المنطقة الاقتصادية الخاصّة بالدقم تبدأ في تفعيل مرتكزات استراتيجية المنطقة
تاريخ النشر: 22nd, November 2025 GMT
العُمانية: بدأت المنطقة الاقتصاديّة الخاصّة بالدّقم في تفعيل مرتكزات استراتيجيّة المنطقة التي تشمل توطين الاستثمارات والتشغيل والإدارة الفعّالة وتطوير نمط حياة متوازن وجذب السّياح والشركاء والتميّز المؤسّسي.
وقال المهندس أحمد بن علي عكعاك الرئيس التّنفيذي للمنطقة الاقتصاديّة الخاصّة بالدّقم: إن استراتيجيّة المنطقة "2025 - 2030" تركّز على توطين الاستثمارات في مختلف القطاعات بالمنطقة مع الاهتمام بتسريع تطوير وتسويق المناطق الفرعيّة في القطاعات ذات الأولويّة لتلبية احتياجات المستثمرين الحاليين والمستهدفين وتطوير القطاع السياحي وتعزيز الاستثمار في الطاقة المتجددة.
وأضاف أن العام الجاري شهد عددًا من حلقات العمل التدريبية لفريق العمل في إدارة المنطقة للتعرف على مرتكزات الاستراتيجيّة وأهدافها وتحديد مهام الفريق ودوره خلال هذه المرحلة، مشيرًا إلى أن تدشين استراتيجيّة المنطقة تزامن أيضًا مع إطلاق برنامج التحول المؤسّسي والهُويّة المحسّنة ضمن الجهود المبذولة لرفع كفاءة العاملين وتحسين تجربة المستثمرين وتعزيز الصورة الذهنية للدّقم لدى مجتمع الأعمال المحلي والدولي.
ووضح أن إطلاق استراتيجية المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم يأتي في الوقت الذي تحقق فيه المنطقة العديد من النجاحات في استقطاب الاستثمارات وتعظيم الاستفادة من البنى الأساسية التي أنشأتها الحكومة في السنوات الماضية، مبينًا أن الاستثمارات الملتزم بها في المنطقة ارتفعت بنهاية يونيو الماضي إلى أكثر من 6 مليارات و323 مليون ريال عُماني مسجلة نموًّا بنسبة 5.3 بالمائة عن مستواها في يونيو من العام الماضي والبالغ 6 مليارات و4 ملايين ريال عُماني، ما يعكس هذا النمو للبيئة الاستثمارية النّشطة والتسهيلات والحوافز المُقدمة للمستثمرين والمزايا التي تتمتع بها المنطقة.
وأكّد على أن المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم تشهد حاليًّا تنفيذ العديد من المشروعات الاستثمارية الكبرى، ففي قطاع التطوير العقاري يتم تنفيذ مشروع "ميسان سكوير الدقم" ويتمثل في مجمع أعمال متكامل يضم مكاتب للأعمال وعددًا من المباني السكنية والتجارية وبلغت نسبة الإنجاز في المشروع حوالي 80 بالمائة، وفي قطاع الصناعات الخضراء تقوم شركة "جندال للحديد" بإنشاء مصنع للحديد الأخضر وحقق المشروع نسبة إنجاز بنحو 26 بالمائة بنهاية يونيو الماضي، وفي قطاع الهيدروجين الأخضر تقوم شركة "أكمي" بتطوير مشروع الأمونيا الخضراء بطاقة إنتاجية تبلغ 100 ألف طن سنويًّا وبلغت نسبة الإنجاز في المشروع حتى يونيو الماضي 17 بالمائة، ومن المتوقع إنجاز المرحلة الأولى في يوليو من عام 2027م.
وأشار إلى أن هناك العديد من المشروعات الأخرى التي يتم إنشاؤها في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدّقم في القطاعات التجاريّة والصناعيّة والسياحيّة واللوجستيّة، موضّحًا أن النصف الأول من العام الجاري شهد إطلاق المرحلة الأولى من مشروع تصنيع توربينات الرياح بقيمة استثمارية تتجاوز 70 مليون ريال عُماني وتنفذه شركة "موارد توربين" ويختص بتصنيع توربينات الرياح بطاقة إنتاجيّة سنوية تصل إلى 1000 ميجاواط بأنواع مختلفة تشمل 6.25 ميجاواط و9.6 ميجاواط، ومن المقرر أن يدخل المشروع مرحلة التشغيل التجاري في عام 2026م ومن المتوقع أن يوفر أكثر من 1000 فرصة عمل.
وأكّد المهندس أحمد بن علي عكعاك على أن إدارة المنطقة تعمل على تنفيذ عدد من مشروعات البنية الأساسية الجاذبة للاستثمارات، إذ حققت مشروعات الطرق نسب إنجاز مرتفعة، وتم افتتاح الحركة المرورية في مشروع ازدواجية الطريق الرابط بين مطار الدقم وخزانات النفط الخام في رأس مركز بطول 51 كيلومترًا، وإنجاز نسبة 94 بالمائة من مشروع ازدواجية طريق السُّلطان سعيد بن تيمور (الجنوبي) بطول حوالي 14 كيلومترًا، وبلغت نسبة الإنجاز في المرحلة الأولى من مشروع ازدواجية الطريق الوطني 32 أكثر من 83 بالمائة والمرحلة الثانية 58 بالمائة ويبلغ إجمالي طول الطريق في المرحلتين 27 كيلومترًا.
وأشار إلى أن العام الجاري شهد إسناد مشروع الطريق الساحلي المزدوج بالمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم بطول 16 كيلومترًا، ويعد إضافة جديدة لمشروعات الطرق بالمنطقة، ويستهدف تنمية القطاع السياحي واستقطاب المزيد من المشروعات السياحية الجديدة عبر إطلالته المباشرة على بحر العرب، ويربط الطريق المنطقة السياحيّة بميناء الصيد البحري ومجمع الصناعات السمكيّة والغذائيّة، ويأتي إنشاؤه في إطار خطّة متكاملة لتطوير منظومة النّقل بالمخطّط الشامل للمنطقة.
وقال: إن إدارة المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم تركز على استقطاب الاستثمارات والعمل على تشجيع العاملين على الاستقرار في المنطقة لتكون الدقم مدينة مهيأة للعمل والعيش والإقامة، مشيرًا إلى أن الفترة الماضية شهدت الانتهاء من تنفيذ حديقة الحي التجاري بمساحة 13 ألف متر مربع وتزويدها بجميع المرافق مع التشجير ونظام الري الحديث، كما تم الانتهاء من تنفيذ مشروع الطرق الداخلية بالحي التجاري بطول 13 كيلومترًا، وتنفيذ شبكة للصرف الصحي وشبكة لتصريف مياه الأمطار في الحي، وإنجاز أعمال التشجير ونظام الري بشارع المطار، وتطوير متنزه الشاطئ.
ولفت إلى أن الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة تقوم حاليًّا بإنشاء مجمع ترفيهي مجتمعي متعدّد الأغراض بمساحة بناء تُقدّر بحوالي 1500 متر مربع، موضحًا أن المشروع يستهدف تعزيز نمط الحياة الاجتماعية ويخدم سكان وموظفي المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدّقم، ويعدّ بيئة متكاملة تتيح فرص التواصل والتفاعل الاجتماعي ضمن إطارٍ من الراحة والترفيه، مع إمكانية الاستمتاع بإطلالات طبيعية على الشاطئ، ويضم مجموعة من المرافق الحيوية ومساحات مخصصة للاجتماعات والفعاليات إضافة إلى العديد من الخدمات الأخرى، وبلغت نسبة الإنجاز في المشروع حتى يونيو الماضي أكثر من 95 بالمائة.
وحول أداء المنطقة الاقتصاديّة الخاصّة بالدّقم خلال العام الجاري، قال المهندس أحمد بن علي عكعاك إن النصف الأول من العام الجاري شهد التوقيع على اتفاقيات انتفاع جديدة باستثمارات تصل إلى 22.6 مليون ريال عُماني، وسجلت المنطقة ارتفاعًا في عدد طلبات الاستثمار التي صعدت إلى 19 طلبًا مقابل 7 طلبات في النصف الأول من العام الماضي، فيما ارتفع عدد السجلات التجارية الصادرة عن المنطقة إلى 225 سجلًّا مقابل 68 سجلًّا تم إصدارها في النصف الأول من العام الماضي، وشهدت المنطقة في إصدار 181 ترخيصًا لمزاولة الأنشطة الاقتصاديّة، و262 ترخيصًا للخدمات العامة، وإصدار 599 ترخيصًا للعمل، مؤكدًا على أن النّمو الذي شهدته المنطقة الاقتصاديّة الخاصّة بالدّقم انعكس إيجابًا على بيئة الأعمال.
وأضاف أن إجمالي عدد العاملين في المنطقة ارتفع بنهاية يونيو الماضي إلى أكثر من 12 ألفًا و400 عامل، وأتاحت المشروعات المنفذة المزيد من فرص العمل أمام الشباب العُماني ليرتفع إجمالي العاملين العُمانيين بالمنطقة إلى 3245 موظفًا مقابل 1544 موظفًا بنهاية النصف الأول من العام الماضي، وسجلت نسبة التعمين بنهاية يونيو الماضي تطوّرًا ملحوظًا متجاوزة 26 بالمائة مقابل 20 بالمائة بنهاية يونيو من عام 2024م.
ونوّه الرئيس التنفيذي للمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدّقم إلى فرص الأعمال التي أتاحتها المشروعات القائمة بالمنطقة للمؤسّسات الصغيرة والمتوسّطة التي بلغت بنهاية يونيو الماضي 541 مؤسسة من بينها 463 مؤسسة صغرى و59 مؤسسة صغيرة و19 مؤسسة متوسطة، موضحًا أن إدارة المنطقة تقدم العديد من الخدمات والتّسهيلات التي تشجع هذه المؤسّسات للعمل في المنطقة بما في ذلك تخفيض رسوم الخدمات التي تقدّمها الهيئة بنسبة 50 بالمائة مع متابعة مستمرة من قبل دائرة الشراكة والتّنمية لأداء هذه المؤسّسات وتحفيزها عبر البرامج وحلقات العمل التدريبية.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: المنطقة الاقتصادیة الخاصة بالدقم المنطقة الاقتصادیة الخاص النصف الأول من العام بنهایة یونیو الماضی المنطقة الاقتصادی العام الجاری شهد من العام الماضی إدارة المنطقة ریال ع مانی فی المنطقة کیلومتر ا ة المنطقة العدید من ة بالدقم من مشروع أکثر من إلى أن
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.