«حل» الدولتين أم «حل» الدولتين؟!
تاريخ النشر: 23rd, November 2025 GMT
مضت 12 سنة حتى الآن منذ خطاب الرئيس أوباما في أبريل 2013م أمام الكنيست الإسرائيلي الذي أعطى فيه الضوء الأخضر لوزير خارجيته «جون كيري» لمنح السلام فرصة الوصول إلى حل خلال مهلة أقصاها تسعة أشهر.
في فندق الملك داوود في القدس لفت نتنياهو نظر كيري إلى أمرين: أن الناس في هذه المنطقة يكذبون كما يتنفسون، وأن أقصى ما يمكن أن يقدمه في جميع الأحوال سيبقى أقل مما يقبله الفلسطينيون.
اشترط الرئيس أبو مازن أن تنفذ (إسرائيل) واحداً على الأقل من ثلاثة: قبول التفاوض على أساس حدود العام 1967م، أو وقف الاستيطان، أو الإفراج عن أسرى ما قبل أوسلو.
رفض نتنياهو الشرطين الأول والثاني، ووافق بعد استعصاء على الشرط الأخير، لكنه فيما بعد -وكعادته دوماً- نكص بالاتفاق، ولم يطلق الدفعة الرابعة من الأسرى.
لم تفشل المفاوضات لهذا السبب وحده، بل لأن نتنياهو الذي يكذب كما يتنفس أحبط جهود الجنرال الأمريكي جون آلن، ورفض الصياغة الأخيرة للترتيبات الأمنية في الضفة الغربية والحدود مع الأردن التي وافقت عليها هيئة أركانه بالتعاون مع الفريق الأمريكي، وأجهض مفاوضات الحل النهائي في القناتين الرسمية في فلسطين، والخلفية في لندن.
كانت تلك أخر جولة تفاوض جرت مع نتنياهو، ولم تختلف النتائج ولا الأساليب والحيل عما فعله مراراً وتكراراً.
استهل نتنياهو مسيرته السياسية رئيس حكومة لأول مرة بتقديم معلومات كاذبة للكنيست الإسرائيلي عن اتفاقية «واي ريفر» التي وقعها بنفسه، وحدثت فضيحة كبيرة أدت لتقديم موعد الانتخابات وسقوط نتنياهو أمام «ايهود باراك»، لكنه قبل ذلك أفشل نقل 13 % من الأراضي للسلطة الفلسطينية، وطمس تاريخ 4 مايو 1999م كأخر مهلة للوصول لاتفاق على قضايا الوضع النهائي.
قد يفيدنا استرجاع تلك الأحداث في تكهن الكيفية التي سيتعاطى بها نتنياهو مع اتفاق وقف إطلاق النار الحالي في غزة، ومع أية تسوية ربما تلوح في الأفق.
سيكون الجهد منصباً على ما تعتقد (إسرائيل) والولايات المتحدة الأمريكية أنه الحصاد السياسي لنتائج الحرب الأخيرة، أو ما يسميه نتنياهو «تغيير وجه الشرق الأوسط»، وتسميه الإدارة الأمريكية «توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية» تحت مظلة «فتح مسار إلى دولة فلسطينية» ووقف الحرب في غزة، وسيتلاعب نتنياهو بالتفاصيل والزمن، وبمعنى «حل الدولتين»؛ لإفراغه من مضمونه أو لحصره في البند 25 من صك الانتداب الذي يقول: إنه لا مكان لدولة ثالثة بين ضفتي نهر الأردن.
ولربما تؤول الأمور إلى عواقب وتداعيات غير محمودة في المدى القريب والمتوسط يعززها التفوق الإسرائيلي العسكري الهائل، والرعاية الغربية التي لا تنقطع، لكن الفلسطينيين، ومهما نال منهم الغبن والضعف فسيظلون الطرف الأكثر تفوقاً، وبفارق هائل في النواحي الإستراتيجية التي ستحسم الصراع في النهاية: التاريخ، والجغرافيا، والديموغرافيا، وكل ما يتصل بها من تفاصيل جعلت وجودهم ممتدا وراسخا لآلاف السنين.
يعتقد الصهاينة أن أقوى ركن في روايتهم هو التاريخ بينما هو الركن الأكثر هشاشة، وسنعود لذلك في مقالات لاحقة، أما هنا فينحصر اهتمامنا بجملة من الحقائق التي تجعل أية محاولة للعبث بالأسس السياسية والقانونية للقضية الفلسطينية جهداً ضائعاً:
الأولى: أن الاعتراف بفلسطين دولة سبق زمانياً وقانونياً الاعتراف بدولة فلسطين.
وليس الاعتراف بفلسطين دولة، والاعتراف بدولة فلسطين هما الشيء نفسه، وفيما يؤسس الاعتراف الأول للحقوق الفلسطينية الثابتة والأصيلة يكشف الثاني عن جزء منها.
وللتمييز؛ فإن فلسطين الدولة التي اعترف بها في مؤتمر سان ريمو في 28 يونيو 1919م هي فلسطين التاريخية بحدودها ومساحتها الكاملة التي نعرفها، والتي وضعت تحت الانتداب البريطاني مؤقتا لمساعدتها على إدارة شؤونها، أما دولة فلسطين المعترف بها بصفة مراقب فيذكر قرار الجمعية العامة 67/ 19 الصادر في 29 نوفمبر 2012م أن حدودها هي خط الرابع من حزيران لعام 1967م، وهي الحدود التي يتوافق العالم على اعتبارها أساساً لحل الدولتين في أية تسوية منتظرة.
والحقيقة الثانية هي أننا حين نقول العبارة الرائجة والمتكررة «حل الدولتين» فالأصح والأدق سياسيًا وقانونيًا أن ننطق الجملة تامة ومكتملة «حل الدولتين في فلسطين»؛ لأن القرار 181 بتقسيم فلسطين الذي ترتبط به كل القرارات الأممية ذات الصلة، والذي يستند إليه ما يسمى «إعلان استقلال إسرائيل»، يقول بالنص: «إقامة دولتين عربية ويهودية في فلسطين» بمعنى أن (دولة إسرائيل) من الوجهة القانونية مقامة في فلسطين؛ في هذا الحيز الجغرافي السياسي «فلسطين» الذي يبقى ثابتاً لا يغفل مهما تبدلت هوية وصبغة الكيانات السياسية المقامة فيه وعلى أرضه. أما الحقيقة الثالثة فهي أن «دولة إسرائيل» بنظر القانون الدولي ليست إلا كيانا سياسيا مؤقتا، ولم ترق «إسرائيل» بأي حال من الأحوال إلى مصاف دولة مكتملة الأهلية ومكتملة السيادة؛ فالقرار 181 يؤكد «أن الفترة بين تبني الجمعية العامة توصيتها بشأن مسألة فلسطين، وتوطيد استقلال الدولتين العربية واليهودية فترة انتقالية».
وبهذا المعنى؛ فإن الفترة الانتقالية ما زالت سارية لم تنقضِ، ويشترط لانقضائها أن يتوطد استقلال الدولتين معاً، ولا يعد استقلالًا توطيد إحداهما دون الأخرى، والتقسيم ذاته، إما أن يتم بالكامل وإما ألا يتم مطلقاً.
كما أن قرار الجمعية العامة رقم 273 في 11 مايو 1949م بقبول عضوية إسرائيل صدر بعد رفض متكرر، واشترط توقيعها على «وثيقة لوزان»، وتنفيذها قرار التقسيم (181)، وقرار عودة اللاجئين الفلسطينيين ( 194)، وهي لم تنفذ أياً منهما. والحقيقة الرابعة أن «إسرائيل» كياناً وأحزاباً ـ تتمسك بلاءات ثلاث هي: رفض قيام دولة فلسطينية ـ رفض حل الدولتين ـ رفض حضور أي مؤتمر دولي للسلام. فإن استدل قائل بأنها حضرت مؤتمر مدريد للسلام فليعلم أن المؤتمر -وإن حضرته دول وأقطاب عدة- لم يكن مؤتمراً دولياً له سلطة فرض الحلول والتوصيات، ويكون فيه القانون الدولي والقرارات الدولية أساساً لأية تسوية سياسية. وحين أصرت (إسرائيل) أن يكون مؤتمرا إقليميا لا يمتلك أية صلاحيات رفعت الصفتان «دولي» و«إقليمي» عن المؤتمر، وكني بـ«مؤتمر مدريد للسلام»، ودعيت إليه الأمم المتحدة لا بصفتها طرفاً راعياً وأصيلاً، بل كمراقب.
الحقيقة الخامسة أن إقامة وطن يهودي هو مشروع استعماري تغلف بقراءة بروتستانتية للتوراة خالفت القراءة اليهودية التي تحرم الهجرة الجماعية إلى فلسطين. أما وعد بلفور نفسه فلم ينص على إنشاء دولة، بل على إنشاء وطن ومأوى، ولقي القبول لدى الفئة الأقل من يهود العالم بعد أن عدلت صياغته ست مرات؛ لضمان احتفاظهم بالمواطنة في بلدانهم الأصلية، وهو ما يفسر اليوم أن ثلثي اليهود في العالم يرفضون الهجرة إلى فلسطين، وأن أكثر من نصف سكان الكيان هم مزدوجو الجنسية. الحقيقة السادسة أنه رغم كل الاتفاقيات والتعهدات المتبادلة لم يتنازل الفلسطينيون حتى الآن عن أي حق من حقوقهم الكاملة. كتب أوري سافير رئيس وفد المفاوضات الإسرائيلي في أوسلو أن الاتفاق كان اتفاقا مؤقتا لا يؤثر على الوضع النهائي، ولا على موقف كل طرف حياله، وأن ما حصل عليه الفلسطينيون لا يجوز لإسرائيل استرداده قانونياً. وبالنسبة لرسالة الاعتراف بإسرائيل الموقعة من ياسر عرفات فلا أثر لها؛لأن الاعتراف لا يحدث إلا بين دولتين كاملتي السيادة، وشرط التنازل عن الأقاليم والأراضي في القانون الدولي أن يحدث سلميا بين دولتين كاملتي الأهلية تتمتعان بالاستقلال والسيادة.
بقي أن نقول: إن تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني إثر انعقاد جلسته في غزة بحضور الرئيس الأمريكي كلنتون لم يحدث أيضا؛ لأن التعديلات المقترحة نيط إتمامها بلجنة لم تنعقد، ولم تغير ولم تبدل.
والآن، وأمام ما يعصف بالمنطقة من أحداث، ويحدق بها من تحديات؛ ما زالت فلسطين هي الرقم الصعب في معادلة الشرق الأوسط، ومازال الشعب الفلسطيني، ووراءه شعوب الأرض قاطبة نداً لا تلين عريكته، حتى وإن بدت الأمور بظاهرها على غير ذلك.
صحيح أن الفلسطينيين رحبوا بالقرار الأمريكي الذي اعتمده مجلس الأمن، وما ألجأهم لذلك هو الحاجة الماسة لوقف المذبحة في غزة، وصحيح أنهم التقطوا بأمل وإحسان ظن الوعود بمسار نحو دولة فلسطينية، لكنهم يدركون أيضاً ما في القرار من عيوب ونواقص ومخاطر، وما زال في ذاكرتهم خطة وخريطة الطريق الأمريكية في العام 2002م التي وعدت في صياغة ولغة أكثر صراحة ووضوحاً بدولة فلسطينية، واشترطت سلسلة إجراءات نفذها الفلسطينيون جميعها، ولم يحصدوا سوى الرياح.
أما الحلول الاقتصادية والسلام الاقتصادي فتقرير شركة ماكنزي وسواه محفوظ في وثائق البيت الأبيض، وخلاصته أن لا استقر ولا ازدهار في الشرق الأوسط إلا بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.
الزمن سيف مسلط، وعلى العالم أن يغتنم فرصة الوصول إلى حل، وأن يدرك أن إجهاض حل الدولتين على حدود الرابع من يونيو 1967م، أو اللجوء للضم غير الشرعي وغير القانوني للمزيد من أراضي الضفة الغربية سيضطر الفلسطينيين إلى قلب المعادلة، والنزول للعبة بأوراق أقوى ما زالت في جعبتهم، ولم يستخدموها حتى الآن؛ مراعاة للتوافق الدولي والحلول الوسط، وليس لأي شيء آخر رغم أنها من الناحية القانونية الصرفة الأكثر رجاحة والأثقل وزناً. فإن استمرت (إسرائيل) في التصعيد والتوسع، وحاولت إزاحة حدود الرابع من حزيران شرقاً خلافاً للقانون والقرارات الدولية فبوسع الفلسطينيين الرد على الضم غير الشرعي وغير القانوني بإعلان ضم شرعي وقانوني على أساس القرار 181 يعطيهم حوالي 45% من مساحة فلسطين التاريخية بدلا من 22 % هي الأراضي المحتلة عام 1967م والتي لا يوجد أي نص أو سند قانوني باعتبارها سقفاً لحقوقهم ومطالبهم. فإن أوغلت (إسرائيل) في عدوانها وأطماعها أكثر، وقضت على حل الدولتين قضاءً مبرماً سواء على حدود الرابع من يونيو أو على حدود التقسيم -وهي ما زالت تفعل- فسيدور الزمان دورته الكاملة، ولن يعود الحل المتاح لمشكلة الشرق الأوسط، وللقضية الفلسطينية هو حل الدولتين بمعنى إقامة الدولتين: اليهودية (إسرائيل)، والعربية (فلسطين)، بل سيكون الحل الحتمي، والذي يفرضه الواقع تدريجيا بمعدلات النمو السكاني الفلسطيني المرتفعة (القنبلة الديموغرافية)، والتغلغل الاستيطاني هو العودة إلى أصل القضية رجوعا تلقائيا وإجباريا بحل وتفكيك الدولتين، والرجوع إلى الدولة الواحدة أو بالأصح فلسطين الدولة. على العالم أن يعلم أن الفلسطينيين ليسوا لقمة سائغة، وليسوا الطرف الأضعف.
محمود التميمي كاتب فلسطيني
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: دولة فلسطینیة الشرق الأوسط حل الدولتین دولة فلسطین الرابع من فی فلسطین ما زالت فی غزة
إقرأ أيضاً:
خبير: التضامن مع فلسطين يحتاج عقوبات حقيقية ضد إسرائيل
أكد الدكتور أمجد شهاب، أستاذ العلوم السياسية، أن تمسك مصر بموقفها الرافض لتهجير الفلسطينيين يمثل رسالة سياسية واضحة تبعث بها القاهرة إلى المجتمع الدولي.
خلال مداخلة هاتفية عبر قناة "إكسترا نيوز" أشار شهاب، إلى أن هذا الموقف يأتي في ظل استمرار الأوساط الإسرائيلية في الترويج لمشروع التهجير، رغم عدم التزام إسرائيل ببنود الاتفاق الأخير الذي خفّض نسبيًا من حدة المجازر.
وتابع أستاذ العلوم السياسية، أن يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني يذكر العالم بأن هناك شعبًا يعيش تحت نيران الاحتلال منذ أكثر من 77 عامًا، ولا يزال يناضل من أجل حريته وتقرير مصيره.
وأضاف أن الأزمة الإنسانية تتفاقم ليس في غزة فحسب، بل في الضفة الغربية أيضًا، مما يستدعي تدخلًا جادًا من قبل المجتمع الدولي.
وحذّر من أن بعض الأطراف الدولية تتعامل مع القضية الفلسطينية على أنها مجرد "أزمة إنسانية"، متجاهلة جوهرها كقضية تحرر وحقوق سياسية.
وأشار الخبير السياسي إلى أن الرمزية وحدها لم تعد كافية في ظل استمرار المعاناة الفلسطينية، مطالبًا بالانتقال من التضامن الرمزي إلى إجراءات عملية، تشمل فرض عقوبات سياسية واقتصادية على إسرائيل، وتجميد عضويتها في المحافل الدولية.
وأكد شهاب أن مصر لن تتردد في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، معتبرًا أن دورها الإقليمي يحتم عليها أن تكون حجر الزاوية في أي جهود مستقبلية لتحقيق السلام العادل.
لمعرفة حالة الطقس الآن اضغط هنا
لمعرفة أسعار العملات لحظة بلحظة اضغط هنا
إسرائيل خبير: التضامن فلسطين الدكتور أمجد شهاب أخبار ذات صلةفيديو قد يعجبك
محتوى مدفوع
أحدث الموضوعات