ترجمة : قاسم مكي -
من المستفيد من ترامب؟ مصالح مَنْ يخدم؟ إنه -كما ذكر إيفان كراستيف- يخدم مصالحه الخاصة به بطريقة بشعة. لكن ماذا عن الآخرين؟ نحن نعلم من الإغلاق الفظ للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أنه لا يهتم البتَّة بالفقراء في الخارج. لكن هل يُظهِر فعلا اهتماما بالأمريكيين العاديين الذين صوتوا له؟
مشروع قانون الموازنة «الكبير والجميل» والذي يأخذ طريقه الآن عبر الكونجرس يوضح أن الإجابة بالنفي؛ فهو مثال فاقع لما سبق لي أن أسميته «شعبوية الأثرياء» أول مرة في عام 2006؛ فالأغنياء يحصلون على معظم المنافع، والفقراء يصبحون أكثر فقرا، ويبقى عجز الموازنة ضخما.
الرسوم الجمركية ضريبةُ مبيعاتٍ على السلع المستوردة، وتميل أيضا إلى رفع أسعار البدائل المحلية. وعلى العموم؛ الفقراء ينفقون نسبة أعلى من دخلهم على السلع مقارنة بمن هم أكثر ثراء. فهؤلاء ينفقون نِسَبا أعلى من الدخل على الخدمات أو يدَّخرون معظمه. لذلك الرسوم الجمركية تراجعية (بمعنى أنها أكثر تأثيرا على الفقراء)؛ كما تحاجج كيمبرلي كلاوسينج، وماري لافْلي الباحثتان بمعهد بيترسون للاقتصاد الدولي. وربما ذلك أحد أسباب غرام ترامب بها؛ فتخفيضاته الضريبية يذهب جُلُّها إلى الأثرياء.
قدَّر مختبرُ الموازنة بجامعة ييل أثرَ الرسومِ الجمركية التي تم تطبيقها ابتداء من 1 يونيو 2025 ومشروعِ قانون موازنة ترامب الذي أجازه مجلس النواب. بالطبع من المرجح إجراء تعديلات على هذا المشروع بواسطة مجلس الشيوخ، لكن ما يذهل أن يصادق عليه مجلس النواب أساسا. (مشروع قانون الموازنة لم يصادق عليه مجلس الشيوخ بعد، وينتظر ترامب إجازته بواسطة مجلسي الكونجرس؛ لإقراره يوم 4 يوليو- المترجم).
باختصار؛ زيادات الرسوم الجمركية، ومشروع قانون الموازنة الكبير والجميل «سيخفِّضان -بعد خصم الضرائب والتحويلات- متوسط دخول عائلات الشريحة التي تشكل نسبة الـ 80% الأدنى من سلم الدخل. وستواجه عائلات الشريحة التي تشكل نسبة 10% الأدنى خفضا في المتوسط بنسبة تزيد على 6.5% من الدخل، فيما ستشهد عائلات الشريحة العليا زيادة تقارب 1.5%».
أيضا حسب مختبر الموازنة بجامعة ييل «تشير التقديرات التقليدية إلى أن مشروع قانون موازنة ترامب يكلف 2.4 تريليون دولار كما هو مكتوب (4 تريليونات دولار إذا تحولت البنود المؤقتة في الموازنة إلى دائمة). ويفترض أن تبلغ حصيلة الرسوم الجمركية التي دخلت حيز التطبيق اعتبارا من 1 يونيو 2.4 تريليون دولار».
إذا لم يتطابق هذا التقدير مع الواقع -وأنا أشك في تحصيل مثل هذا المبلغ من الرسوم- سيصح استنتاج الباحثتين كلاوسينج ولافلي والذي مفاده أن «أجندة ترامب كسياسة مالية عبارة عن تخفيضات ضريبة تراجعية تُموّل جزئيا فقط بزيادات ضريبة تراجعية».
في مقالاته بالمنصة الرقمية «سَبْستاك»؛ يكتب بول كروجمان: «لدي نظرة شديدة الارتياب في نوايا الجمهوريين. لكن قسوة مشروع قانون الموازنة بضرائبه التنازلية التي تثقل كاهل الفقراء صادمة حتى بالنسبة لي».
أيضا مشروع الموازنة -حسب اعتقادي- لا يبالي بالآثار الضارة التي قد تترتب عنه على الناس. فوفقا لخطاب من مكتب الموازنة بالكونجرس غير الحزبي؛ قد تزداد أعداد من لا يشملهم التأمين الصحي بحوالي 16 مليون شخص كنتيجة للتغييرات المقترحة في مشروع قانون الموازنة وغيره. كما هنالك أيضا تخفيضات في برنامج طوابع الطعام. ولن يخطئ من يقول: إن عديدين سيموتون من أجل تدبير تخفيضات ضريبية كبيرة لأصحاب البلايين.
إذا افترضنا عدم وجود أثر يذكر لسياسة ترامب الاقتصادية (ترامبونوميكس) على النمو الاقتصادي للولايات المتحدة؛ سيبدو الأثر الصافي لكل من الرسوم الجمركية، ومشروع موازنة ترامب على الموقف المالي استمرارا للاتجاهات المالية السابقة. وهكذا ستظل العجوزات المالية كبيرة، وسيرتفع الدين قياسا إلى الناتج المحلي الإجمالي. ففي تقرير آفاق الموازنة الفيدرالية في الأجل الطويل 2025- 2055؛ توقع مكتب الموازنة بالكونجرس ارتفاع نسبة الدين الفيدرالي لدى الجمهور إلى الناتج المحلي الإجمالي من 100% هذا العام إلى 118% في عام 2035. في كتابه «كيف تفلس البلدان: الدورة الكبيرة»؛ يحاجج راي داليو مؤسس وعضو مجلس إدارة صندوق التحوط «بريدْجواتر» بوجوب أن يتراوح الخفض في العجز بين 3% و4% من الناتج المحلي الإجمالي؛ لتثبيت معدل الدين إلى الناتج الإجمالي. هل مثل هذا التعديل في السياسة المالية ضروري الآن؟ الإجابة الأمينة «لا أحد يدري». اقتصاد الولايات المتحدة هو الأكبر في العالم والأكثر دينامية وباطراد، كما تُصدِر عملة احتياط العالم. هذا يمنحها مجالا هائلا للمناورة، لكن لا شيء يدوم إلى الأبد. وإذا فقد الناس الثقة في الولايات المتحدة قد تُجبَر على تدوير دينها بشروط يتزايد تشددها.
في نهاية المطاف قد يتحول الكثير منه إلى دين قصير الأجل بسعر فائدة يقررها بنك الاحتياطي الفيدرالي.
حينها سيتعرض البنك إلى ضغوط للإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات منخفضة.
ويمكن أن يقوض أثر «تنقيد الدين» مع «الجبر المالي» الاستقرارَ بشدة. (بمعنى تمويل الدين الحكومي بطباعة النقود، وفرض أسعار فائدة منخفضة قسرا من شأنهما زعزعة استقرار الاقتصاد الكلي؛ لأنهما يقوضان الثقة في السياسة النقدية للبنك والسياسة المالية للحكومة - المترجم)
وكما سبق أن صرح روديجر دورنبوش أستاذ الاقتصاد بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «في الاقتصاد؛ الأشياء تأخذ وقتا أطول مما تعتقد لكي تحدث. ثم تحدث بأسرع مما كنت تعتقد»؛ لذلك الخيار المعقول هو تغيير المسار قبل فوات الأوان. وهذا أكثر معقولية عند اتخاذ قرار بشن حرب تجارية مريرة على كل دائني الولايات المتحدة تقريبا. ومن المؤكد أن التجربة القاسية لدائني الولايات المتحدة، وشركائها التجاريين مع رئاسة ترامب ستغير نظرة العالم للولايات المتحدة. عموما يجب تعريف الشعبوية بأنها شكل من أشكال السياسة يُمَوضِع «الشعب» ضد «النخبة»، ويمكن أن يكون الشعبويون يساريين أو يمينيين. ومن الواضح أن شعبوية ترامب تنتمي إلى اليمين؛ فهي تؤكد على الثقافة والعِرق والقومية. وهذا يوفر غطاء ممتازا للسياسات التي تفيد النخبة البلوتوقراطية (نخبة الأثرياء) على حساب كل أحد آخر.
لكن في ورقة ممتازة صدرت عام 2023 بعنوان «القادة الشعبويون والاقتصاد» توصَّل كل من مانويل فونكه، وموريتس شولاريك، وكريستوف تريبش إلى استنتاجين ينطبقان على الشعبويين من الجناحين اليميني واليساري. أولهما أن كلا الجناحين يميلان إلى إلحاق ضرر دائم بالديموقراطية نفسها. وثانيهما أن تصرفاتهما المتهورة، ونزعتهما القومية، وتعدياتهما على المؤسسات غالبا ما تترتب عليها كلفة اقتصادية باهظة.
في الولايات المتحدة كلا الحزبين يتفقان فعليا الآن على عدم أهمية الحصافة المالية. ومن المؤكد أن الديموقراطيين ما عادوا يرون فائدة تذكر منها؛ لأنها مهَّدت كثيرا لتخفيضات ضريبية تراجعية.
يمكن القول إذن: إن مديونية الولايات المتحدة ستواصل ارتفاعها، وتحذيرات ديالو تكشف عن بصيرة نافذة. وكما قال مرة الاقتصادي الأمريكي الراحل هربرت شتاين: «إذا لم يكن في مقدور شيء ما الاستمرار إلى الأبد سيتوقف». السؤال هو: متى سيتوقف ارتفاع الدين الأمريكي؟ وإلى أي حد سيكون ذلك مؤلما؟
مارتن وولف كبير معلقي الاقتصاد بصحيفة الفاينانشال تايمز
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: مشروع قانون الموازنة الولایات المتحدة الرسوم الجمرکیة
إقرأ أيضاً:
كيف تُعيد الولايات المتحدة هندسة اقتصادها العسكري؟
رفعت شركة "لوكهيد مارتن" الأمريكية توقعاتها للإيرادات والأرباح خلال 2026، مستفيدة من الطلب المتزايد على الصواريخ والمقاتلات وأنظمة الدفاع الجوي، في وقت تمضي فيه الولايات المتحدة نحو إقرار موازنة عسكرية قياسية وإعادة مسمى "وزارة الحرب" إلى المؤسسة الدفاعية.
وبحسب "رويترز"، تتوقع أكبر شركة للصناعات الدفاعية في العالم تسجيل إيرادات تتراوح بين 79.75 مليار دولار و81.75 مليار دولار خلال العام الجاري، مقارنة بتقديراتها السابقة التي تراوحت بين 77.5 مليار دولار و80 مليار دولار.
ورفعت "لوكهيد مارتن" توقعاتها لربحية السهم إلى ما بين 29.95 دولار و30.65 دولار، مقابل نطاق سابق تراوح بين 29.35 دولار و30.25 دولار. وسجلت الشركة خلال الربع الثاني أرباحاً بلغت 7.94 دولار للسهم، مقارنة بـ1.46 دولار للسهم خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
الصواريخ تقود النمووجاء قطاع الصواريخ وأنظمة التحكم في النيران في مقدمة محركات النمو، بعد ارتفاع إيراداته بنحو 20% خلال الربع الثاني، لتصل إلى 4.1 مليار دولار، مدفوعة بزيادة إنتاج صواريخ "باتريوت باك-3" وتسريع إنتاج منظومة "ثاد" لاعتراض الصواريخ.
التصعيد في هرمز وباب المندب يهز الملاحة ويرفع أسعار النفط - موقع 24تتجه أزمة الملاحة البحرية في المنطقة نحو مزيد من التصعيد، مع تزامن التراجع الحاد في حركة السفن عبر مضيق هرمز مع هجوم جديد استهدف ناقلتين سعوديتين في البحر الأحمر قرب مضيق باب المندب، في مؤشر على اتساع رقعة التهديد، لتشمل أهم الممرات الملاحية في العالم في آنٍ واحد.
وارتفعت إيرادات قطاع الطيران لدى "لوكهيد مارتن" بنسبة 9%، بدعم من زيادة إنتاج ومبيعات مقاتلات "إف-35"، التي تمثل أكبر برنامج تسليح في تاريخ وزارة الدفاع الأمريكية، مع تقديرات تتجاوز تريليوني دولار لتكاليف شراء المقاتلات وتشغيلها وصيانتها على مدى عمر البرنامج.
وفي انعكاس مباشر لحجم الطلب العسكري، قفزت قيمة الطلبيات المتراكمة لدى الشركة إلى 230.4 مليار دولار بنهاية الربع الثاني، مقارنة بـ166.5 مليار دولار قبل عام، بزيادة تقترب من 38%.
من "الدفاع" إلى "الحرب"ولا تنفصل القفزة في أعمال "لوكهيد مارتن" عن التحول الأوسع في السياسة العسكرية الأمريكية، بعدم إقرار مجلس النواب إعادة تسمية وزارة الدفاع باسم "وزارة الحرب"، ضمن مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2027.
ووفق صحيفة "ذا هيل"، وافق أعضاء المجلس على تغيير المسمى خلال التصويت على مشروع قانون السياسة الدفاعية السنوي، الذي مر بفارق ضئيل بلغ 216 صوتاً مقابل 212، رغم أن هذه التشريعات كانت تحظى عادة بتأييد واسع من الحزبين.
وقاد وزير الدفاع بيت هيغسيث الدعوات إلى استعادة الاسم التاريخي للوزارة، معتبراً أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تريد تعزيز ثقافة "المحاربين" وليس الاكتفاء بمفهوم الدفاع.
وكانت المؤسسة العسكرية الأمريكية تحمل اسم "وزارة الحرب" قبل توقيع الرئيس الأسبق هاري ترومان قانون الأمن القومي عام 1947، الذي أعاد هيكلة الجيش الأمريكي وأنشأ الصيغة الحديثة للمؤسسة الدفاعية.
وسبق لترامب أن وقع أمراً تنفيذياً في سبتمبر(أيلول) يدعم العودة إلى الاسم القديم، فيما وجّه هيغسيث باستخدام المسمى الجديد على الموقع الرسمي للوزارة وحساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي واللافتات التابعة لها.
موازنة عسكرية تتجاوز تريليون دولاروجاء تغيير المسمى ضمن مشروع قانون يطلب تخصيص 1.15 تريليون دولار للأمن القومي والإنفاق العسكري خلال السنة المالية 2027، في إحدى أضخم الموازنات الدفاعية في التاريخ الأمريكي.
بالأرقام| كيف يعيد تقليص الدعم الأمريكي رسم اقتصاد الإغاثة الدولي؟ - موقع 24تواجه المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين واحدة من أكبر أزماتها التمويلية منذ تأسيسها، إذ تضغط عواصم غربية ومسؤولون أمميون على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لمنعها من قطع علاقتها بالمفوضية. وتكشف مصادر دبلوماسية وإنسانية لوكالة "رويترز" أن واشنطن – التي تعد تاريخياً أكبر ...
ويشمل المشروع تمويل تطوير أنظمة الدفاع وشراء الأسلحة والمعدات العسكرية، إلى جانب زيادة رواتب أفراد القوات المسلحة بنسب تتراوح بين 5% و7%، وزيادة أعداد القوات العاملة، وإنشاء ثكنات ومساكن لأسر العسكريين.
ويمثل الرقم زيادة كبيرة مقارنة بنحو 900 مليار دولار خُصصت للدفاع خلال السنة المالية 2026.
وأثار المشروع انقساماً حاداً داخل الكونغرس، إذ اعترض معظم الديمقراطيين على ضخامة الإنفاق العسكري في ظل تقليص مخصصات بعض البرامج الاجتماعية، منتقدين استمرار العمليات العسكرية ضد إيران، التي قدّرها "البنتاغون" بقرابة 37.5 مليار دولار حتى الآن. في المقابل، رأى الجمهوريون أن الموازنة ضرورية لدعم القوات المسلحة وتمويل أنظمة الدفاع وتعزيز جاهزية الجيش.
رسمياً.. أمريكا تعتمد مسمى وزارة الحرب وتقرّ موازنة عسكرية قياسيةhttps://t.co/k2X6uGON8G pic.twitter.com/U4OYNM3t3r
— 24.ae (@20fourMedia) July 23, 2026ووفق وسائل إعلام عالمية أقر مجلس النواب إطاراً منفصلاً للموازنة بقيمة 95 مليار دولار، يُخصص معظمه لتمويل الحرب ضد إيران، بينها 73 مليار دولار للقوات المسلحة ووكالات الاستخبارات.
وبحسب خبراء، فإن هذه التطورات "تشكل ملامح مرحلة جديدة في السياسة الأمريكية، تمتزج فيها زيادة الإنفاق الدفاعي، وإعادة صياغة الخطاب العسكري".