القرض الحسن معني بالامتثال المالي.. الحد من اقتصاد الكاش مطلب مجموعة العمل المالي
تاريخ النشر: 17th, November 2025 GMT
أعلن مصرف لبنان في بيانه الأخير عن فرض إجراءات وقائية تهدف إلى تعزيز بيئة الامتثال داخل القطاع المالي اللبناني، في خطوة تهدف إلى إخراج لبنان من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF). يأتي هذا الإعلان في وقت حساس حيث يواجه لبنان تحديات اقتصادية ومالية كبيرة، خاصة في ظل الضغوط الدولية المتعلقة بمكافحة المعاملات المالية غير المشروعة مثل غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وتتمثل الخطوة الأولى في فرض إجراءات وقائية على هذه المؤسسات التي تقوم بعمليات تداول العملات الأجنبية وتحويل الأموال من لبنان واليه. والهدف من هذه الإجراءات هو التأكد من أن الأموال التي تمر عبر هذه المؤسسات ليست ناتجة عن أنشطة غير قانونية أو مشبوهة، من خلال فرض متطلبات امتثال أكثر تشددًا على جميع الأفراد والجهات المعنية بالمعاملات النقدية. تتضمن هذه المتطلبات إجراءات عناية معزَّزة للتحقق من مصادر الأموال والمستفيدين النهائيين من هذه العمليات. ويتوقع أن تفرض خطوات إضافية على المصارف التجارية في المستقبل بهدف تعزيز نظام الرقابة عبر القطاع المالي بشكل عام.
وفي ظل هذه الإجراءات الجديدة، يواجه "القرض الحسن" وغيره من المؤسسات المالية غير المصرفية تحديات كبيرة. بما أن "القرض الحسن" يقدم خدمات مالية للأفراد، فإن تطبيق هذه الإجراءات يعني أن المؤسسة ستحتاج إلى تكثيف جهودها في مجالات التدقيق والامتثال، بما في ذلك التأكد من أن أموال العملاء لا ترتبط بأي معاملات غير مشروعة. قد تشمل هذه المتطلبات إجراء فحوصات إضافية على المستفيدين النهائيين من القروض، بما في ذلك التحقق من مصادر أموالهم. في حال عدم الامتثال الكامل لهذه المتطلبات، قد تواجه "القرض الحسن" عقوبات تتراوح من غرامات مالية إلى إغلاق المؤسسة بشكل كامل، وهو ما يمثل تحديا كبيرا أمام استمرارية عملها.
إن فرض هذه الإجراءات قد يطال أيضا المؤسسات المالية غير المصرفية الأخرى التي تقدم خدمات مشابهة، مثل شركات تحويل الأموال والصرافة، التي ستكون مطالبة بتطبيق قواعد رقابية مشددة. ومن المتوقع أن تزداد تكاليف التشغيل لهذه المؤسسات نتيجة لهذه التدابير الجديدة، خصوصا في ما يتعلق بتوظيف فرق مختصة في تدقيق المعاملات المالية وضمان الامتثال للمعايير الدولية. في الوقت ذاته، يتوقع أن يؤدي هذا التحرك إلى تحسين صورة لبنان في الساحة المالية الدولية، حيث سيكون له دور في تعزيز الثقة بمؤسسات القطاع المالي اللبناني ويسهم في إزالة لبنان من اللائحة الرمادية لـ "FATF". لكن في المقابل، قد تكون هناك تبعات على قدرة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على التأقلم مع هذه المتطلبات، مما قد يزيد من التحديات التي يواجهها القطاع المالي في لبنان.
ويقول أستاذ الاقتصاد السياسي محمد موسى"إن القرار الأخير لمصرف لبنان بفرض إجراءات وقائية على المؤسسات المالية غير المصرفية كخطوة أولى على طريق طويل يهدف إلى تعزيز بيئة الامتثال في البلاد، في محاولة جدية للخروج من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي. فوجود لبنان على هذه اللائحة لا يُعد تفصيلًا تقنيًا، بل هو انعكاس لثغرات حقيقية في مكافحة المعاملات المالية غير المشروعة، ويؤدي عمليًا إلى انخفاض الثقة الدولية بالنظام المالي وتشديد الرقابة على التحويلات، الأمر الذي ينعكس سلبًا على قدرة الاقتصاد اللبناني على التواصل مع العالم".
إن الإجراء الذي أعلن عنه مصرف لبنان يشكل، وفق موسى، إشارة أساسية إلى أن الدولة بدأت أخيرا بنهج عملي لإصلاح مسار الامتثال، خصوصًا أن المؤسسات المالية غير المصرفية تعد من أكثر نقاط الضعف في المشهد المالي، نظرًا لحجم العمليات النقدية التي تمر عبرها خارج النظام المصرفي التقليدي. وقد وضع المصرف هذه الجهات، من شركات تحويل وصرافة ومؤسسات تتعامل بالنقد، تحت رقابة أشد، وفرض عليها إجراءات تدقيق مشددة تهدف إلى منع انتقال الأموال غير المشروعة عبرها، وفرض عناية دقيقة على كل من يقوم أو يستفيد من العمليات المالية، سواء كانوا أفرادًا أو شركات.
غير أن أهمية هذه الخطوة لا تلغي، كما يؤكد موسى، حقيقة أنها جزء من مسار أطول، وأنها وحدها لا تكفي لإخراج لبنان من اللائحة الرمادية. فمجموعة العمل المالي لا تكتفي بوجود قوانين أو بيانات رسمية، بل تقيّم قدرة الدولة على تنفيذ الإجراءات على الأرض، وملاحقة المخالفين، وفرض العقوبات، والحد من الاقتصاد النقدي الذي بات يشكل الثغرة الأكبر بعد انهيار القطاع المصرفي. ولهذا السبب، تنتظر المجموعة خطوات لاحقة تشمل المصارف التجارية، وتشدّدًا أكبر في مراقبة حركة النقد، وتعاونا أوسع بين الجهات الرقابية والسلطات القضائية والأمنية. ويُفرض على الدولة السرعة في إنهاء أزمة الفجوة والمودعين لاستعادة الثقة.
وتأتي زيارة وفد الخزانة الأميركية في الإطار نفسه، إذ تهدف إلى تقييم المسارات المالية في لبنان، ورصد أبواب التحويل النقدي، وتحديد الجهات التي تعمل خارج الرقابة، ولا سيما المؤسسات التي تمارس نشاطًا ماليًا واسعًا من دون ترخيص مباشر من مصرف لبنان. وقد أدى ذلك بطبيعة الحال إلى طرح تساؤلات عن مستقبل بعض الجهات التي تشكل جزءًا من الاقتصاد الموازي، وبينها جمعية القرض الحسن التي لا تخضع لرقابة المصرف المركزي، لكنها معنية بمناخ الامتثال العام. ورغم أن الدولة لا تمتلك إطارًا قانونيًا مباشرا يتيح إغلاق هذه الجمعية، فإنها، وكما يقول موسى، ستبقى في دائرة المتابعة الدولية، وقد تتأثر بشكل غير مباشر من خلال تشديد الرقابة على الجهات التي تتعامل معها، وعلى حركة النقد المحيطة بها، الأمر الذي يحد من قدرتها التشغيلية ويضعها أمام قيود إضافية. علما أن الجمعية قانونا تخضع لوزارة الداخلية، لكن التحدي لدى الدولة يكمن في كيفية مقاربة موضوع القرض الحسن الذي له حساسية توازي حساسية السلاح ربما.
وفي ضوء كل ذلك، يمكن القول إن الإجراء الذي اتخذه مصرف لبنان كان ضروريًا، لكنه لا يشكل سوى خطوة أولى ضمن سلسلة من التدابير المطلوبة. فخروج لبنان من اللائحة الرمادية يحتاج، بحسب موسى، إلى التزام فعلي ومستمر يمتد لأشهر، ويشمل ضبط المخالفات، وتفعيل دور القضاء، وإظهار نتائج ملموسة في مكافحة الأموال غير المشروعة. وإذا استمر المسار الرقابي في الاتجاه نفسه، ورافقه تنفيذ جدي، فإن احتمالات خروج لبنان من اللائحة خلال العام المقبل تصبح واقعية. أما إذا بقيت الإجراءات حبراً على ورق، فإن لبنان سيبقى تحت الرقابة الدولية المشددة، ما يفاقم العزلة المالية ويعيق أي قدرة على استعادة الثقة أو الانفتاح على النظام المالي العالمي. المصدر: خاص "لبنان 24" مواضيع ذات صلة تفاهم بين حاكم "المركزي" وجمعية المصارف وواشنطن تدعو للحدِّ من "اقتصاد الكاش" Lebanon 24 تفاهم بين حاكم "المركزي" وجمعية المصارف وواشنطن تدعو للحدِّ من "اقتصاد الكاش"
المصدر
المصدر: لبنان ٢٤
كلمات دلالية: المؤسسات المالیة غیر المصرفیة القطاع المالی هذه الإجراءات هذه المتطلبات غیر المشروعة العمل المالی القرض الحسن مصرف لبنان فی لبنان تهدف إلى
إقرأ أيضاً:
ملف المهاجرين يشعل جدلًا واسعًا في الشارع الليبي
منذ سنوات كانت الهجرة تطرح باعتبارها أزمة عبور نحو أوروبا لكنها اليوم أصبحت قضية داخلية تشغل الرأي العام في البلاد وتثير مخاوف سياسية واجتماعية متزايدة ففي الشوارع وعلى منصات التواصل الاجتماعي وفي بيانات المؤسسات الرسمية والدولية يتصدر ملف المهاجرين غير النظاميين المشهد الليبي.
يومًا بعد يوم يتصاعد الجدل ويتنامى الغضب الشعبي مع تزايد أعداد المهاجرين في مدن وقرى البلاد خاصة مع تداول مزاعم على منصات التواصل الاجتماعي بشأن إصدار وثائق للاجئين من قبل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في طرابلس وهي مزاعم يربطها كثيرون بمخاوف من التوطين وإحداث تغيير في التركيبة السكانية للبلاد.
وفي خضم هذا الجدل تتوسع الدعوات إلى التظاهر يوم الخميس المقبل أمام مقر المفوضية في طرابلس ضمن حملة رافضة لما يصفه منظموها بمشاريع التوطين.
لكن أصواتًا أخرى تحذر من الانزلاق نحو خطاب الكراهية وتدعو إلى معالجة الملف عبر تنظيم أوضاع العمالة الوافدة وتسجيلها قانونيًا باعتبار أن المهاجرين باتوا يشكلون جزءًا أساسيًّا من قطاعات البناء والخدمات والنظافة والأعمال الحرفية في مختلف المدن الليبية.
وتأتي هذه المخاوف في وقت كانت فيه حكومة الوحدة الوطنية قد حذرت مرارًا من تنامي أعداد المهاجرين غير النظاميين، إذ قال وزير الداخلية عماد الطرابلسي في أكثر من مناسبة إن عددهم قد تجاوز 3 ملايين شخص مع تدفقات شهرية تتراوح بين 90 و120 ألف مهاجر عبر الحدود الجنوبية.
كما تحول ملف الهجرة خلال السنوات الأخيرة إلى محور رئيسي في النقاشات الأوروبية والمتوسطية بشأن الحد من تدفقات المهاجرين نحو القارة الأوروبية إذ عقدت مؤتمرات دولية عدة وأبرمت اتفاقيات أمنية بين ليبيا ودول أوروبية لدعم جهود مكافحة الهجرة غير النظامية وخفر السواحل في إطار محاولات الحد من رحلات العبور عبر البحر المتوسط ومنع وصول المهاجرين إلى السواحل الأوروبية.
غير أن منتقدين لهذه السياسات يرون أنها ركزت على الحد من تدفقات الهجرة أكثر من معالجتها من جذورها معتبرين أن الحلول الحقيقية ترتبط بدعم دول المصدر والاستثمار فيها ومعالجة الظروف الاقتصادية والأمنية التي تدفع مواطنيها إلى الهجرة.
في المقابل تؤكد منظمات دولية أن الأزمة لا يمكن معالجتها بالحلول الأمنية وحدها داعية إلى توفير مسارات قانونية للهجرة وتنظيم أوضاع المهاجرين وضمان احترام حقوقهم الإنسانية.
ومع تصاعد حالة الاحتقان دخلت المؤسسات الرسمية على خط الأزمة إذ جددت وزارة الخارجية رفضها توطين المهاجرين مؤكدة حق المواطنين في التعبير عن آرائهم وفق القانون مع التشديد على احترام حرمة مقار البعثات الدبلوماسية.
كما أعلن مجلس النواب رفضه أي مشاريع أو ترتيبات قد تؤدي إلى التسكين أو التوطين أو إحداث تغيير ديموغرافي معتبرًا أن حماية الهوية الوطنية والسيادة الليبية تمثل خطوطًا حمراء.
في المقابل أعربت الأمم المتحدة في ليبيا عن قلقها من انتشار المعلومات المضللة والخطاب التحريضي داعية إلى التحقق من المعلومات من مصادرها الرسمية والتصدي لخطاب الكراهية والتمييز.
المصدر: ليبيا الأحرار
المهاجرينرئيسي Total 0 Shares Share 0 Tweet 0 Pin it 0