الشعر العربي بين الثبات والتحول .. ندوة فكرية بمهرجان الشارقة للشعر العربي 21
تاريخ النشر: 10th, January 2025 GMT
شهد مهرجان الشارقة للشعر العربي في دورته الحادية والعشرين ندوة فكرية حملت عنوان "الشعر العربي من الثبات إلى التحول"، والتي أُقيمت على جلستين في قصر الثقافة بالشارقة. تناولت الندوة قضايا نقدية متنوعة وسلطت الضوء على تطور الشعر العربي وأبعاده الحضارية، بحضور عدد كبير من الشعراء والمهتمين بالشعر والنقد.
ففي الجلسة الأولى التي ترأستها الناقدة التونسية الدكتورة سماح حمدي، شارك كل من الدكتور محمد أبو الشوارب (مصر)، والدكتور سلطان الزغول (الأردن)، واطتور ولد متالي لمرابط (موريتانيا),
وافتتح الدكتور محمد أبو الشوارب النقاش بورقة بحثية حملت عنوان "أوّلية الشعر العربي"، تناول فيها رحلة الشعر العربي منذ بداياته الأولى، واستعرض تاريخ نشأة القصيدة العربية وتطور بنيتها الفنية، محللاً العناصر اللغوية والصورية والشكلية التي شكلت أساسها. خلص أبو الشوارب إلى أن القيم الخلقية والاجتماعية كانت ركيزة أساسية لإنتاج الخطاب الشعري العربي منذ مراحله الأولى، مما أسهم في بروز هذه السمات في مرحلة مبكرة من تاريخ الأدب العربي.
ثم قدم الدكتور سلطان الزغول ورقته البحثية بعنوان "التناص الشعري بين القديم والحديث"، حيث استعرض تأثير النصوص الشعرية القديمة في التجارب المعاصرة. وأشار إلى أهمية التناص بوصفه آلية إبداعية استلهم من خلالها الشعراء المعاصرون التراث الشعري العربي لإعادة إنتاجه في سياقات جديدة تعكس هموم العصر وتحدياته. وأكد الزغول على ضرورة وعي الشاعر بالتاريخ الأدبي لتطوير نصوص تحمل طابعاً أصيلاً ومتجدداً.
أما الباحث الموريتاني الدكتور ولد متالي لمرابط، فقد تناول في ورقته "الرمز وتحوّل الدلالات" دور الرمزية في الشعر العربي المعاصر. استعرض قيمة الانزياح والغموض والمفارقة في إثراء النصوص الشعرية، وأوضح أن الرمزية باتت سمة بارزة في تجارب الشعراء العرب المعاصرين نتيجة لعوامل فنية وثقافية وتجريبية متعددة.
وفي الجلسة الثانية، التي أدارها الشاعر العماني عبدالرزاق الربيعي، شارك كل من الدكتور عبدالله الخضير (السعودية) والدكتورة إيمان عصام خلف (مصر).
واستهل الدكتور عبدالله الخضير النقاش بورقة بعنوان "العتبات النصية من التقليد إلى التجديد"، حيث تناول مفهوم العتبات النصية ودورها كمدخل لفهم النصوص الأدبية. وأشار إلى أن النقاد العرب القدامى اهتموا بما يُعرف بالرؤوس الثمانية في مؤلفاتهم، والتي تُعادل مفهوم العتبات في النقد الحديث. وبيّن الخضير أن العتبات النصية في الدراسات النقدية المعاصرة تُعد امتداداً لدراسات ما بعد البنيوية، حيث يُنظر إلى النصوص كبنى مفتوحة قابلة للتأويل والقراءة المتعددة.
ثم قدمت الدكتورة إيمان عصام خلف ورقتها البحثية بعنوان "القصيدة وتحولات وسائط النشر والتلقي"، حيث ركزت على المراحل المختلفة التي مر بها الشعر العربي، بدءاً من الشفاهية وصولاً إلى النشر الرقمي. وأوضحت أن التحولات التكنولوجية أسهمت في إعادة تشكيل العلاقة بين الشاعر والجمهور، حيث أتاح الفضاء الرقمي للشعراء الوصول إلى جمهور أوسع وأكثر تفاعلاً. كما أكدت أن النشر الرقمي أضاف أبعاداً جديدة للقصيدة العربية، مما جعلها أكثر تفاعلاً وحيوية مع مستجدات العصر.
ناقش المشاركون في الندوة عدة محاور رئيسية، من بينها تأثير التراث العربي القديم في تشكيل النصوص الشعرية المعاصرة، ودور الرمزية والدلالات في إضفاء العمق على النصوص الشعرية، وأهمية العتبات النصية في الدراسات النقدية الحديثة.، إضافة إلى التحولات التي طرأت على القصيدة العربية بفعل التكنولوجيا، بدءاً من الشفاهية وصولاً إلى العصر الرقمي.
أكد الباحثون أن الشعر العربي ظل عبر العصور قادراً على تحقيق توازن بين ثباته على القيم الجمالية والأخلاقية، وبين تحوله استجابة للتطورات الثقافية والاجتماعية. كما أشاروا إلى أن التكنولوجيا الحديثة فتحت آفاقاً غير مسبوقة لنشر الشعر وتلقيه، مما أسهم في تعزيز التفاعل بين النصوص وجمهورها.
واختتمت الندوة بتفاعل الحضور الذين أبدوا اهتماماً كبيراً بالمداخلات القيمة التي قدمها الباحثون. وقد عكست الندوة حرص مهرجان الشارقة للشعر العربي على تعزيز الحوار النقدي والإبداعي حول الشعر العربي وقضاياه المختلفة، بما يعزز مكانته كرافد أساسي للحضارة الإنسانية.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: النصوص الشعریة الشعر العربی
إقرأ أيضاً:
كتبي وقصائدي ألقتني في فم المنفى
حوار- بسام جميدة
تتحرك تجربة الكاتب والشاعر والروائي المثنى الشيخ عطية في المساحة الفاصلة بين رهافة القصيدة وعمق الطرح المعرفي؛ حيث لا تتوقف محاولاته عند حدود الصياغة الجمالية، بل تتعداها إلى مشابكة الشعر بأحدث المفهومات العلمية عبر ما يطرحه تحت تيار «نهاية الواقع» والشعرية الكمومية، مستدعيًا الصوفية الكونية لتفكيك اليقينيات والمقدسات المكبّلة للإنسان. من التغني بالحرية ومواجهة الاستبداد الذي ألقى به في فم المنفى، إلى اتساع الرؤية الروائية في أعماله يقف ضيفنا ليعيد رسم حدود العلاقة بين الذات والمكان، والأسطورة والواقع، مؤكدًا أن الأدب الإبداعي يتجاوز مجرد التوثيق التاريخي ليغوص في تشريح الداخل الإنساني في مواجهة الكوارث. نفتح مع ضيفنا أوراق التجربة، ونستقرئ معه تحولات نصه الشعري والسردي، وموقفه من قضايا الأدب والمنفى والمشهد الثقافي:
بين الشاعر والروائي والناقد، تتوزع أنشطتك الإبداعية، دعني أبدأ بالشعر أولًا، وبما وصلتْ إليه تجربتك فيه: مجموعتك «معراج المعصية»، التي اعتُبرت مغامرةً تجمع فيها بين «الشعر الكمومي» والروحانية الصوفية لإطلاق حرية الحب ضمن تيار «نهاية الواقع». كيف يلتقي الشكّ العلمي باليقين الصوفي في قصيدتك؟ وهل تجد في هذا التيار مخرجًا للشعر من مأزق ما وصل إليه من انسداد يلاحظ بالإعراض عن الشعر؟
ــــ أعتقد أن الصوفية وبالأخص لدى محيي الدين ابن عربي، تحمل في داخلها الشك، الذي أودى بأنبل أعلامها مثل الحلاج إلى القتل، رغم الطابع العام للصوفية الدينية التي هي ذكورية كذلك مع يقينيتها الجوابية حول الألوهية. وأنا تشابكت في الحقيقة مع الجانب الكوني في الصوفية، لاجتراح صوفية كونية كمومية تتخطى صوفية اليقين. وبحكم طبيعتي وطبيعة «معراج المعصية» الذي يقطر من براقه في صعوده ندى معصية الثابت والمعطى السائد واليقيني، جاء التشابك نفيًا حارقًا من دون مساومة لليقين. وقد ساعدني في الإبقاء على نار قلب قصيدتي متقدةً ولا يطفئها جليد العقل، شطحُ فيزياء الكم نفسها التي تحلّق بأجنحة خيالٍ احتماليٍّ لا يصدّقه العقل، حتى لو ثبتت مقولاتها بالرياضيات، ونالت جوائز نوبل على ذلك. وفي هذا كما أعتقد على صعيد هذا الجانب كما في الجوانب الأخرى التي يعمل عليها الشعراء الكونيون الكموميون، يأتي الشعر حصى كبيرة تهزّ بحيرة الشعر التي ركدتْ مياهُها بيقينية الاكتفاء، وأتأمّل أن يصل تيار اللايقين ونهاية الواقع إلى أن يكون الصخرة التي تضرب وتفجر جدار انسداد الشعر.
ـــ لنعد إلى الوجه الأول من مشروعك الشعري في مشابكة الشعر بفيزياء الكم: مجموعتك «كوانتوم بقطط مجنحة» التي تتمحور حول ما سميته: كسر الخوف من المقدّس. هل كان المنفى في باريس، والابتعاد عن الرقيب الاجتماعي والسياسي في الشرق، هو ما منحك الجرأة لكسر هذا الخوف ومخاطبة المقدس بهذه الحرية؟ وهل استخدمتَ «الكمومية الشعرية» هنا كأداة معرفية لتفكيك الحتميات والمقدسات الاجتماعية والسياسية والروحية التي تكبل الإنسان العربي؟ وكيف ترمز «القطط المجنحة» إلى كسر هذا الخوف؟
ـــ في الحقيقة، لم يكن جو الحرية المتاح عيشه في باريس المنفى هو ما منحني جرأة كسر الخوف في داخلي، والتحريض على كسره بالشعر داخل الآخرين، وإنما كان جو قتل العدالة وقيمة الإنسان في بلدي تحت حكم نظام الاستبداد، وأنا أعتز فعلًا بأن جميع قصائدي وكتبي كانت تُمنع من النظام في بلدي والأنظمة المشابهة له، رغم تسبّبها في إلقائي بفم المنفى، وأعتقد أن قصائدَ الحرية تُحسن إلينا بالكرامة الإنسانية والحياة يا صديقي حتى في قتلها لنا.
«الشعرية الكمومية» كما عبّرتَ أنت وأستخدمها أنا كأداة معرفية لتفكيك المقدسات المكبّلة للجسد والروح عن الفعل والإبداع داخل إنساننا، تتجسّد كما أعتقد في كسر التسليم بحقيقة واحدةٍ يُلبسها البشر، خوفًا أو مصلحةً أو خداعًا، ثيابَ اليقين، ويشهرونها سيفًا على الرقاب، ويتجلّى هذا الكسر في جميع قصائد مشروع اللايقين الذي تتخلّله قطة شرودنجر، من زوايا التجربة الأشهر التي تبلور «الاحتمال» في فيزياء الكم.
وبحكم الشعر الذي لا يركن إلى وحدانية التشابك الكمي نفسه الذي يقوم عليه مشروعه، ويؤنسن الكائنات والموجودات، ركّبتُ لقطط قصائدي الكمومية أجنحةً كي تختار هي نفسها كذلك مصيرها داخل وخارج الصندوق، إلى جانب خيار المراقب لها حيّة وميّتة في ذات الوقت. وبهذه الأجنحة التي تتشظى داخل القصائد بمختلف الأشكال التي تُجسّد الحرية، في تشابك اليومي بالأسطوري، حوّلت كما أعتقد، جليدية العقل المحمولة بقوارير تجارب العلم، إلى نار القلب المحمولة على أجنحة الخيال. وأعتقد أن قصائد مجموعة «كوانتوم بقطط مجنحة» تمنح بسعة أبعادها وجرأتها القارئَ متعة عيش التشابك اليومي الشعري البسيط مع الكوني المعقد من مثل خسارة مقولة آينشتاين «إن الله لا يلعب النرد مع الكون» أمام معجزة التشابك الكمي في فيزياء الكم، والتي تتم معالجتها في قصيدة «شاعر يفتح للشعراء ألف باب وباب بضربة نرد»، بالتشابك مع قصيدة «لا عب النرد» الرائدة في الشعرية الكمومية من الشاعر المعلّم محمود درويش، الذي:
«ينثر كيس طحين مفرداته ليوسع صدر الكون
حَّد ثقوبٍ سوداء تبتلع المجرات
في لعبة الوجود والعدم...
يُسرح شعر آينشتاين
يضعه خلف طاولة المقامرة بنسبية جاذبيةِ وجه امرأة تبتسم
من صراعات الديوك
ويلقي كما لاعب نردٍ محترفٍ غُبارَ المجرات
نقاطًا لا تحصى على سطر القدر...».
بدأت مسيرتك الإبداعية من بوابة الشعر في نهاية السبعينيات، ثم انتقلت إلى السرد الروائي في روايتك «سيدة الملكوت» عام 2006. هل كانت الرواية بالنسبة لك اتساعًا لضيق العبارة الشعرية أمام واقع عربي معقّد، أم أنك ترى الروائي في داخلك هو نفسه الشاعر ولكن بأدوات ومساحات أخرى؟
ــــ بعد مجموعتي الشعرية «فم الوردة فم الهاوية»، التي كتبتُها في المنفى ونشرتُها عام 1989، تعقّدتْ أحوالُ العالم بأجمعه، إذ جاءت الحرب الأمريكية على العراق متزامنة مع انهيار الاتحاد السوفييتي، ومستغِلّةً حماقة الديكتاتورية، لتضع العالم فوق فوهة بركان، وقد ضاقتْ طرق الحياة في المنفى عليَّ كصحفي حرّ وقتها، مثلما ضاقت طرق التعبير أمام الواقع الجديد. ووجدت نفسي أودّع الشعر بقصيدةٍ تصوّر حال «هانيبال» لحظة انتحاره، مطاردًا على شواطئ المتوسط من روما ووكلائها، وتعكس حالي.
وجاءت الرواية من خلال عيشي لحظةً نادرة في تاريخ البشرية وصل فيها تعقّد وتراكم الأحداث إلى لحظة الانفجار، وكنت وسط هذه اللحظة، أتابع تفاصيلها وأحداثها وردود فعل العالم عليها من خلال عملي مدير تحرير لمجلة «شهرزاد الجديدة» المختصة بتحرر المرأة في ليماسول. وقد ألقتني لحظة قصف بغداد المهولة، على الشاطئ بعد خناقة في البار مع طيارين إنجليز من القاعدة الجوية في قبرص، لأجد نفسي أستفيق في عالم موازٍ، طفلًا في حديقة أمي التي تشبه وفق تصوري حديقة الآلهة عشتار. وقد ولدت رواية «سيدة الملكوت» وقتها كأداة للتشافي من هول صدمة اللحظة، وشملت هذه الأداة معالجة حياة منفاي المزدوج، وعوالم الذكورية القاهرة، والأمومة الكونية التي كانت تفاصيلها تتجلّى لي في أمي والنساء الديريات اللاتي يصفعن بكبريائهن جور الذكورية إلى حدّ الانتحار حرقًا.
وبطبيعة الحال، مثلما هو حال جميع الشعراء الذين كتبوا روايات، كما أعتقد، بقي الشاعر في الرواية.
بالانتقال لروايتك «سيدة الملكوت»، يلاحظ القارئ اعتناءً فائقًا بالبنية اللغوية والصورة الشعرية. كيف توازن بين «شعرية السرد» وحاجة الرواية إلى الواقعية والتدفق الحكائي دون أن تطغى إحداهما على الأخرى؟
ــــ لا أذكر أنني اعتنيت متقصدًا بالبنية اللغوية والصورة الشعرية فيها، بل تركت لبطلي بقرار منذ البداية أن يتدفق بحكايته في منظومة السرد التي اعتمدت عليه كراوٍ في صيغة سرد المتكلم، بدءًا من حالة منفاه الضاغطة عليه وألقتْه في اللامكان، وانتهاءً بانفتاحها على اللامكان. وقد ساعدني في أن تتدفق الرواية بسلاسة في الشاعرية، كون بطلي شاعرًا في الأساس، عانت طفولته من صدمة كبيرة أثرت في حياته وقراراته. وأن الوسط الذي يعيشه هو وسط مثقفين وسياسيين وصحفيين، وأن قصة حبه فاقت بشاعريتها وواقعيتها التصديق.
وقد انتبه إلى شاعرية الرواية وأشار إلى نجاح مراهنتها عليها، في ظل فشل الروايات العديدة التي يكتبها شعراء بإقحام الشاعرية، الناقد نديم جرجورة في قراءته للرواية بجريدة السفير اللبنانية، وقت صدور الرواية. كما ساعدني في غلبة الصورة الشعرية أن بطلي كان عفويًا مغامرًا وحالمًا يعيش حياته كما فيلم سينمائي، إضافةً إلى مسرح الرواية الأخاذ سواء في باريس/ المدينة التي عاشها بتفاصيل أخاذة، وصارعها وحجّرته كما ميدوزا جديرة بأفاعيها. وفي ليماسول، حيث البارات والضياع والصحافة التي تعيش في قلب الحدث وتؤثّر على حياة أفرادها بقوة الواقع. إضافة إلى طفولة مدينته دير الزور التي يعرف من يعرفها أنها مدينة يفوق عيشها لواقعها الخيال. وفي النهاية، أعتقد أن الموازنة بين الشاعرية المجنّحة والضبط الحكائي في الرواية تكمن في العفوية وفي جعل الأحداث والشخصيات تعبّر عن حالها كما يتطلّب حالها.
تناولت حالة المنفى المزدوج للإنسان في رواياتك. كيف يساهم المنفى والبعد الجغرافي عن الوطن في إعادة تشكيل ذاكرة الروائي؟ هل يصبح المنفى مكانًا للتحرر الكتابي أم سِجنًا من الحنين؟
ـــ المنفى كما أعتقد يصبح كل ما أشرتَ إليه، وفي كل حالةٍ مما يصبح، إذ يكمن الحنين في كل الحالات، يعيد المنفى، إن لم يتحول سجنًا، أو يفتح على الأقلّ، كما قلتَ ذاكرةَ الروائي على حياته السابقة في الوطن، كما على قضايا وجوده التي يعمّقها بحكم التفاعل المهدِّد أو الآمن على حد سواء. وفي تجربتي على هذا الصعيد في «سيدة الملكوت»، أعادتني صدمة الحرب المهولة في المنفى إلى طفولتي في الوطن، لتساعد بطلي، وتساعدني، وتساعد قارئي على التشافي من صدمة الحرب وصدمات الطفولة.
ثمة مزج ساحر بين الأسطورة والواقع، في سيدة الملكوت، حيث تستعيد الآلهة «عشتار» لدمجها في واقع «الأمهات الديريات» في دير الزور عبر تجربة جيلك السبعيني. لماذا احتجت إلى استدعاء الرمز الأسطوري العتيق لتجسيد معاناته وقوته في تفاصيل حياة المرأة في دير الزور؟ هل هي محاولة لمنح الواقع المحلي بعدًا كونيًا، أم أن عشتار لم تغادر ضفاف الفرات أصلًا في وعيك الروائي؟
ـــ في سورية الستينيات وسبعينيات القرن الماضي، برزت ظاهرة دمج الحبيبة بالوطن في الأدب، وبقدر ما كانت تدعو إلى حرية ومساواة المرأة كانت في جزء منها استيلاء على هذه الحرية من قبل الذكورية المتخفية.
في تجربتي، وقد يبدو هذا غريبًا، لكنه مرّ بي، ولم يكن اختراعًا أو إقحامًا له في الرواية، تجسّد عالم الآلهة الأمومية لي في أمي وحيّة البيت التي بدت كما لو كانت سيّدتها، وفي حبيبتي، وفي كل تفاصيل المرأة في الفرات، في حياتها لمن يرى، كما في زينتها التي تحتل الحيّة في عقدها وأساورها من دون تفسير لذلك مركز الصدارة والشغف.
ولم يكن تعبيري عن ذلك في معالجات التشافي داخل الرواية، محاولةً لمنح الواقع المحلي بعدًا كونيًا، فإضافة إلى ثقتي بأن كل طابع محلي يحمل كونيته في داخله إن أتَحنا لأنفسنا نعمة رؤيته، فواقع منطقة ما بين النهرين وواقع المرأة فيه يحمل طابعًا كونيًا خاصًا بأبعاد تاريخية، ولم يكن بحاجة مني لاختلاقه من أجل إضفاء أبعاد العمق والتشويق في الرواية. وكان هذا العالم حضني بعد صدمة الحرب، وعشته حقيقةً، بشطح وتجلٍّ كما صوّرته بأبعاده الحَدَثِيّة والنفسية والشاعرية في سيدة الملكوت.
قدّمت نسختك عن المنفى بطبقتين، في «سيدة الملكوت»، المنفى الخارجي، نتيجة الوقوف ضد الاستبداد، والداخلي الذي يخص وجودك الإنساني. ككاتب ومثقف، هل ترى أن الأدب قادر على توثيق الكارثة الإنسانية وتفكيكها بنيويًا بما يعجز عنه التاريخ الرسمي والصحافة؟
ـــ أعتقد أن الأدب الإبداعي يتجاوز التوثيق التاريخي الصحفي، إلى توثيق الداخل الإنساني في ردود أفعاله على الكوارث الإنسانية التي تصبغها بالأحمر أيدي الحروب. وهو قادر كما رأينا ونرى في الأعمال الإبداعية العالمية على منح الإنسان الأمل في إصلاح نفسه وأرضه، والاقتراب أكثر فأكثر من نجاح ترويض الوحش بداخله.
ـــ بحكم إقامتك في فرنسا؛ هل استطاعت الرواية العربية الحديثة أن تصل للقارئ الغربي كـ»مشروع أدبي كوني»، أم أنها ما زالت تُقرأ هناك فقط من باب الفضول السياسي واستكشاف مناطق الصراع؟
للأسف، رغم الترجمات الكثيرة لروايات عربية، فإن حركة الترجمة المعاكسة البسيطة لم تتح للقارئ الغربي الاطلاع بعمق على حركة وطبيعة الرواية العربية وأبعادها الكونية، وقد كشفت قائمة جريدة الغارديان لأفضل مائة رواية مترجمة خلوها من الروايات العربية.
هل تعيش الرواية العربية اليوم العصر الذهبي لها من حيث القيمة الإبداعية، أم أننا نعيش طفرة في الكم على حساب الكيف؟
ـــ رغم غزارة الإنتاج الروائي العربي الآن بالكم، وازدحام سوق الرواية بروايات ضعيفة المستوى تنشر من خلال المحسوبيات والشللية والأجر المقبوض من الروائي، فإن الروايات الإبداعية العربية تظهر بقوة، وتضاهي ما ينشر من روايات إبداعية في العالم، وقد بدأت الرواية العربية في تخطي تقليد الواقعية السحرية الغربية واللاتينية بشكل خاص، والدخول بتوازٍ مع العالم، في عوالم الرواية المتشابكة مع أحدث اكتشافات العلم المحلّقة بأجنحة فيزياء الكم، وبخصوصية عربية تتيحها لها العوالم الكونية التي اجترحها العرب بالصوفية، وبتراثهم الأسطوري الذي ينضح العالم من إبداعاته.
الرواية الخليجية تشهد قفزة ونموًا لافتًا في السنوات الأخيرة؛ كيف تنظر إلى هذا الصعود؟ وهل ترى أنها استطاعت تقديم هوية سردية مغايرة في المشهد العربي؟
ـــ أعتقد أن جميع الدول العربية الخليجية والمغربية والمشرقية تنتج وتبدع الرواية متسايرة مع بعضها، ولم أرَ خصوصية ما في طبيعة إبداعها سوى في اختلاف واقعها.
كيف ينظر المثنى الشيخ عطية «الناقد» إلى تجربة المثنى الشيخ عطية «المبدع»؟ هل أنت قارئ قاس على نصوصك، وكيف ترى ملامح الوجه الثالث المنتظر لمشروعك «فتى الدراجة على الجسر» في استعادة طفولة دير الزور من قلب الدمار؟
ـــ في الحقيقة أنا لا أعتبر نفسي ناقدًا بمعنى الاختصاص، بالنسبة لأعمال غيري، وقد يكون اتجاهي في قراءة الأعمال من جهة تفكيكها وسبر عوالمها واكتشاف أسرار تكوينها وإبراز ذلك للقراء والكتاب، هو ما يجعل هذه القراءات مهمة وممتعة وتولّد فكرة كوني ناقدًا.
من جهة تعاملي النقدي مع أعمالي، وباعتبار وجود حقيقةٍ تخص خديعة الأعمال الفنية لمبدعيها، لا أستطيع فعلًا أن أقيّم وأحكم على هذه الأعمال، خصوصًا وأنها أعمال إشكالية تجترح الجديد، ومن الطبيعي أن تثير التوجّس فيما تجترح.
على صعيد الشعر، في عملي «فم الوردة فم الهاوية» ــ 1989، ولكوني أتقن شعر التفعيلة، وقصيدة النثر في الوقت ذاته، دخلتُ تجربة ومغامرة تشابك التفعيلة مع النثر، للوصول إلى بنية إيقاعية خاصة بقصيدتي، وهو أمرٌ خطرٌ يوقع القصيدة في الارتباك الإيقاعي، ويحدث هذا فعلًا لدى معظم الشعراء الذين يدخلون هذا الطريق. وقد توقفت عن الشعر عشرين سنة قبل أن تعيدني الثورة السورية إليه بقصائد تتلاحم مع أجواء الثورة الملحمية. وجاءت أزمة فيروس كوفيد الوجودية التي وضعت العالم أمام تساؤلاته حول مصير البشرية، لتنقل قصيدتي إلى العمق الوجودي، مع حفاظي على طبيعة تشابك شعري مع الطبيعة، واكتشافي الإمكانيات الكونية فيه، تحت ظل الموت. وبالتفاعل مع إبداعات العالم بتشابكاتها مع فيزياء الكم، وتلمّسي لجذور تشابك الشعر مع هذه الفيزياء في تراثي الشعري لدى امرئ القيس، ولدى الصوفية، والأهم لدى محمود درويش كرائد لهذا التشابك في كتابه «أثر الفراشة» وقصيدته شبه الأخيرة «لاعب النرد»، ولد وتبلور مشروعي الشعري في مشابكة الشعر بفيزياء الكم، تحت ما سميته تيار «نهاية الواقع»، وقد غامرت كعادتي لـ يكون عنوان كتابي الشعري الأول في هذا التشابك المتمحور حول كسر الخوف من المقدّس «كوانتوم بقطط مجنحة». مثلما غامرت بعنوان كتابي الثاني «معراج المعصية» المتمحور في اجتراح صوفية كونية كمومية تتخطى الصوفية الدينية الذكورية. ومثلما أغامر الآن بإطلاق وجه ثالث من وجوه هذا التشابك تحت عنوان «فتى الدراجة على الجسر»، يتمحور حول دخول الأكوان الموازية، لاستعادة طفولتي وطفولة مدينتي من قلب الدمار. وفي مشروعي الشعري هذا، كما روايتي الوحيدة التي لا تبتعد عنه في تشابكها الكوني وكسرها لخطية الزمن، توخّيت الحذر من مزالق وفخاخ الغرور، وأعتقد أنني كنت ناقدًا قاسيًا على تجربتي، وأضعها دائمًا تحت مشرط من ليس لديه مساومة على الإبداع، في يد صديقي الناقد والباحث والمفكر صبحي حديدي.
هل ترى أن المشهد الثقافي السوري اليوم يعيش حالة «تجدد وولادة ثانية» في الخارج، أم أنه يعاني من التبعثر وفقدان البوصلة؟
ـــ أعتقد أنه لا تغيير في رؤية الأدباء السوريين الذين واصلوا عملهم الإبداعي في الكشف عن مخازي نظام الاستبداد البائد، ومن الطبيعي أن يدخل بعد التحرير الآن إلى الساحة من يعبّرون عن طبيعة النظام الجديد، وأن يدخل التشبيح الأدبي معهم لهذا النظام، لكنني متفائل في أنهم لن يجدوا الأرضية الصلبة لنموهم بعد تكريس كفاحات الأدباء الحقيقيين في المنافي وكشف مخازي أدباء النظام ومخازي تكويعهم وتشبيحهم الجديد الذي ينتشر مثيرًا للسخرية على وسائل التواصل. وقد تعلّم الشعب السوري كثيرًا بدمائه ألّا يساوم على قيم الثورة كما على قيم الأدب والفن.