صدى البلد:
2026-06-02@21:51:10 GMT

منى أحمد تكتب: العبقرية المصرية

تاريخ النشر: 17th, November 2025 GMT

بين عبقرية المكان وعراقة الزمان تم افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي شُيِّدَ  كصرح فخم يليق بعظمة ومهابة الأجداد وبُني بسواعد الأحفاد من البنائيين المصريين لا غرابة في ذلك، فهذا الأصيل ينحدر من ذاك العريق ،وجاءت  الاحتفالات عارمة وعفوية لملايين المصريين في جميع أرجاء المحروسة، لتمحو أي محاولة للنيل من أصالة وهوية الشخصية المصرية المتجذرة في أعماق التاريخ،  فمصر جاءت أولاً ثم دُوِّنَ التاريخ.


وعند تناول الهوية المصرية وسر صمودها في أرضٍ تُقاس حضارتها بآلاف السنين لا بالقرون فحسب، يتحتم علينا استلهام فكر عباقرتها، لفهم الكيفية التي استطاعت بها هذه الشخصية، عبر تاريخها الطويل، الحفاظ على ثباتها واستمراريتها
فقد نجحت الشخصية المصرية ،كما وثّق الدكتور جمال حمدان في موسوعته الأشهر شخصية مصر من الحفاظ على ثبات هويتها عبر التاريخ من خلال تخطي الفوارق العقائدية والعرقية، وجمعت على امتدادها التاريخي بين مكونات عدة، واستوعبت في تفاصيلها كل الثقافات الوافدة التي تعاقبت عليها لتنصهر داخل بوتقة الخصوصية المصرية، مانحة إياها تفردها  الذي جعلها عصية على الاختزال أو القسمة ،مهما كانت قوة الضغط.
اقترب الدكتور لويس عوض من هذه الرؤية، إذ ذهب إلى أن الهوية المصرية تتشكل من خليط متجانس وطبقات حضارية متتالية، الفرعونية هي قاعدتها الراسخة التي استندت إليها حضارات متعاقبة: يونانية، ورومانية، وقبطية، ثم إسلامية فعربية فأوروبية ،امتزجت هذه العناصر كلها في سبيكة فريدة متناغمة، ترتكز على ماضٍ مصر الفرعوني العريق، وهذا التنوع كان هو سر تمايزها الفريد.

وجاء التباين العقائدي ليضفي ملمحًا آخر أكثر تمييزًا في الحالة المصرية، تنوع بين المسيحية والإسلام، وكل منهما تعاقب على مصر ولكنه تشكّل وفقًا للهوى والهوية المصري.

وكانت كلمة السر وفقًا لرؤية الدكتور طه حسين في مؤلفه الأبرز مستقبل الثقافة المصرية ، والتي ضمنت حفاظ الهوية المصرية على تماسكها بمفردات فريدة، هي قدرتها على إعادة إنتاج ذاتها داخليًا، فهو يرى أن الخصوصية المصرية ظلت مرنة مستقلة ، تتكيف مع معطياتها دون أن يتمكن أحد من بلورتها أو صياغيتها, هذا التراث الأصيل بحسب عميد الأدب العربي، لم ينحرف أبدًا من كونه نصًا مقدسًا خالدًا إلى أداة أو مطية تُستغل

بينما يؤكد الدكتور ميلاد حنا في مؤلفه  الأعمدة السبعة للشخصية المصرية، أن تنوع انتماءات الشخصية المصرية منحها سحراً خاصاً وتميزاً فريداً يمزج بين عبق التاريخ وسحر الجغرافيا.
فعلي الصعيد التاريخي، تعاقبت على مصر أربع حضارات مختلفة في طبيعتها وتوجهاتها العقائدية؛ ومع ذلك  ظل الانتماء الأصيل للحضارة الفرعونية الأم، التي كانت بمثابة الحاضنة لكل ما تلاها من حضارات.
هذا التنوع لم يقتصر على الزمان، فقد كان لجغرافية المكان تأثير بالغ ، حيث ارتكزت الشخصية المصرية على ثلاثة أعمدة جغرافية رئيسية: البعد العربي الذي تتبوأ منه مصر مكان القلب النابض للأمة العربية ، والانتماء المتوسطي بفضل  إطلالتها  الساحرة على البحر ، والعمق الأفريقي كجزء لا يتجزأ من القارة الأم الحاضنة .
هذه الأعمدة السبعة الأربعة التاريخية والثلاثة الجغرافية ، كما يراها الدكتور حنا، ﻤوﺠودة داﺨﻝ ﻛﻝ منا ﺒدرﺠﺎت ﻤﺘﻔﺎوﺘﺔ تختلف باختلاف الرؤى والاﻨﺘﻤﺎءات، فلكل منا ذاتيته وخصوصيته المتفردة وانتمائه الديني والأيدلوجي التي قد تقترب كثيرا أو تبتعد قليلا بتغير المراحل والنشأة والظروف اﻠﻤﺠتمعية ، لكنها تظل في إطار أرضية مشتركة حاضنة لكل هذه التباينات والمقاربات و هذه الأعمدة، وإن لم تتساوَ في القدر، تظل مسيطرة على التركيبة الجينية لكل مصري، مكونة جوهر الهوية المصرية الأصيلة، والتي تجلت بوضوح مؤخراً في احتفالات المتحف المصري الكبير.

طباعة شارك المتحف المصري الكبي الهوية المصرية الشخصية المصرية

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: الهوية المصرية الشخصية المصرية الشخصیة المصریة الهویة المصریة

إقرأ أيضاً:

نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة

في قلب حواري المطرية، حيث تتشابك الأزقة الضيقة وتثقل الوجوه بملامح الاحتياج، تظهر أحيانًا شخصيات تفرض حضورها بقوة داخل مجتمعات مهمشة تبحث عن طوق نجاة. ومن بين هذه النماذج، برز اسم "أم صلاح" كحالة استثنائية، جمعت بين العطاء الواسع، والغموض العميق.

في ظاهرها، تبدو سيدة بسيطة، بملابس عادية، تقيم في منطقة الخارجة بالمطرية، لا توحي بأي مظهر من مظاهر النفوذ أو الثراء. لكن ما يحدث خارج هذا الإطار البسيط، يطرح تساؤلات أكبر من الصورة الظاهرة.

ففي منطقة أخرى، وتحديدًا داخل حارة ضيقة بكورنيش مسطرد، وعلى مسافة بعيدة نسبيًا من محل سكنها، استأجرت "أم صلاح" شقة تحولت مع الوقت إلى مقر دائم لنشاط واسع النطاق. هذه الشقة، التي تقع أمام سور تابع لمعسكر قوات مسلحة، وعلى مقربة من إحدى بواباته، لم تعد مجرد وحدة سكنية، بل أصبحت مركزًا لإدارة شبكة توزيع منظمة.

داخل هذا المكان، تتكدس المواد الغذائية بكميات كبيرة، وتتحرك منظومة توزيع تبدو أقرب إلى العمل المؤسسي، رغم غياب أي كيان رسمي أو تسجيل قانوني.

تشير التقديرات داخل الحي إلى أن ما يقرب من 200 أسرة تستفيد من هذا النشاط، حيث تحصل كل أسرة على نحو 1000 جنيه، إلى جانب السلع الغذائية. كما تقوم "أم صلاح" بدفع فواتير الكهرباء والمياه والغاز لبعض الأسر، وهو ما يعكس حجم إنفاق شهري ضخم، يتجاوز بكثير قدرات أي عمل فردي بسيط.

لكن التحول الأهم لم يكن في حجم العطاء… بل في طبيعته.

فمع مرور الوقت، لم يعد الدعم مقتصرًا على الأكثر احتياجًا، بل امتد في بعض الحالات إلى أشخاص لا تنطبق عليهم معايير الفقر، وهو ما يفتح باب التساؤل: هل الهدف هو الإغاثة فقط… أم بناء قاعدة نفوذ أوسع؟

ومع اقتراب المواسم الكبرى، وعلى رأسها الانتخابات الرئاسية و البرلمانية ، بدأت ملامح هذا النفوذ تظهر بشكل أكثر وضوحًا. لم يعد العطاء منفصلًا عن التوجيه، بل أصبح – وفق ما يتردد – مرتبطًا بإشارات غير مباشرة، وأحيانًا واضحة، لتوجيه الناس نحو مواقف انتخابية معينة.

وهنا يتحول الفقر من حالة إنسانية… إلى أداة تأثير.

ولتعزيز هذا الدور، لم يقتصر النشاط على الدعم المادي فقط، بل امتد إلى المجال الديني، من خلال تنظيم حلقات لتحفيظ القرآن داخل نفس الشقة، وجذب الأطفال والشباب بشكل مستمر. كما تم استقطاب بعض الأشخاص من خارج المنطقة، للإقامة داخل المقر بحجة التحفيظ، ما يجعل المكان نقطة تجمع دائمة، ليس فقط لتلقي المساعدات، بل لتلقي التوجيه أيضًا.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد.

فقد بدأت "أم صلاح" في جمع نسخ من بطاقات الرقم القومي، وشهادات الميلاد، ووثائق الزواج والطلاق، وشهادات الوفاة، بالإضافة إلى فواتير الخدمات الخاصة بالأسر التي تتلقى الدعم. هذا الكم من البيانات الشخصية، الذي يتم جمعه خارج أي إطار رسمي أو رقابي، يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة استخدامه، والهدف الحقيقي من تجميعه، خاصة و أن ظهور ام صلاح كان قبيل الانتخابات الرئاسية مباشرة .

ورغم كل هذا النشاط، لا توجد أي جهة معلنة تقف خلف "أم صلاح". لا جمعية مسجلة، ولا كيان خيري معروف، ولا مصدر تمويل واضح. كل ما هو موجود، هو شبكة توزيع واسعة، وتأثير متزايد، وغموض يحيط بكل التفاصيل.

ومع تكرار المشهد، تحولت "أم صلاح" في نظر البعض إلى ما يشبه "الشخصية المقدسة"، التي لا يجوز انتقادها أو التشكيك فيها، وهو ما يعكس مدى تغلغل هذا النموذج داخل المجتمع.

القضية هنا لا تتعلق بشخص بعينه، بل بنمط يمكن أن يتكرر في أكثر من مكان، خاصة في المجتمعات المهمشة، حيث يصبح الاحتياج مدخلًا سهلًا للتأثير، في ظل غياب البدائل والرقابة.

إن أخطر ما في هذا النموذج، ليس في حجم ما يُقدم من مساعدات، بل في غياب الشفافية، وتحول العطاء إلى أداة نفوذ ناعم، يصعب ملاحظته، لكنه شديد التأثير.

وفي النهاية، يبقى السؤال قائمًا:
هل نحن أمام عمل خيري خالص؟
أم أمام منظومة غير معلنة تستخدم العطاء كوسيلة للسيطرة والتوجيه؟
الإجابة قد تكون معقدة…
لكن تجاهل السؤال، هو الخطر الحقيقي.

من الناحية الاجتماعية، تكشف هذه النماذج عن طبيعة العلاقات داخل المجتمعات الهشة، حيث يتحول مقدم المساعدة إلى مركز ثقل اجتماعي، يعاد حوله تشكيل شبكات من الولاء والاعتماد. ومع الوقت، قد تتراجع مؤسسات الدولة أو تغيب في الوعي الجمعي لصالح هذا النوع من "الفاعل المحلي"، مما يعيد إنتاج علاقات غير متكافئة داخل المجتمع، تقوم على الحاجة بدل الحقوق، وعلى الامتنان بدل المواطنة.


أما من الناحية السياسية، فإن استمرار هذا النوع من الأنشطة خارج الأطر الرسمية يفتح الباب أمام توظيف غير مباشر للنفوذ الاجتماعي في التأثير على السلوك العام، خصوصًا في لحظات مثل الانتخابات أو الأزمات. وهنا يصبح العطاء أداة ناعمة لتشكيل الاتجاهات، دون الحاجة إلى خطاب سياسي مباشر، وهو ما يجعل رصده أو قياس تأثيره أكثر صعوبة، رغم فعاليته العالية على أرض الواقع.

طباعة شارك المطرية العطاء الثراء

مقالات مشابهة

  • هند عصام تكتب : الملك سوبك إم ساف الثاني
  • نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة
  • الأوقاف: الحفاظ على الهوية الخاصة بالقاهرة الإسلامية والخديوية أثناء التطوير.. ولا صحة للشائعات حول هدم مناطق أثرية
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • خلافات متصاعدة حول قانون الأحوال الشخصية قبل إقراره
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • "الموجة الزرقاء" تكتب التاريخ.. كيف أصبحت كوراساو أصغر دولة تبلغ كأس العالم؟
  • وزير التخطيط يستعرض التجربة المصرية في تنفيذ برامج الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية
  • رئيس الدولة: رحم الله المربي والمعلم الفاضل الدكتور محمود أحمد القيسية
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش