شرخًا خفيًا في دفء العلاقات، وتربك توازن الأدوار داخل الأسرة، وتهزّ الثقة بين أفرادها.
أما على المستوى النفسي، فالأثر أشدّ عمقًا وإن خفيَ عن العيون. فالتسريح لا يُفقد الإنسان وظيفته فحسب، بل يخلخل إحساسه بذاته وبقيمته في المجتمع. يشعر المُسرَّح أن سنوات عطائه اختُزلت في ورقة إنهاء خدمة، وأن خبرته التي كانت تُقدَّر بالأمس صارت اليوم بلا وزنٍ في سوقٍ لا يتّسع للجميع. تتكاثر الأسئلة في داخله: هل قصّرت؟ أم أن الظرف كان أقوى؟ وهل ما قدّمه طوال تلك السنوات كان يستحق هذا الختام البارد؟
ومع مرور الوقت، يتحوّل هذا القلق إلى انسحابٍ صامتٍ من الحياة العامة؛ يتراجع التواصل الاجتماعي، وتبهت الرغبة في المشاركة، ويغدو الصمت ملجأً للهروب من نظرات الشفقة أو أسئلة الفضول. وقد تتفاقم هذه المشاعر لتتحول لدى بعض الأفراد إلى اضطراباتٍ نفسية حقيقية؛ كالقلق المزمن أو الاكتئاب أو الأرق المستمر، ما يستدعي دعمًا مهنيًا ومجتمعيًا يعيد التوازن إلى حياتهم. وهكذا تضعف الدافعية، وتبتعد فرص العودة إلى سوق العمل، ليبدأ فصلٌ جديد من الانكسار الصامت الذي لا تُرصده الإحصاءات، لكنه يترك أثره في الوجدان.
في ضوء ما سبق، يمكن فهم هذا الصمت المتزايد تجاه قضايا المسرَّحين في إطار ما تعرفه دراسات الإعلام بـ"دوامة الصمت"؛ إذ تميل الغالبية إلى كتمان آرائها عندما تشعر أن صوتها يخالف الموجة السائدة أو ما يُروَّج له في الفضاء العام. وحين تُقدَّم صورةٌ عامة تُظهِر رضا المجتمع بالإجراءات المتخذة، يتردّد كثيرون في التعبير عن استيائهم، خوفًا من الوصم أو الاتهام بعدم التفهُّم.
ومع مرور الوقت، يتّسع الصمت وتضيق مساحة الحوار الحقيقي؛ فيغيب صوت المتألمين، ويعلو صوت المروّجين للرضا، فتبدو الصورة العامة مستقرة بينما يغلي تحتها وجعٌ مكتوم لا يجد من يُصغي إليه.
وفي زمن المنصّات الرقمية، تتعقّد الظاهرة أكثر وسط ضجيج الآراء وتدفق المحتوى؛ إذ يسهم بعض المؤثرين والمشاهير في تكريس الصورة ذاتها، عبر تلميع القرارات أو حجب تداعياتها الإنسانية. وهكذا تستمد بعض الجهات الرسمية قوتها من رضا مُصطنعٍ لا يعكس الواقع، بينما تبقى الأغلبية المتضرّرة صامتةً بين الخوف والإحباط والحياء، كأنها تهمس بما لا يجرؤ على البوح.
إنّ ما يواجهه المسرَّحون من العمل ليس أزمةً اقتصادية فحسب؛ بل قضية إنسانية شاملة تمسّ قيم التربية، واستقرار الأسرة، وصحة المجتمع النفسية. ومن الخطأ اختزالها في لغة الأرقام أو نسب التوظيف، لأن الأثر الأعمق يحدث في النفوس التي تحاول الصمود بصمت.
آن الأوان لفتح هذا الملف بصوتٍ وطنيٍّ صادق، يوازن بين عرض التحديات والبحث عن الحلول، ويعيد الثقة بين المجتمع ومؤسساته. فالصمت لا يصنع استقرارًا، والرضا القسري لا يبني ثقة، والشفافية في طرح الحقائق لا تُضعف الدولة، بل تقوّيها.
وحين يجد المواطن منبرًا آمنًا يعبّر فيه عن وجعه دون خوفٍ أو تبرير، تتحول دوامة الصمت إلى دائرة إصغاءٍ وبناء، ويبدأ الإصلاح من حيث يجب أن يبدأ: من الاعتراف بالألم، لا من إخفائه؛ فالأمم لا تُشفى بالتجاهل؛ بل بالصدق مع ذاتها.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
التربية والوعي أساس لحفظ وتماسك النسيج المجتمعي
في المجتمعات التي تتعرض للاهتزازات الكبرى، لا يكون الخطر الأكبر في ضياع بعض الموارد أو تعثر بعض المؤسسات فحسب، بل في اهتـزاز الوعي نفسه، وفي تراجع المعاني التي كانت تجمع الناس حول قيم مشتركة تحفظ لهم وحدتهم وتماسكهم.
ومن هنا تأتي التربية والوعي لا بوصفهما ملفين ثانويين، بل باعتبارهما الركيزة الأولى في بناء المجتمع وصيانة نسيجه من التشقق والتفكك.
فالمجتمع الذي يفقد بوصلته التربوية، ويضعف فيه الوعي، يصبح أكثر عرضة للفرقة، وأكثر قابلية للاختراق، وأقل قدرة على الصمود أمام الأزمات.
إن التربية الحقيقية ليست مجرد تلقين للمعارف، ولا حشو للأذهان بالمعلومات، بل هي صناعة للإنسان، وصياغة للضمير، وبناء للاتزان الداخلي الذي يجعل الفرد أكثر قدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، وحين تتأسس التربية على القيم الإيمانية والإنسانية الأصيلة، فإنها لا تخرّج أفراداً صالحين فقط، بل تبني مجتمعاً متراحمًا، متعاوناً، قادراً على تجاوز المحن دون أن يفقد هويته أو أخلاقه.
أما الوعي، فهو البصيرة التي تمنع الإنسان من أن يكون أداة في يد غيره، أو ضحية للثقافات المغلوطة والعقائد الباطلة ، أو أسيراً للانفعال اللحظي.
الوعي يعلّم الناس أن ينظروا إلى الأحداث بعقل مفتوح، وأن يفرقوا بين من يريد لهم الخير ومن يوظف آلامهم لمصالحه. وفي أزمنة الفوضى والحروب، يصبح الوعي سلاحاً لا يقل أهمية عن أي وسيلة أخرى، لأنه يحمي المجتمع من الانجرار إلى مؤامرات العدو، ومن الوقوع في فخ الشائعات والحرب الناعمة.
وإذا كانت التربية تُنشئ الإنسان من الداخل، فإن الوعي يحصنه من الخارج. ولذلك فإن بناء النسيج المجتمعي يبدأ من الأسرة أولًا، حيث يتشكل الطفل على معنى الاحترام والمسؤولية والانتماء، ثم تنتقل الرسالة إلى المدرسة، حيث يتسع الأفق وتُصقل الشخصية، ثم إلى المسجد والإعلام والمؤسسات الثقافية، حيث تترسخ القيم وتتحول إلى سلوك عام. وعندما تتكامل هذه المؤسسات في أداء دورها، يصبح المجتمع أكثر قدرة على حماية نفسه بنفسه، وأقل اعتماداً على ردود الأفعال المتأخرة.
وفي السياق اليمني على وجه الخصوص، تزداد أهمية التربية والوعي، لأن المجتمع الذي واجه أعواماً من العدوان والحصار والضغوط لا يحتاج فقط إلى الإغاثة، بل إلى إعادة بناء الإنسان من الداخل. فالصبر الذي أبداه اليمنيون، والكرامة التي حافظوا عليها، والصمود الذي أذهل العالم، كلها تحتاج إلى حاضنة تربوية ووعي راسخ حتى لا تضيع تضحيات الشهداء في ضجيج اللحظة.
إن الأوطان لا تُحفظ بالسلاح وحده، بل تُحفظ أيضاً بالمدرسة، وبالقدوة، وبالخطاب المسؤول، وبالعقل الذي يرفض الانكسار.
ومن أخطر ما يهدد النسيج المجتمعي اليوم أن يتحول الاختلاف إلى عداوة، وأن تصبح التفاصيل الصغيرة سبباً لتفكيك الكبير المشترك.
وهنا تبرز وظيفة التربية الواعية في تعليم الناس أدب الخلاف، وفي غرس ثقافة التعاون رغم التباين، وفي ترسيخ فكرة أن قوة المجتمع لا تأتي من تماثله الكامل، بل من قدرته على إدارة تنوعه دون أن ينقلب إلى صراع. فالمجتمع المتماسك ليس ذلك المجتمع الذي لا يعرف الخلاف، بل الذي يعرف كيف يضبطه، ويمنع تحوله إلى قطيعة أو خصومة مدمرة.
إن الوعي الحقيقي لا يكتفي بكشف الأخطاء، بل يدفع إلى الإصلاح. والتربية الحقيقية لا تكتفي بالتحذير من الانحراف، بل تزرع البديل النظيف، وتفتح للناس أبواب الأمل والعمل. ومن هنا فإن بناء مجتمع متماسك يبدأ من مشروع طويل النفس، يربط بين الإيمان والمعرفة، وبين القيم والسلوك، وبين الحرية والمسؤولية. وحين يشعر الإنسان أن كرامته مصونة، وهويته محترمة، ومستقبله محفوظ، فإنه يكون أكثر استعدادا للعطاء، وأكثر التزاما بالمصلحة العامة، وأكثر وفاءً لمجتمعه ووطنـه.
إن التربية والوعي ليسا ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية لأي أُمّـة تريد أن تبقى. وتحفظ الأجيال من الضياع، ويستعيد المجتمع قدرته على النهوض من جديد.
وفي زمن كثرت فيه الجراح، تظل التربية الصادقة والوعي الصافي هما الطريق الأقرب إلى شفاء النفوس، وحماية الصف، وصون النسيج المجتمعي من كل ما يهدده بالتمزق والانكسار.