لا شك يمر على كل منا السؤال عن سر الهدوء العماني، ولعل هذا السؤال يلح حتى علينا نحن أيضًا، هل هذا الصمت مجرد ستارة لإخفاء العيوب؟ أم هو طبع أصيل في إنسان الأرض؟ ومن أين جاءه؟
غالب الظن أن السماحة التي تبدو علينا جاءتنا من الأرض؛ هي التي ألهمتنا هذا التسامي، هذا الهدوء، وهذه الطباع التي يقال إنها ملتصقة بنا.
أشياء كثيرة، وحوارات أكثر خضتها هذا الأسبوع حول الوطن، وحول الشعب، حول طباع الناس وسماتهم؛ ولعل هذه السمات هي التي نحن بحاجة اليوم إلى التعرف عليها، وإعادة إدراكها وفهمها. فمن لا يتمكن من التقدم في فهم نفسه الذاتية، كيف له أن يفهم ما حوله؟!
ولعل أكثر سؤال صادفني في هذه الحوارات إثارة كان السؤال التالي: هل نحن نخجل من ذاتنا؟ أم لدينا ما نخفيه حتى عن أنفسنا؟ وإذا لم نكن كذلك، فلماذا لا نقدم ذاتنا لأنفسنا أولًا بشكل لائق؟ لماذا نترك الأمر رهنًا بالظروف؟ وهذه سمة أخرى من سماتنا ويبدو أنها موغلة في القدم، نحن نترك أفعالنا تتحدث عمن نكون، وكأننا نشك كثيرًا في التلاعبات اللسانية ولا نمنحها ثقتنا، لذلك تكثر بيننا الأمثال التي تمدح الأفعال وتذم الأقوال، أم أن هذه كلها مجرد تهيؤات أتهيؤها؟
لا شك أننا تعبير الأرض التي نحن عليها، نحن منطوقها وكلامها، نحن بكل ما نشكله، بأفعالنا وخياراتنا وشغفنا ومشاعرنا. وفي المحصلة النهائية لحياة الإنسان يبدو أن ما يبقى كما هو واضح في إطارنا الأرضي ليس جسده ولا كلماته، بل أفعاله، وأفعاله مبنية على أساس مشاعره؛ ولذلك فإن مشاعره وشعوره وانفعالاته هي الحاسمة في وجودنا الإنساني.
أليس علينا إعادة أنفسنا لموقعها الحقيقي بدل التورط في موقع مسايرة الآخرين؟ وهل نساير نحن العالم أم نمضي في طريقنا الخاص؟ من يدري فلربما سرقتنا التيارات المعاصرة، ربما انخدعنا بالحداثة وتخلينا عن ماضينا، ألا يجب علينا إذًا العودة لمن نكون في الأصل؟ لأصولنا؛ لكن هل نعرف نحن من نكون حقًا؟ كما كنت أتساءل في بداية سلسلة هذه المقالات. وهل عرفنا بعد هذا الوقت؟ ما هو اللب الذي يمكننا العودة إليه، العصب الأساسي الذي يخترق جمعنا؟، لأن التعرف على كل ذلك يعني أن نعرف أنفسنا أكثر. ولكن هل لنا أن نعرف أنفسنا أكثر إذا أهملنا تاريخنا؟ إذا حاولنا ترشيح وفلترة ماضينا ليصبح ماضيًا ناصعًا فحسب، وأخفينا كل المناطق السوداء منه، ونحن ندرك في أعماقنا أننا بفعل ذلك إنما نخدع أنفسنا وغيرنا.
لا حاجة بنا إلى التلميع والنفاق الرخيص، فما يقدمه لنا الكذب تافه وفي حضيض الأخلاق، هل ننشد من الكذب والكذابين أن يعترفوا بنا؟ وإذا انسقنا وراء ذلك وارتضيناه لأنفسنا ألا نؤكد بذلك على أننا بدورنا مجرد كذبة اختلقناها؟ وما حاجتنا إلى كلام التفخيم والتعظيم؟ أليس واضحًا أننا إذا تلهفنا عليه إنما نؤكد على أننا صغار وحقراء؟ هذا هو الواقع الذي ندركه بالضمائر فلماذا نحتاج إلى كل ذلك، حتى فيما بين أنفسنا، فضلًا عن أن نقبله من غيرنا، وكأننا بلا قيمة ذاتية، أو كأننا نبحث عن قيمتنا في اعتراف الآخر بنا، وكأننا نحن أنفسنا لسنا معترفين بأنفسنا.
إذًا، لا حاجة لكل ذلك التهافت. نحن بحاجة حقيقية إلى ذواتنا، إلى حاضرنا كله، وإلى تاريخنا بأكمله، دون أن نسقط منه حقبة، أو نستر منه قطعة، لنقف نحن كما نحن أمام ذواتنا، أمام أجيالنا اللاحقة، لنكن صادقين مع أنفسنا وبعدها سيستقيم طريقنا، لا أكثر من ذلك، ولسنا بحاجة إلى شيء آخر غير الصدق للمضي قدمًا في طريقنا الحقيقي.
هذا هو احتفالنا بيومنا الوطني، وهنا يجب علينا مراجعة أنفسنا، هنا يجب علينا مساءلة أنفسنا بتدقيق وتأمل، إذا كنا ننشد غدًا أفضل، علينا أن نصدق مع ذواتنا، مع أبنائنا وبناتنا، مع بعضنا البعض، وبهذا الصدق وحده يمكننا تجاوز مسافات زمنية لا يمكن تجاوزها بطريقة أخرى.
اليوم يرتفع ويتعالى نقدنا على أنفسنا، وكل هذا النقد المستمر ربما يكسر شيئًا فينا، لكنه يؤكد أن هناك الكثير مما يمكن عمله، لكننا بالعادة نرمي المسؤولية على غيرنا، وهذه سمة أخرى من سماتنا، نحن بانتظار من ينتشلنا، لكننا لا نسعى لانتشال أنفسنا، ولا أدري إن كان هذا صحيحًا، لكننا اليوم أكثر من أي وقت آخر بحاجة إلى شحذ مهاراتنا وما اكتسبناه من معايشتنا الطويلة على هذه الأرض.
علينا أن نفهم الأرض لنفهم أنفسنا، هذه التضاريس التي تبدو شديدة القسوة والجفاف تحمل في داخلها أنهارًا من الحنان والرقة، ونحن الدليل على ذلك، نحن المستقبل الذي عليه أن يعمل على هذا الوعي، ولكن هل ندرك نحن أنفسنا هذا الأمر أم أننا نسينا ذلك وجرفنا التيار؟
ليكن اليوم الوطني يومًا نعيد التفكير فيه بموقعنا من أنفسنا وموقعنا من تاريخنا وموقعنا من العالم، وليكن اليوم الوطني يومًا لاحتفالنا بأنفسنا، وإعادة تنصيب أنفسنا في موقعها الأصيل من هذه التجربة الجمعية لإنسان هذه الأرض، اليوم الذي نتذكر فيه أن علينا مسؤولية تاريخية، مهمة علينا إنجازها من أجل الغد، حوارًا أكبر ننخرط فيه بقلوبنا لتصفو الأنفس والأفعال، فبذلك نكون أوفياء للأرض، حين نحترم أنفسنا عبر احترامها، وعبر إدراك أثرها العميق فينا، وتلمس هذا الأثر، ولعل ذلك يكون بداية الطريق.
لنا كما للآخرين ماضينا الذي لم يكن صعودًا كله، ولا هبوطًا، ولنا كما للآخرين خساراتنا ومكاسبنا، لحظاتنا اللامعة التي نفخر بها في تاريخنا، ومآسينا، وقد حان الوقت، إن لم يكن قد تأخر، للخروج من كل تلك الدائرة المغلقة التي تريد ابتلاعنا، لنصبح أبناء زمننا وأرضنا الأوفياء.
إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
فيديو لـمعركة وسط الطريق في لبنان.. شاهدوه
تناقل ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يوثق لحظة حصول إشكال عنيف بين مواطنين إثنين عند تقاطع الدكوانة. وأظهر الفيديو عراكاً بين الشخصين وسط الطريق، فيما السيارات كانت تمرُّ بجانبهما. أحد المواطنين كان يمكثُ داخل سيارته وثق المشهد الذي انتشر كالنار في الهشيم عبر صفحات الناشطين. View this post on InstagramA post shared by Lebanon 24 (@lebanon24.news)
مواضيع ذات صلة "بلومبرغ": ترامب يستعد لإلغاء مشاريع مراكز الهيدروجين الغربية وسط معركة الإغلاق الحكومي Lebanon 24 "بلومبرغ": ترامب يستعد لإلغاء مشاريع مراكز الهيدروجين الغربية وسط معركة الإغلاق الحكومي