قُبيل "قمة المنامة".. قراءة في قوة الاقتصادات الخليجية وتحدياتها
تاريخ النشر: 17th, November 2025 GMT
عبدالنبي الشعلة **
مع اقتراب انعقاد قمة المنامة الخليجية في الثالث من ديسمبر المقبل، تبدو دول مجلس التعاون على أعتاب لحظة اقتصادية فارقة، تحمل معها أسئلة كبرى حول مستقبل المنطقة، وقدرتها على تحويل الزخم الحالي إلى استراتيجية موحّدة تعزّز التكامل وتدعم مسار التنويع الاقتصادي. فالأرقام والمؤشرات التي تسجلها اقتصادات الخليج اليوم ليست مجرد بيانات مالية، بل هي إشارات واضحة إلى دخول المنطقة مرحلة جديدة يُعاد فيها تشكيل نموذجها الاقتصادي، وتتسارع فيها خطوات الإصلاح والتنمية استعدادًا لعقد جديد من التغيير العميق.
وفي ظل هذا السياق، يصبح من المهم قراءة الصورة الكاملة للمشهد الاقتصادي الخليجي: نقاط القوة المتنامية، التحديات المشتركة، والفرص التي يمكن للقادة الخليجيين التقاطها في قمة المنامة لتأسيس مرحلة أكثر تماسكًا وتكاملًا.
إن الاقتصادات الخليجية تتحرك بحيوية مختلفة؛ فالمملكة العربية السعودية تتبوأ موقع الصدارة اقتصاديًا بناتج محلي يتجاوز تريليون و200 مليون دولار، مدفوعًا بالمشاريع العملاقة وبرامج التحول التاريخية التي تقودها رؤية 2030. وتأتي الإمارات ثانيًا بنموذج اقتصادي مختلف تمامًا؛ إذ تعتمد على اقتصاد متنوع استطاع خلال سنوات قليلة أن يرسّخ مكانتها كمركز عالمي للتجارة والخدمات والسياحة والاستثمار.
وتواصل قطر الاعتماد الناجح على قوة قطاع الغاز المسال واحتياطاتها المالية الضخمة، بينما تحافظ الكويت على اقتصاد قوي، لكنه يحتاج- كما يعترف الكويتيون أنفسهم- إلى إصلاحات تشريعية ومالية مؤجلة. أما سلطنة عُمان فقد قطعت شوطًا مهمًا في برامج التصحيح المالي، وتتحرك بإيقاع متدرج نحو رفع مساهمة القطاعات غير النفطية. وفي البحرين، فإن صغر حجم السوق لم يكن يومًا عائقًا أمام بناء اقتصاد مرن استطاع أن يحقق أعلى نسبة خليجيًا في مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي.
هذه الفوارق لا تعكس ضعفًا أو تفوقًا بقدر ما تُظهر اختلافًا في الموارد والبنية الإنتاجية ومسارات التنمية؛ فلكل دولة تركيبتها وتحدياتها وطموحاتها، لكن نقطة الالتقاء تظل في رغبة الجميع في تجاوز الاعتماد على النفط كمصدر دخل رئيسي.
ويشكّل نصيب الفرد من الناتج المحلي أحد المؤشرات المهمة على مستوى الرفاه، وفي هذا المجال تواصل قطر تسجيل أعلى مستوى عالميًا تقريبًا، تليها الإمارات والكويت. غير أن هذا المؤشر لا يعكس بالضرورة جودة الحياة أو كفاءة الخدمات، فالسعودية والبحرين وعُمان، رغم انخفاض نصيب الفرد مقارنة بجارتيهما، تحقق تقدمًا مستمرًا في تحسين الخدمات العامة وتطوير البنية التحتية وخلق فرص عمل نوعية، إن ما يهم اليوم ليس الرقم ذاته، بل كيفية استخدامه في بناء اقتصاد مستدام قادر على توفير حياة كريمة للأجيال القادمة.
إنَّ سرعة التحول نحو الاقتصاد غير النفطي هو المؤشر الأبرز في المشهد الخليجي. البحرين تتصدر بنسبة 83%، والإمارات تتقدم بنموذج بالغ التنوع، والسعودية تحقق قفزة تاريخية برفع مساهمة القطاعات غير النفطية إلى أكثر من 50% لأول مرة. هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات حسابية، بل تعبير عن تغيير جذري في طبيعة الاقتصاد الخليجي.
الكويت وعُمان، من جانبهما، تبذلان جهودًا أكبر لتسريع هذا التحول، غير أن التحدي يكمن في عمق الإصلاحات المطلوبة وفي قدرة السوق على خلق بيئة جاذبة للاستثمارات النوعية.
نعم، بالنسبة لجاذبية الاستثمار وثقة العالم، فإنَّ الإمارات تتقدم خليجيًا في جذب الاستثمارات الأجنبية؛ ووفقًا للتقرير الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر لدولة الإمارات 45.6 مليار دولار في عام 2024 بنمو 48% عن العام الذي سبقه، تليها السعودية، ثم قطر وعُمان والبحرين. ويشكل هذا الترتيب انعكاسًا لثقة المؤسسات المالية الدولية، التي تظهر بوضوح في التصنيفات الائتمانية؛ الإمارات في المقدمة (AA2)، تليها قطر، ثم السعودية والكويت (A1)، بينما تواصل عُمان والبحرين تحسين موقعهما رغم ضغوط المالية العامة.
وهذه التصنيفات ليست مجرد رأي مؤسسات؛ بل هي تكلفة تمويل، ورسالة ثقة، ونافذة لتوقعات المستثمرين تجاه قوة الاقتصادات الخليجية.
وثمة صعود واضح في قطاعات السياحة والاقتصاد المعرفي؛ فالسعودية تسجّل نموًا غير مسبوق في السياحة، مدفوعة بانفتاح تاريخي على العالم وبرامج تطوير ضخمة. والإمارات تواصل دورها كمركز سياحي عالمي جذب أكثر من 25 مليون زائر عام 2024.
قطر، بعد كأس العالم، أصبحت لاعبًا أكثر حضورًا، فيما تُحافظ البحرين وعُمان على ميزاتهما السياحية رغم شدة المنافسة.
وفي الوقت ذاته، يتشكل في الخليج اقتصاد جديد قائم على الابتكار والترقيم؛ فالبنية التكنولوجية المتقدمة وتغطية شبكات الجيل الخامس التي تتجاوز 90% في معظم دول الخليج باتت مكوّنًا أساسيًا لتحول المنطقة نحو اقتصاد معرفي قادر على المنافسة.
وتتجه دول الخليج العربية بقوة إلى الطاقة المتجددة، ليس فقط استجابة لضغوط عالمية؛ بل إدراكًا بأن النفط لن يبقى المصدر المهيمن في القرن القادم. السعودية تضع لنفسها أهدافًا ضخمة تتجاوز 27 جيجاوات، والإمارات تستثمر بكثافة في مشاريع الطاقة النظيفة، فيما تتحرك قطر والكويت وعُمان والبحرين وفق خطط متدرجة في طموحها وحجمها.
ورغم الزخم الإيجابي، تواجه دول الخليج تحديات مشتركة: وهي الاعتماد الكبير على العمالة الوافدة، ضرورة تطوير التعليم وربطه بسوق العمل، الحاجة لزيادة المحتوى المحلي في الصادرات، ومعالجة فجوات المالية العامة.
لكن الفرص أكبر بكثير؛ إذ إن سوقًا خليجية موحدة قادرة على خلق اقتصاد تريليوني جديد، قدرة حقيقية على قيادة الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، إمكانات هائلة في الطاقة البديلة، وموقع استراتيجي يربط ثلاث قارات ويؤهل الخليج ليصبح مركزًا عالميًا لسلاسل الإمداد.
إنَّ التحولات الاقتصادية التي تشهدها دول الخليج العربية اليوم ليست عابرة، بل هي جزء من مشروع تاريخي يُعيد صياغة مستقبل المنطقة. ومع اقتراب قمة المنامة، تتعزز التطلعات إلى أن يتوجه القادة نحو قرارات تعمّق التكامل، وتسرّع الإصلاح، وتدفع الاقتصادات الخليجية إلى مرحلة جديدة من القوة والتنافسية؛ إن مستقبل الخليج لن ينتظر أكثر؛ بل علينا أن نصنعه اليوم.
** كاتب بحريني
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
لماذا الغدير؟ قراءة تحليلية في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني
في كل عام، ومع حلول الثامن عشر من ذي الحجة، يتجدد حضور مناسبة الغدير في الوجدان الشعبي والإيماني لقطاع واسع من أبناء اليمن، بوصفها مناسبة ذات امتدادات دينية وتاريخية وثقافية عميقة. ومع كل موسم احتفاء، يبرز سؤال يتكرر على ألسنة البعض: لماذا الاحتفال بالغدير بعد مرور قرون طويلة على وقوعه؟ وما الذي يجعل هذه المناسبة حاضرة بقوة في الواقع المعاصر؟
هذا السؤال لا يقتصر على كونه استفساراً تاريخياً، بل يتجاوز ذلك إلى مناقشة طبيعة العلاقة بين الأمة وذاكرتها الدينية، وبين الحاضر والجذور الفكرية التي تشكل هويتها الحضارية والإيمانية.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الغدير.. استحضار للهوية وليس استدعاءً للماضي
تنطلق الرؤية المطروحة من اعتبار أن الاحتفاء بالغدير ليس حدثاً طارئاً أو ممارسة مستحدثة، وإنما يمثل امتداداً لتراث اجتماعي وثقافي متجذر في اليمن منذ أجيال طويلة، حيث عرف اليمنيون هذه المناسبة وأحيوا ذكراها تحت مسميات شعبية مختلفة، من أبرزها “يوم النشور”، في دلالة على عمق حضورها في الوعي الجمعي، ومن هذا المنطلق، فإن الاحتفال بالغدير لا يُنظر إليه باعتباره استدعاءً لحدث تاريخي منقطع الصلة بالواقع، بل باعتباره استحضاراً لمعانٍ وقيم ومبادئ ما تزال حاضرة ومؤثرة في حياة الأمة، تماماً كما تستحضر الشعوب محطات تاريخها الكبرى وأحداثها المؤسسة لهويتها.
إشكالية الانتقائية في قراءة التاريخ
تثير الرؤية تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة التعاطي مع التاريخ الإسلامي، إذ تشير إلى وجود حالة من الانتقائية في قبول بعض الأحداث ورفض أخرى، فإذا كان الحديث عن الغزوات الإسلامية الكبرى، أو عن مراحل الدول الأموية والعباسية والعثمانية، أمراً طبيعياً ومقبولاً في المجال الثقافي والفكري، فلماذا يصبح الحديث عن واقعة الغدير أو فضائل أهل البيت محل اعتراض أو تشكيك؟، هذا التساؤل يكشف عن جدل أعمق يتعلق بمعايير قراءة التاريخ الإسلامي، وما إذا كانت تخضع لموازين علمية موضوعية أم لتأثيرات مذهبية وسياسية تراكمت عبر القرون.
الغدير امتداد طبيعي لسيرة حجة الوداع
من أبرز الأفكار التي تطرحها هذه الرؤية أن حادثة الغدير لا يمكن فصلها عن سياق حجة الوداع نفسها، فالمسلمون يتحدثون باستفاضة عن مناسك الحج وخطبة عرفات وأحداث الرحلة النبوية الأخيرة، باعتبارها جزءاً من السيرة النبوية الشريفة، وبالتالي فإن تناول ما جرى في غدير خم يُعد امتداداً طبيعياً لذلك التسلسل التاريخي، وليس حدثاً منفصلاً أو طارئاً على السردية الإسلامية، وبحسب هذا المنظور، فإن واقعة الغدير تمثل محطة من محطات الرسالة المحمدية التي تستحق الدراسة والبحث والفهم شأنها شأن بقية الأحداث الكبرى المرتبطة بالسيرة النبوية.
البعد القرآني لمفهوم الولاية
تؤكد الرؤية أن أهمية الغدير لا تنبع من الحدث التاريخي فحسب، بل من ارتباطه بجملة من الآيات القرآنية التي تستدعي التأمل في مفاهيم الإمامة والولاية والطاعة والاقتداء، وتطرح تساؤلات فكرية حول دلالات عدد من الآيات التي تتناول مفهوم الولاية وأولي الأمر والإمامة والقيادة الإيمانية، معتبرة أن فهم هذه النصوص يشكل جزءاً من مسؤولية المسلم في تدبر القرآن الكريم واستيعاب معانيه، وفي هذا السياق، يُقدَّم الغدير بوصفه مناسبة لإعادة قراءة تلك المفاهيم القرآنية واستحضار مضامينها في الواقع العملي للأمة.
الولاية كمنظومة قيم لا كشعار عاطفي
من أهم الدلالات التي يبرزها الخطاب المرتبط بالغدير أن الولاية ليست مجرد شعار يُرفع أو مناسبة تُحتفل بها، بل منظومة أخلاقية وسلوكية متكاملة، فالاقتداء بالإمام علي عليه السلام، وفق هذه الرؤية، لا يقتصر على إعلان المحبة أو إحياء الذكرى، وإنما يتمثل في استلهام قيم العدالة والزهد والعلم والشجاعة والنزاهة والتضحية التي جسدها في حياته،
ومن هنا تتحول المناسبة من حدث احتفالي إلى محطة تربوية وأخلاقية تهدف إلى بناء الإنسان المؤمن الواعي والقادر على حمل مسؤولياته الدينية والاجتماعية.
الغدير وتصحيح مفاهيم الولاء والانتماء
في ظل واقع تتداخل فيه الانتماءات الحزبية والمذهبية والمصالح الضيقة، تطرح مناسبة الغدير رؤية مختلفة لمفهوم الولاء، فالموالاة، بحسب هذا الفهم، لا ينبغي أن تقوم على العصبيات أو الانتماءات الضيقة، وإنما على معيار الحق والعدل والقيم الإيمانية، وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في زمن تتسع فيه الانقسامات وتتصاعد فيه النزاعات الفكرية والسياسية، حيث يُقدَّم نموذج الإمام علي عليه السلام باعتباره نموذجاً للقيادة المرتبطة بالمبادئ لا بالمصالح.
البعد الثقافي والاجتماعي للغدير في اليمن
لا يمكن فصل الاحتفاء بالغدير عن خصوصيته اليمنية، إذ تمثل المناسبة جزءاً من الموروث الثقافي والديني لشرائح واسعة من المجتمع اليمني، وتتحول فعاليات الغدير في كثير من المناطق إلى مساحة لتعزيز الروابط الاجتماعية، وإحياء قيم التكافل والتراحم وصلة الأرحام، إلى جانب دورها في ترسيخ الوعي الديني والثقافي، كما تعكس المشاركة الشعبية الواسعة في هذه المناسبة حالة من الارتباط الوجداني بالرموز الإسلامية الجامعة التي تمثل جزءاً من الهوية التاريخية للمجتمع اليمني.
بين الذاكرة والواقع
تكشف الرؤية المطروحة أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا نحتفل بالغدير؟، بل ربما يكون السؤال الأعمق: كيف يمكن للأمة أن تحافظ على ذاكرتها الدينية والتاريخية وأن تستفيد من دروسها في بناء حاضرها ومستقبلها؟، فالأمم لا تعيش بلا ذاكرة، والمجتمعات التي تفقد صلتها برموزها وقيمها المؤسسة تصبح أكثر عرضة للتيه الفكري والتشظي الثقافي، ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الغدير باعتباره مناسبة لاستحضار معاني القيادة الصالحة والارتباط بالقرآن الكريم والاقتداء بالقيم التي جسدها الإمام علي عليه السلام، بما يسهم في تعزيز الوعي والبصيرة وترسيخ الهوية الإيمانية للأمة.
ختاما ..
يبقى الغدير أكثر من مجرد ذكرى تاريخية؛ فهو محطة لاستحضار معاني الولاء للحق والاقتداء بالنموذج الإسلامي الأصيل، وفرصة لتجديد الصلة بالقيم القرآنية والنبوية التي شكلت أساس الرسالة الإسلامية، وبغض النظر عن اختلاف القراءات والاجتهادات حول بعض تفاصيله التاريخية أو العقدية، فإن المناسبة تظل حاضرة في الوعي الشعبي والثقافي بوصفها جزءاً من التراث الإسلامي الذي يستدعي الدراسة والفهم والحوار الهادئ، بعيداً عن التعصب والانغلاق، وصولاً إلى ترسيخ ثقافة المعرفة والبصيرة والوعي.