دورة الألعاب الوطنية في الصين.. قوة دافعة لبناء دولة رياضية عصرية
تاريخ النشر: 10th, November 2025 GMT
تشو شيوان **
افتُتِحت دورة الألعاب الوطنية الخامسة عشرة في منطقة خليج قوانغدونغ- هونغ كونغ- ماكاو الكبرى يوم الأحد الماضي، وأجد أن هذا الحدث الرياضي الكبير الذي يُقام في الوقت الذي تُوشك فيه الأهداف والمهام الرئيسية للخطة الخمسية الرابعة عشرة على الانتهاء بنجاح ليس مجرد فعالية رياضية عابرة؛ بل حدث يحمل دلالات عميقة على مسار الصين نحو بناء دولة رياضية قوية، خصوصًا وأن هذه الدورة تأتي في الوقت الذي تقترب فيه الأهداف الرئيسية للخطة الخمسية الرابعة عشرة من الاكتمال، وهذا يجعل من هذه الألعاب منصة مهمة لتجسيد ما حققته الصين في مجال الرياضة، وفرصة لدفع هذا القطاع نحو آفاق أوسع مستقبلًا.
إن قوة الأمة ترتبط بقوة رياضتها، وبرأيي فإن ما شهدناه خلال السنوات الماضية يؤكد هذا الارتباط بوضوح، فمنذ المؤتمر الوطني الثامن عشر للحزب الشيوعي الصيني، أولت الدولة اهتمامًا استراتيجيًا للرياضة باعتبارها جزءًا من مشروع النهضة الوطنية، ومن خلال استضافة أحداث رياضية كبرى مثل دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين ودورة الألعاب الآسيوية في هانغتشو، إلى جانب الإنجازات البارزة للرياضيين الصينيين في الدورات الأولمبية في الخارج مثل دورة باريس، نستطيع القول إن الصين قطعت خطوات ملموسة نحو بناء دولة رياضية قوية، والألعاب الوطنية كانت دائمًا رافعة أساسية لهذا التقدم، باعتبارها الحدث الرياضي الأكثر شمولًا وتأثيرًا على مستوى البلاد.
ومن وجهة نظري، فإن دورة الألعاب الوطنية الخامسة عشرة تحمل ميزة جديدة تعكس تطور البيئة الرياضية في الصين، حيث لم تقتصر المشاركة على الفرق الممثلة للمناطق الإدارية المحلية فقط؛ بل شاركت أيضًا جمعيات رياضية متخصصة، ودخلت الجامعات والأندية الاجتماعية للمرة الأولى، وهذا يعكس رؤية وطنية لدمج الرياضة التنافسية مع الرياضة الجماهيرية، بحيث يصبح لكل فرد فرصة أن يكون جزءًا من هذا المشهد، وتضم فعاليات الرياضة الجماهيرية 23 فئة رئيسية و166 فئة فرعية. ويشارك في النهائيات حوالي 11 ألف رياضي، وهذه خطوة مهمة تعكس مفهوم “الألعاب الوطنية للجميع” لا للأبطال وحدهم، وفي الوقت نفسه تتماشى هذه الدورة مع الاتجاهات الرياضية العالمية، خصوصًا في إدراج رياضات أولمبية ناشئة مثل التسلُّق والتزلج على الألواح؛ مما يوفر منصة لنشر هذه الرياضات داخل المجتمع الصيني ويعزز من انتشار ثقافة الحركة والنشاط لدى الشباب، وأرى أن هذا التكامل بين الرياضات التقليدية والحديثة يمثل خطوة أساسية في بناء مجتمع رياضي حيوي ومتوازن.
وتُعدّ دورة الألعاب الوطنية أيضًا مُحركًا مُهمًا لتعزيز اللياقة البدنية الوطنية؛ ففي كل دورة من دورات الألعاب الوطنية، يجتاح شغف رياضي كل أنحاء البلاد، حيث تُلهم الروح القتالية للرياضيين مئات الملايين من المشاهدين، وتُحوّل حماسهم لمشاهدة الألعاب إلى أنشطة اللياقة البدنية. ومنذ بداية الخطة الخمسية الرابعة عشرة، تم بناء حوالي 2000 حديقة رياضية ومنشأة أخرى على مستوى البلاد، إضافة إلى أكثر من 20 ألف كيلومتر من مسارات اللياقة البدنية، وقد دفعت الألعاب الوطنية نحو التحسين المستمر لمرافق اللياقة البدنية، مما يخفف بشكل فعال من مشكلة "مكان ممارسة الرياضة"، وعلاوة على ذلك يوفر الانتشار الواسع لمفاهيم اللياقة البدنية العلمية خلال الألعاب الوطنية للجاهير إرشادات لياقة بدنية أكثر احترافية وشخصية.
وتُقام دورة الألعاب الوطنية هذه المرة بشكل مشترك بين قوانغدونغ وهونغ كونغ وماكاو، وهي ليست مجرد ممارسة مبتكرة في تاريخ استضافة الألعاب الوطنية فحسب؛ بل هي أيضًا ممارسة مبتكرة لمبدأ "دولة واحدة ونظامان" في المجال الرياضي، فهي تكسر الحواجز الإقليمية، وتعزز التنمية الإقليمية المنسقة، وتساهم في تقديم "حل صيني" لاستضافة الأحداث العالمية والتعاون عبر الحدود. والتزامًا بمبادئ "الأخضر، المشترك، المفتوح، النظيف" ومتطلبات استضافة الأحداث "البسيطة، الآمنة، والمثيرة"، لن تتضمن هذه الألعاب الوطنية بناء أي ملاعب كبيرة جديدة. وقد تم تحديث وتجديد أكثر من 90% من ملاعب المنافسات من الملاعب الحالية؛ ما يعكس نهجًا تنمويًا صديقًا للبيئة، منخفض الكربون، وفعّالًا.
إنَّ بناء دولة رياضية قوية بحلول عام 2035 هو هدف حدده المؤتمر الوطني العشرون للحزب الشيوعي الصيني. ونجاح استضافة دورة الألعاب الوطنية سيزيد من حماس الشعب للرياضة، ويساهم في بناء الصين الصحية، ويدفع تطوير الرياضة في الصين إلى مستوى جديد. وتغتنم الصين دورة الألعاب الوطنية كفرصة لتعزيز روح الرياضة الصينية، والمضي قدمًا نحو هدف بناء دولة رياضية قوية وإظهار الدور الكبير للرياضة في مسيرة تحديث الصين.
وفي النهاية.. أعتقد أن دورة الألعاب الوطنية ليست مجرد منافسة على الميداليات أو أرقام الإنجاز؛ بل هي تجسيد لرؤية أوسع تهدف إلى جعل الرياضة قوة ناعمة في الصين، وجزءًا من أسلوب حياة وصناعة مستقبلية تساهم في تعزيز الثقة الوطنية وتحقيق التنمية الشاملة للمجتمع.
** صحفي في مجموعة الصين للإعلام، متخصص بالشؤون الصينية وبقضايا الشرق الأوسط والعلاقات الصينية- العربية
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
بعد السيارات الاقتصادية.. الصين تستهدف عرش السيارات الفاخرة في أوروبا
لم تعد المنافسة الصينية في سوق السيارات الأوروبية تقتصر على تقديم طرازات كهربائية منخفضة التكلفة، بل دخلت مرحلة جديدة تستهدف الفئة الأعلى ربحية في الصناعة، مع استعداد مجموعة من شركات التكنولوجيا الصينية لدخول سوق السيارات الفاخرة، في تحد مباشر لعلامات ألمانية عريقة مثل مرسيدس-بنز وبي إم دبليو وبورشه.
وبحسب صحيفة فايننشال تايمز، تقود شركة شاومي هذه الموجة الجديدة، بعدما أعلنت خططا لدخول السوق الأوروبية العام المقبل، واختارت ألمانيا، أكبر أسواق السيارات في القارة وأكثرها تنافسية، نقطة انطلاق لاستراتيجيتها، واضعة هدفا يتمثل في أن تصبح ضمن أكبر خمس علامات للسيارات الفاخرة في أوروبا بحلول عام 2030.
ولا تتحرك شاومي وحدها، إذ تستعد شركات مثل إكس بينغ (Xpeng)، ولي أوتو (Li Auto)، وآيتو (Aito) المدعومة من هواوي، لتوسيع حضورها الخارجي، مستفيدة من الخبرة التي اكتسبتها في أكبر سوق للسيارات الكهربائية في العالم.
من المنافسة السعرية إلى المنافسة التقنيةواعتمدت الشركات الصينية خلال السنوات الماضية على الأسعار المنخفضة لاختراق الأسواق الخارجية، لكن الموجة الجديدة تراهن على التكنولوجيا أكثر من السعر.
وتشير فايننشال تايمز إلى أن هذه الشركات تقدم نفسها بوصفها شركات تكنولوجيا تصنع سيارات، وليس شركات سيارات تطور بعض التقنيات، وهو ما يظهر في تركيزها على أنظمة القيادة الذاتية، والبرمجيات، والذكاء الاصطناعي، وتجربة الاستخدام الرقمية.
ولهذا السبب استعانت شاومي بمهندسين ومصممين سبق لهم العمل في بي إم دبليو وبورشه وتسلا، ضمن خطة لتطوير سيارات قادرة على منافسة العلامات الأوروبية في الفئة الفاخرة.
ويرى محللون أن المستهلك الصيني، وخاصة فئة الشباب، كان المختبر الأول لهذه الإستراتيجية، إذ نجحت هذه الشركات في بناء قاعدة جماهيرية واسعة داخل الصين قبل التوجه إلى الأسواق الخارجية.
إعلانولم يعد الوجود الصيني في أوروبا ظاهرة هامشية، فبحسب الصحيفة، استحوذت العلامات الصينية خلال النصف الأول من العام على نحو 9% من مبيعات السيارات الجديدة في أوروبا، و15% في المملكة المتحدة، بينما كانت سيارة واحدة من كل عشر سيارات بيعت في أوروبا خلال مايو/أيار صينية الصنع.
وتتوقع شركة "أليكس بارتنرز" الاستشارية ارتفاع هذه الحصة إلى نحو 16% داخل الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030، وهو مستوى يقترب من الحصة المجمعة للعلامات اليابانية والكورية.
أوروبا.. المعركة الأصعبورغم هذا التوسع، لا تزال الفئة الفاخرة تمثل أصعب اختبار أمام الشركات الصينية. فالعلامات الألمانية لا تبيع سيارات فحسب، بل تمتلك إرثا يمتد لعقود، وقاعدة عملاء ترتبط بالعلامة التجارية أكثر من ارتباطها بالمواصفات التقنية.
ولهذا يشكك بعض موزعي السيارات الأوروبيين في قدرة الوافدين الجدد على تغيير موازين هذه السوق، مشيرين إلى أن شركات يابانية وكورية حاولت لعقود اختراقها دون نجاح كبير.
وقال بوركهارد فيلر، رئيس اتحاد وكلاء السيارات الألمان، إن العلامات الألمانية راسخة بقوة في قطاع السيارات الفاخرة، متوقعا ألا تتمكن الشركات الصينية الجديدة من تكرار نجاحها المحلي داخل أوروبا.
هواوي تدخل من الباب الخلفيولا تقتصر المنافسة على شركات تصنيع السيارات. فبحسب فايننشال تايمز، تتحول هواوي تدريجيا إلى لاعب رئيسي في صناعة السيارات العالمية من خلال تطوير أنظمة التشغيل والرقائق الإلكترونية وتقنيات القيادة الذكية، بعد أن دفعتها العقوبات الأمريكية إلى تعزيز قدراتها في صناعة أشباه الموصلات.
وتتعاون الشركة حاليا مع ست علامات صينية، بينما تعد "آيتو" أكثرها تقدما في خطط التوسع الخارجي، مع استهداف أوروبا والشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
ويرى محللون أن الموجة المقبلة لن تعتمد على خفض الأسعار كما حدث في السنوات الماضية، بل ستسعى إلى التموضع بين السيارات الصينية منخفضة الكلفة والعلامات الأوروبية الفاخرة، بما يحقق هوامش ربح أعلى.
لكن هذا التوجه لا يخلو من المخاطر، إذ يخشى بعض الخبراء انتقال حرب الأسعار التي يشهدها السوق الصيني إلى أوروبا، وهو ما قد يضغط على الشركات الألمانية حتى في الفئات الأعلى سعرا.
وقال تو لي، مؤسس شركة "ساينو أوتو إنسايتس"، إنه سيكون قلقا لو كان مسؤولا في مرسيدس أو بي إم دبليو أو بورشه، لأن المنافسة المقبلة لن تدور حول السعر فقط، بل حول التكنولوجيا أيضا.
تحديات ما بعد البيعورغم الزخم الذي تتمتع به الشركات الصينية، فإن نجاحها في أوروبا سيعتمد على عوامل تتجاوز جودة السيارات.
فالعديد من هذه الشركات يعتمد على البيع المباشر للمستهلكين عبر متاجره الخاصة، بدلا من شبكات الوكلاء التقليدية، وهو نموذج لم يحقق نجاحا كبيرا في أوروبا، واضطرت بعض الشركات الصينية إلى التخلي عنه لاحقا.
كما يثير خبراء تساؤلات حول قدرة هذه الشركات على توفير قطع الغيار، والدعم الفني، والتحديثات البرمجية على مدى سنوات طويلة، وهي عوامل تشكل جزءا أساسيا من تجربة امتلاك السيارات الفاخرة.
إعلانولا تبدو المنافسة المقبلة مجرد سباق على زيادة المبيعات، بل تمثل اختبارا لقدرة شركات التكنولوجيا الصينية على تحويل تفوقها في البرمجيات والذكاء الاصطناعي إلى مكانة راسخة داخل واحدة من أكثر الأسواق ولاء للعلامات التجارية في العالم.
فإذا نجحت شاومي ورفيقاتها في اختراق الفئة الفاخرة، فلن يكون ذلك مجرد توسع جديد للصناعة الصينية، بل بداية تحول في موازين المنافسة العالمية داخل قطاع السيارات، حيث تصبح التكنولوجيا، وليس التاريخ الصناعي وحده، العامل الحاسم في تحديد الفائزين.