(نشرت في موقع صفر يوم 1 مايو 2024)
رفض الزبير يوسف عبدالعزيز، المهندس الكهربائي السوداني الذي يعمل في شركة بتروإنرجي الصينية السودانية للبترول، مغادرة منزله بعد اندلاع الحرب في نيسان/أبريل 2023. واستجابةً لطلبٍ من إدارة شركته، قام بصيانة عددٍ من أنابيب النفط المتسربة في مناطق خاضعةٍ لسيطرة مليشيا الدعم السريع.

وعندما شكرته الإدارة ودعته لتحديد مبلغٍ ماليٍّ مكافأةً له، طالب بمبلغٍ يقل عن مئة دولارٍ أمريكيٍّ، هي تكلفة الوقود اللازم لإتمام الصيانة، وأبلغهم بضرورة دفع مبلغٍ بسيطٍ لأفراد التأمين التابعين للمليشيا الذين رافقوه خلال المهمة.
برر الزبير تصرفه بأن ما قام به يدخل ضمن نطاق عمله الذي يتقاضى عليه راتباً شهرياً، ولم يرَ في الأمر مبرراً لتحصيل أي مبالغ إضافيةٍ.
لاحقاً، قام الزبير بدفن كمياتٍ من مخلفات النفط المتدفقة غرب مدينة أم درمان، دون أن يطلب مقابلاً مادياً. وعندما ناقشه بعض أصدقائه في قراره، أوضح لهم أن استمرار تدفق النفط قد يؤدي إلى نفوق الماشية، ويلحق أضراراً جسيمة ًبالأراضي الزراعية، مما قد يتسبب بكارثةٍ بيئيةٍ خطيرةٍ.
وفي أواخر آذار/مارس الماضي، بادر الزبير بصيانة مولد مياهٍ في منطقته السكنية، مما مكن الأهالي من الحصول على الماء بعد انقطاعٍ استمر عدة أشهرٍ. وبعد يومين فقط من هذا العمل الإنساني، استشهد الزبير بعد أن أطلقت عليه قوةٌ مسلحةٌ من مليشيا الدعم السريع النار أمام أطفاله، إثر رفضه تسليم سيارته وممتلكاته لهم بالقوة، في ثاني أيام عيد الفطر.
بطولة الشهيد الزبير ليست حالةً استثنائيةً في سِيَر عمال السودان وعامليه خلال حروب السودان المتطاولة، وإن كانت تصلح مثالاً على ما تعيشه الطبقة العاملة السودانية اليوم في واحدةٍ من أكثر الفترات قسوةً في تاريخها الطويل من المعاناة والنضال.
فمنذ استقلال السودان في كانون الثاني/يناير 1956، ظل العمال في طليعة الفئات المتضررة من إخفاقات الحكومات المتعاقبة في القيام بواجباتها الأساسية تجاه الشعب السوداني، وهي تعجز عن توفير الخدمات الأساسية لقطاعاتٍ واسعةٍ من المواطنين، وتفشل في احتكار العنف المشروع، أو في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني. وقد عانى العمال من غياب العدالة والتنمية والخدمات في أوقات السلم، وتحت حكوماتٍ موسومةٍ بالديمقراطية، كما تحملواعبء النضال وتعرضوا للقهر والقمع والاستغلال في أزمنة الحرب، وتحت الأنظمة العسكرية الدكتاتورية.
سوق العمل السوداني
يبلغ عدد السكان في السودان حوالي 50 مليون نسمةٍ، تبلغ القوة العاملة منهم (السكان في سن العمل) نحو 25 مليون شخصٍ. وبحسب صندوق النقد الدولي، فقد ارتفع معدل البطالة عام 2024 إلى 62% كنتيجةٍ مباشرةٍ للحرب، وتوقف عجلة الإنتاج، وانهيار المؤسسات الاقتصادية العامة والخاصة. وكانت نسبة الفقر قبل الحرب تبلغ 65%، ولا شك أن الحرب قد فاقمتها سوءاً.
وتظهر تقديرات دراسةٍ نشرها منتدى البحوث الاقتصادية في آب/أغسطس 2023 عن سوق العمل في السودان قبل اندلاع الحرب بعض مظاهر هشاشة هذا السوق. فنسبة العاملين في القطاع غير الرسمي أو غير المنظم (أي العاملين بدون أي ضمانٍ اجتماعيٍّ) تبلغ حوالي 79% من مجموع العاملين السودانيين، يعمل 40% منهم بأجرٍ، ويعمل 29% منهم لحسابهم الخاص، ويعمل 10% منهم مع أسرهم بدون أجرٍ. وبحسب نفس الدراسة فإن 60% من العاملين يعملون خارج أي مؤسسةٍ (أي أنهم ليسوا تابعين لأي شركةٍ أو عملٍ أو منشأةٍ)، و37% من مجموع العاملين هم عمالةٌ غير منتظمةٍ (أي عمالةٌ موسميةٌ أو متقطعةٌ). ويستوعب القطاع الزراعي حوالي 39% من مجمل العاملين السودانيين.
توضح الورقة التي أُعِدت بطلبٍ من الحكومة الانتقالية قبل انقلاب العسكر عليها في تشرين الأول/أكتوبر 2021، أن نسبة العاملين بأجرٍ تبلغ حوالي 55%، مقابل 45% يعملون بدون أجرٍ. وأن نسبة من يعملون بأجرٍ ويحصلون على تأمينٍ اجتماعيٍّ تبلغ 15%، غالبهم يعملون في القطاع العام ومؤسساته (14%) بينما يعمل 1% فقط في مؤسساتٍ في القطاع الخاص توفر لهم أجوراً وضماناً اجتماعياً. وتكشف الدراسة أن 63% من السكان تبلغ أعمارهم أقل من 25 عاماً تأكيداً للتركيبة الفتية للشعب السوداني. إلا أن نسبة مشاركة النساء في سوق العمل تتراوح بين 14% و29% بحسب تضييق أو توسعة تعريف سوق العمل، مقابل نسبة مشاركةٍ للرجال تتراوح بين 63% و77%.
هشاشةٌ مضاعفةٌ في زمن الحرب
حتى في ظل الظروف العادية، كان العمال السودانيون من أكثر فئات الشعب هشاشةً. فالغالبية العظمى منهم صاروا عرضةً للاستغلال والفقر بسبب الأجور المنخفضة، وغياب التأمين الاجتماعي والخدمات، والمشاكل الهيكلية للقطاع غير المنظم. ومع اندلاع هذه الحرب الطاحنة منذ ما يزيد قليلاً عن عامين، انهارت مؤسسات الدولة بسرعةٍ مفجعةٍ، وأصبح العمال والعاملات في السودان يواجهون مستوياتٍ غير مسبوقةٍ من الفقر والتهميش، ويخوضون معارك يوميةً من أجل البقاء، دون سندٍ قانونيٍّ أو حمايةٍ اجتماعيةٍ فعّالةٍ.
فقد توقفت الحكومة بمجرد اشتعال الحرب عن دفع رواتب العاملين لأشهرٍ عديدةٍ، وأغلقت معظم الشركات والمؤسسات والمصانع أبوابها، وسُرِّح عشرات الآلاف من العمال قسراً، أو أُجبروا على أخذ إجازاتٍ دون راتبٍ (بما يخالف قوانين العمل السارية)، وانهار نظام الضمان الاجتماعي بالكامل، مع غياب أي دعمٍ حكوميٍّ أو نقابيٍّ فعّالٍ.
وبذلك لم يعد العامل السوداني مجرد مهمشٍ اقتصاديٍّ، بل أصبح ضحيةً مباشرةً للحرب والانهيار المؤسسي للدولة السودانية.
وفي مقابل ذلك، ظهرت نماذج ملهمةٌ عديدةٌ لعمالٍ – مثل الشهيد عبدالعزيز - يقدمون الخدمات الأساسية للمواطنين، خصوصاً صيانة وتشغيل خدمات المياه والكهرباء والاتصالات، في ظروفٍ أمنيةٍ بالغة التعقيد، تطوعاً ودون أجرٍ، في موازاةٍ لما قام به متطوعون كثرٌ، من تأسيس غرف الطوارئ والمطابخ والتكايا (دور الضيافة) التي تقدم الطعام للمحتاجين والجوعى، وتؤمن سبل البقاء أو الخروج من مناطق القتال، وتقدم خدمات الإعاشة والمأوى للنازحين، والخدمات الصحية والطبية والتعليمية للسكان في مناطق النزاع أو النزوح.
وهذه النماذج تَتَمثّل أحد أهم ما قدمته ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018 السودانية للعالم من استلهام ممارسة النفير الضاربة في تقاليد المجتمعات السودانية (وهي حملاتٌ يتجمع فيها المواطنون بصورةٍ طوعيةٍ لتقديم العون الذاتي لا سيما في حالات الطوارئ)، لتطوير أشكال تنظيم العمل القاعدي كلجان المقاومة والأحياء التي لعبت أدواراً كبرى في إسقاط نظام البشير أوائل عام 2019، وفي مقاومة انقلاب تشرين الأول/أكتوبر 2021، ثم تطورت بعد اندلاع الحرب لتكون أحد أهم دعائم صمود الشعب السوداني.
مأساة العمال في القطاع غير المنظم
يشكل القطاع غير المنظم العمود الفقري لسوق العمل السوداني. هؤلاء العمال – من عمال البناء، وعمال الورش والمهن اليدوية، وعمال التعدين الأهلي، وبائعات "ستات" الشاي والأطعمة، والباعة المتجولين، وعاملات الخدمات المنزلية، والحرفيين، وصغار المزارعين – يعتمدون بالكامل على ما يتحصلون عليه من رزق اليوم باليوم. لا عقود عملٍ تحميهم، ولا تأميناً اجتماعياً يؤمِّن لهم دخلاً في حالات المرض أو فقدان العمل.
ومع اشتداد الحرب فقد انهارت الأسواق التي كانت توفر لهم مصادر قوتهم اليومي، وتقطعت سبل المواصلات داخل المدن وخارجها بفعل الحصار والاشتباكات، مما جعل التنقل للعمل شبه مستحيلٍ، وفُقد الأمن الشخصي، وأصبح العمل في الأسواق أو الورش محفوفاً بالمخاطر المباشرة من القصف أو الاعتداءات، وتدمرت أحياءٌ بأكملها كانوا يعيشون فيها، مما أدى إلى نزوحهم جماعياً وانفصالهم عن سبل عيشهم.
ولأن خيارات النجاة محدودةٌ، فقد اضطُر العديد منهم إلى الانخراط في اقتصاد الحرب، مثل الانضمام لأيٍّ من الأطراف المقاتلة كمجندين، أو العمل مع المليشيات المسلحة في مهام مساعدةٍ مقابل الطعام أو الوعود برواتب زهيدةٍ أو بإمكانية الحصول على غنائم من ممتلكات المواطنين أو المؤسسات المنهوبة. كما اضطُر بعضهم لممارسة أنشطةٍ هامشيةٍ محفوفةٍ بالمخاطر، كالتسول أو البيع العشوائي في ظروفٍ بالغة الخطورة، لا سيما ستات الشاي، أو العمل بأجورٍ مجحفةٍ. وقد اضطُر بعضهم للانخراط في أعمال السرقة والنهب، ليس بدافع الجريمة، بل بدافع البقاء على قيد الحياة. ولم ينج كثيرٌ ممن اضطُروا لممارسة كثيرٍ من هذه الأنشطة من تهم التعاون مع هذا الطرف أو ذاك من المقاتلين، وما تبع ذلك من حالات انتقامٍ قاسيةٍ بتغير الأوضاع العسكرية على الأرض.
ومع غياب الحماية الرسمية، وغياب النقابات الفاعلة، ومع تفكك آليات الرقابة المجتمعية التقليدية، أصبحت حياة العمال اليومية معركةً شرسةً ضد الجوع والعنف والإذلال.
في واقعٍ كهذا، يفقد العامل السوداني في القطاع غير المنظم أكثر من مجرد لقمة العيش؛ إنه يفقد أمنه، وكرامته، وانتماءه لمجتمعٍ مدنيِّ منظمٍ، ويتحول إلى مجرد فردٍ في دوامة البقاء العشوائي، بلا حمايةٍ ولا أملٍ واضحٍ في استعادة استقراره.
قوانين عاجزةٌ عن حماية العمال
ومما أسهم في تعقيد أوضاع العمال أكثر أن القوانين السودانية، وعلى رأسها قانون العمل لسنة 1997، تفتقر إلى أي آلياتٍ تنظم أو تحمي العمل في ظل النزاعات المسلحة. ولم تضع تشريعات السودان تصوراتٍ لحماية العاملين في حالات الطوارئ أو الكوارث أو الحروب، رغم مصادقة البلاد على عددٍ من الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، مثل اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87 (حرية التنظيم النقابي) ورقم 98 (الحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية).
ورغم أن العمال لعبوا على الدوام دوراً محورياً في الانتفاضات الشعبية ضد الأنظمة العسكرية الدكتاتورية في التاريخ السوداني الحديث، من ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1964 إلى انتفاضة أبريل (نيسان) 1985، وصولاً لثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018. إلا أنه مع كل انتصارٍ شعبيٍّ، كانت الدولة السودانية تفشل في ترسيخ أسسٍ جديدةٍ تضمن للعمال والزراع وعموم المهنيين والفقراء والكادحين حقوقهم، وتتيح لهم الحلم بوطن يوفر حياةً حرةً كريمةً آمنةً مستقرةً، تحت رايات الحرية والسلام والعدالة والديمقراطية والتنمية.
ولم تكن الحكومة الانتقالية التي وصلت السلطة في آب/أغسطس 2019 على أكتاف الحراك الجماهيري الباسل للعمال والمهنيين السودانيين استثناءً في تخليها عن مطالب العمال المشروعة في تهيئة المناخ لقيام نقاباتٍ عماليةٍ ومهنيةٍ تضمن حماية حقوق العمال. فلم تتمكن الحكومة والقوى السياسية المدنية المشكلة لها طوال الفترة الانتقالية من التوافق على خطواتٍ منظمةٍ لتحولٍ نقابيٍّ مدروسٍ يتفادى الفراغ النقابي، ويسد الثغرات التي قد تسمح بعودة النقابات التابعة للنظام الشمولي البائد، ريثما يتم الاتفاق على قانونٍ نقابيٍّ جديدٍ يضمن استقلالية النقابات، ويعزز الحريات النقابية، ويسمح بإصلاح الهياكل النقابية، ويتوافق مع المعايير والاتفاقات الدولية.
وخلال الحرب الجارية، تخلت الدولة عن التزاماتها تجاه العمال تماماً، تاركةً ملايين الأشخاص بلا رواتب أو تعويضاتٍ أو أي شبكة أمانٍ اجتماعيٍّ.
محاولات تدجين النقابات: عودةٌ إلى المربع الأول
ومع بداية استعادة حكومة الأمر الواقع السيطرة على مناطق واسعةٍ من البلاد كانت قد احتلتها مليشيا الدعم السريع في المراحل الأولى من الحرب، سارعت السلطات إلى إصدار قراراتٍ بإعادة تسجيل وتنظيم النقابات عبر مكتب مسجل تنظيمات العمل بوزارة العدل. ورغم تبرير هذه الخطوات بأنها تهدف إلى حماية ممتلكات النقابات وإعادة تنظيم الساحة العمالية، إلا أن واقع الحال يشير إلى نوايا الحكومة لإضعاف النقابات المستقلة، خصوصاً تلك التي لعبت دوراً كبيراً في الثورة ومقاومة الانقلاب والحرب، ولتمكين النقابات الموالية للنظام القديم أو الحكومة الحالية، عبر هندسة المشهد النقابي لضمان السيطرة على أدوات التنظيم العمالي، وتقويض حرية التنظيم التي انتزعها العمال بنضالاتهم، في مخالفةٍ صارخةٍ للاتفاقيات الدولية التي تحظر تدخل الحكومات في الشؤون النقابية.
وتداعيات هذه القرارات الحكومية الأخيرة على العمال والنقابات في ظل الحرب الجارية كارثيةٌ بكل المقاييس، فهي تفكك البنى الاجتماعية والروابط التنظيمية للنقابات والاتحادات المهنية التي كانت تتيح للعمال الدفاع عن حقوقهم، وتضعف التفاوض الجماعي، وتفقد الآلاف لمصادر دخلهم دون تعويضاتٍ، مع غياب أي أفقٍ لتحسين أوضاع العمل أو الأجور في المستقبل القريب.
وبينما تواجه النقابات تحدياتٍ هائلةً في محاولة إعادة بناء صفوفها وسط الحرب والدمار والنزوح، فإن مستقبل الحركة النقابية بات معلقاً على قدرتها على الصمود والتنظيم الذاتي ومقاومة التدجين.
واليوم أكثر من أي وقتٍ آخر، فإن إعادة بناء حركةٍ نقابيةٍ حرةٍ ومستقلةٍ تمثل مهمةً استراتيجيةً ليس فقط لحماية حقوق العمال، بل لضمان بقاء جذوة النضال من أجل الحرية والسلام والعدالة مشتعلةً. كما أن النضال من أجل حرية التنظيم النقابي هو جزءٌ لا يتجزأ من النضال الوطني الأوسع لإنقاذ السودان من حالة التفكك والانهيار. فمعركة العمال اليوم، كما كانت دائماً، هي معركةٌ من أجل الوطن كله.

رابط المقال في موقع صفر: https://alsifr.org/sudan-labor

husamom@yahoo.com  

المصدر

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: غیر المنظم القطاع غیر سوق العمل فی القطاع من أجل

إقرأ أيضاً:

الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10) .. إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)

 

الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10)
إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)
من الرؤية إلى التطبيق: نحو نموذج جديد للاستثمار الزراعي

“لا تُبنى الدول الخارجة من الحروب بإعادة ما كان قائمًا قبل النزاع، وإنما ببناء منظومات أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتنمية ومنع تكرار أسباب الصراع.”
اختُتم المقال السابق بسؤال جوهري: إذا كانت النماذج التقليدية للتخطيط والاستثمار الزراعي قد عجزت عن مواكبة تعقيدات ما بعد الحرب في السودان، فما البديل؟ وكيف يمكن صياغة نموذج يربط بين الاستثمار، والأسواق، وسلاسل القيمة، والتفكير النظمي، والاقتصاد السياسي، لتصبح الزراعة قاطرة حقيقية لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة؟
تأتي هذه السطور للإجابة عن هذا التساؤل عبر طرح “إطار متكامل للاستثمار الزراعي في السودان ما بعد الحرب”؛ وهو نموذج يدمج في منظومة واحدة ما دأبت السياسات والبرامج التنموية على معالجته بشكل مجزأ. فبدلاً من اختزال الاستثمار الزراعي في كونه تمويلاً لمشروعات إنتاجية، يقدم هذا الإطار رؤية استراتيجية لإعادة بناء المنظومة الزراعية برمتها، بما تشمله من مؤسسات، وأسواق، وسلاسل قيمة، وبنية تحتية، ورأس مال بشري، وآليات للحوكمة وإدارة المخاطر.
يقترح المقال الانتقال من “التخطيط القائم على المشروعات” إلى “التخطيط القائم على المنظومات”، حيث تُصمم الاستثمارات بناءً على فهم دقيق للعلاقات المتداخلة بين الفاعلين، والأسواق، والموارد، والمؤسسات، بعيداً عن التدخلات المنعزلة أو الاستجابات الآنية. ويستند هذا النهج إلى الدروس المستفادة من تجارب دول خارجة من نزاعات مشابهة، مع تطويعها لتلائم الخصوصية السودانية وتنوع أقاليمها وتفاوت احتياجاتها.
من الرؤية إلى الإطار
إن بناء رؤية استراتيجية للتعافي ليس سوى الخطوة الأولى في رحلة إعادة الإعمار، فالتحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الرؤية إلى إطار عملي يوجّه القرارات الاستثمارية، ويرتب الأولويات، ويحشد الموارد، ويحقق التنسيق بين مختلف الفاعلين. فالرؤى -مهما بلغت جودتها- تظل محدودة الأثر ما لم تُترجم إلى أدوات تنفيذية واضحة، تستند إلى فهم عميق للواقع، وتحدد بدقة كيف وأين ومتى ولماذا تُوجَّه الاستثمارات.

لسنوات طويلة، انصبَّ الاهتمام في التخطيط الزراعي على إعداد الخطط القطاعية أو قوائم المشروعات، مع افتراض أن توفير التمويل كفيل بتحقيق التنمية. غير أن التجربة السودانية، وتجارب العديد من الدول الخارجة من النزاعات، أثبتت أن المعضلة لا تكمن في نقص المشروعات، بل في غياب إطار يربط هذه المشروعات ضمن رؤية متكاملة تضمن تناغمها مع السياسات العامة، واحتياجات الأسواق، وقدرات المؤسسات، وأولويات المجتمعات المحلية.
لقد أدى هذا النهج المجزأ إلى تنفيذ تدخلات متفرقة حققت بعض النجاحات المحدودة، لكنها عجزت عن إحداث التحول الهيكلي المطلوب في القطاع الزراعي. فمشروع لإعادة تأهيل الري، أو برنامج لتوفير المدخلات، أو مبادرة لدعم المنتجين، قد يحقق نتائج آنية في نطاقه، لكنه يظل قاصراً عن إحداث أثر مستدام إذا ظل معزولاً عن بقية عناصر المنظومة الزراعية.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً في مرحلة ما بعد الحرب، حيث لا تقتصر إعادة الإعمار على إصلاح ما تضرر، بل تمتد لتشمل إعادة بناء العلاقات الاقتصادية والمؤسسية والاجتماعية التي يقوم عليها النشاط الزراعي. فالمزارع لا يحتاج فقط إلى الأرض والبذور، بل يحتاج إلى سوقٍ فعال، وتمويلٍ مناسب، وخدماتٍ إرشادية، وبنيةٍ تحتية، ومؤسسات قادرة على تنظيم العلاقات بين مختلف الأطراف. كما يحتاج المستثمر إلى بيئة مستقرة، وإطار تنظيمي شفاف، وآليات عادلة لإدارة المخاطر..
بناءً على ذلك، لا ينبغي إدارة عملية إعادة الإعمار الزراعي بمنطق المشروعات المنفصلة، بل بمنطق المنظومات المتكاملة؛ إذ يُعدُّ القطاع الزراعي شبكة مترابطة تجمع الموارد الطبيعية، والمنتجين، والأسواق، والخدمات، والمؤسسات، والسياسات، وأي خلل في أيٍّ من هذه المكونات سيؤثر بالضرورة على أداء المنظومة بأكملها.
ما هو الإطار المتكامل للاستثمار الزراعي؟
يُقصد بالإطار المتكامل للاستثمار الزراعي في مرحلة ما بعد النزاعات منهجيةً استراتيجيةً لتخطيط وتوجيه وتنفيذ الاستثمارات الزراعية؛ انطلاقاً من تحليل واقع ما بعد الحرب، وبهدف إعادة بناء المنظومة الزراعية تدريجياً وبشكل مترابط بما يضمن التعافي الاقتصادي، واستعادة سبل العيش، وتعزيز الأمن الغذائي، وترسيخ السلام.

لا يمثل هذا الإطار برنامجاً تنفيذياً أو قائمة مشاريع جاهزة، بل يعد مرجعية لاتخاذ القرارات الاستثمارية، ويساعد صناع القرار في الإجابة عن تساؤلات جوهرية تسبق أي استثمار، مثل:
ما طبيعة البيئة التنفيذية؟ وما القيود الهيكلية التي تعيق نجاح الاستثمار؟ ومن هم الأطراف الفاعلون وما طبيعة مصالحهم؟ وكيف تعمل نظم الأسواق؟ وأين تكمن الاختناقات في سلاسل القيمة؟ وما التدخلات ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي الأكبر؟ وكيف يمكن الحد من المخاطر وضمان الاستدامة؟ وبذلك، ينتقل التخطيط من السؤال التقليدي “ماذا سننفذ؟” إلى أسئلة أكثر عمقاً: “لماذا؟ وأين؟ ولمن؟ وكيف؟”، وهي التساؤلات التي تُميِّز الاستثمار الاستراتيجي عن الإنفاق المباشر.
كما يعتمد الإطار نهجاً تكاملياً يربط الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية والبيئية بوصفها مكوّنات متداخلة؛ فاستثمار البنية التحتية، على سبيل المثال، لا يُقاس بمقاييس كمية كعدد الكيلومترات المُعاد تأهيلها فحسب، بل بقدرته على تحسين الوصول إلى الأسواق، وخفض تكاليف النقل، ورفع دخول المنتجين، وتحفيز القطاع الخاص، وتقليل الفوارق الإقليمية.
ولتبسيط هذا النهج، أقترح نموذجاً تحليلياً أطلقت عليه “شجرة الاستثمار الزراعي”، وهي أداة تُعين على فهم العلاقات بين عناصر الاستثمار، وتحديد نقاط القوة والاختناقات، وربط المدخلات بالمخرجات والنتائج والأثر.
شجرة الاستثمار: استعارة تفسر المنهج
إن اختيار “شجرة الاستثمار” ليس مجرد أسلوب تبسيطي أو تصميم بصري جذاب، بل هو تجسيد لفلسفة هذا الإطار؛ فالشجرة كائن حي قائم على ترابط الجذور بالجذع والأغصان والثمار، ولا يمكن فهم أي جزء منها بمعزل عن الآخر. وعلى المنوال نفسه، لا يحقق الاستثمار الزراعي أهدافه إذا اقتصر على تمويل الإنتاج دون ربطه بالإصلاح المؤسسي، وتحسين بيئة الأعمال، وتطوير الأسواق، وبناء القدرات، وإدارة الموارد الطبيعية.
في هذا النموذج، تُمثّل الجذور الأساس الذي يرتكز عليه الاستثمار، ويشمل ذلك تحليل السياق، والاقتصاد السياسي، والموارد الطبيعية، ورأس المال البشري، والحوكمة، وهي العوامل المحددة لقدرة البيئة المحلية على استيعاب الاستثمارات وتحويلها إلى نتائج مستدامة.
أما الجذع، فيُعبّر عن المنظومة المؤسسية التي تنقل الموارد والرؤى إلى برامج عملية، في حين تُمثّل الأغصان المحافظ الاستثمارية، وسلاسل القيمة، ومشروعات البنية التحتية، والخدمات، والأسواق. وأخيراً، تُمثّل الثمار النتائج المرجوة من هذا الإطار، وهي: زيادة الإنتاج، وتحسين الدخل، وخلق فرص العمل، وتعزيز الأمن الغذائي، وترسيخ السلام.

يُتبع في الجزء الثاني… حيث نستعرض مكونات شجرة الاستثمار بالتفصيل، ونُبيّن كيف تُؤسس هذه العناصر لقرارات استثمارية أكثر كفاءة وعدالة، مع شرح آلية الربط في “شجرة الاستثمار” بين جذور التعافي، وجذع الحوكمة، وفروع الاستثمار، وثمار التنمية والسلام.

حسن علي سنهوري
مستشار التنمية الزراعية
[email protected]

الوسومإعادة الإعمار (9-10) إعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2) الاستثمار الزراعي المتكامل الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب حسن علي سنهوري رؤية للاستثمار الزراعي

مقالات مشابهة

  • 9 محافظات تمنع عمال النظافة من العمل وقت الذروة رسميًا
  • منظمات أممية: آلاف النازحين يعيشون ظروفا مأساوية في المخيمات بالسودان
  • السودان يطلق مبادرة لتوسيع المظلة الضريبية.. و60% من النشاط الاقتصادي خارجها
  • اتحاد العمال والمقاولون يعززون منصة بناء الإنشائية
  • 1.5 مليار دولار لإنقاذ الاقتصاد السوداني.. تفاصيل صفقة مرتقبة
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • مشروعا قانون في الكونغرس لتجفيف تمويل الحرب وتعزيز حماية المدنيين
  • اجتماع دولي في نيروبي لتنسيق المبادرات الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان
  • خبراء: تحركات إقليمية قد تعيد رسم مسار الحرب في السودان
  • الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10) .. إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)