يقول برتراند راسل إن البشر اخترعوا الألعاب الرياضية لكي يمارسوا رغباتهم الحربية بأدوات غير حربية، ولعل هذا حلمٌ رومانسي أو مثالي من راسل، الذي أراد القول إن الرياضة تشبع الرغبات في المغالبة والتصارع من أجل الغلبة، من دون أن يقتل الناس بعضهم بعضاً، ولكن الملاحظ أن الرياضة لم تشفِ النفوس من الحروب، بل إننا نجد سوفيكليس وهو ينعى على شباب أثينا انهماكهم في صرف وقتهم في الحمامات الساخنة أكثر من ذهابهم للمصارعة، ومن ثم لا يتدربون على فنون القتال، مما يعني أن رياضة المصارعة ليست للعلاج من رغبات القتل والحرب، وإنما هي تدريب على فن الحرب وتربية الأجسام على المقاتلة وتقويتها كأدوات حربية.


ورؤية سوفيكليس هي التي تفسّر لنا علاقة الناس بالرياضة، تلك التي تحوّلت لحروب كلامية ومشاعرية بين المتنافسين في أرض الميدان، مما يسبب طرد اللاعبين ومعاقبتهم، وهذا في كرة القدم، فما بالك بالعنف الجسدي في الملاكمة والمصارعة، ويمتد التصارع بين جماهير الفرق الرياضية، وأشده في جماهير كرة القدم التي بلغت مع الجماهير البريطانية حدوداً فاحشة أدت بأن جرى منع الشباب البريطاني في عدد من المناسبات من حضور مباريات فريقهم في الدول الأوروبية، بسبب ما يحدث من تلك الجماهير من تخريب وتدمير في الشوارع التي يمرون فيها، سواءً هزموا أو حتى لو فازوا، إذ تظل احتفالاتهم عنيفةً وعدوانيةً، وكم قتل من مارة في الشوارع لمجرد أن حظهم التعيس أوقعهم في زحمة جماهير مجنونةٍ أسكرها الفوز أو صدمتها الهزيمة، ويضاف لذلك لغة التشجيع وما فيها من عنف لفظي يبلغ حد العنصرية والإيذاء النفسي بين المتنافسين.
وهذا يكشف بوضوح أن التنافس يتحول لتصارع، والتصارع يتحول من لغوي وجسدي إلى قتلٍ عملي، وتتغذى هذه السلوكيات مع درجات المشاعر في أثناء اللعب في الميدان وبعد انتهاء اللعب، وهذا يشير إلى أن الحرب هي التي أثرت على اللعب وصنعت منه حالةً انفعاليةً متوترة، فغلبت نظرية سوفوكليس على نظرية راسل، لأن النفوس تحمل جينات الحرب ورغباتها المكبوتة فتجد متنفسها بالرياضة ممارسةً وتشجيعاً، ولا شك أن الأدهى والأمر هو حوافز التصارع لدى المشجعين الذين هم مجرد متفرجين في الأصل لكنهم مع تطور اللعب يتحولون إلى محاربين، وهنا فالحرب غريزةٌ بشرية إن لم تحدث في معارك حربيةٍ رسمية فهي تحدث في الرياضة وفي اللغة مثل لغة الهجاء بين الشعراء ومثل لغة جماهير كرة القدم بين أنصار الفرق ونوعية الخطاب المتبادل بينهم، ولا يبعد عنها التحارب في وسائل التواصل الاجتماعي أو هي ظاهرة ثقافية عالمية نشهدها لحظياً ومباشرة كلما تشابكنا مع هذه الوسائل.
كاتب ومفكر سعودي
أستاذ النقد والنظرية/ جامعة الملك سعود - الرياض

أخبار ذات صلة د. عبدالله الغذامي يكتب: نيران الغيرة الشعرية د. عبدالله الغذامي يكتب: الذكاء الاصطناعي.. العقلانية الجديدة

المصدر

المصدر: صحيفة الاتحاد

كلمات دلالية: الغذامي عبدالله الغذامي

إقرأ أيضاً:

حفيد العندليب عبدالحليم حافظ يطرح «أحلى الحلوين».. ومحمد شبانة يدعمه: شجعوا عبدالله

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

طرح المطرب الشاب عبدالله شبانة، حفيد العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ، أحدث أغنياته التي تحمل عنوان «أحلى الحلوين»، مواصلًا تقديم أعماله الغنائية بأسلوبه الخاص، بعيدًا عن المقارنات مع إرث جده الفني الكبير.

من جانبه، حرص والده المطرب محمد شبانة، نجل شقيق العندليب عبدالحليم حافظ، على دعم نجله من خلال منشور عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، قال فيه: «تشجيعًا لعبدالله ابني ولونه الخاص.. أنشر له أغنيته الجديدة»، داعيًا الجمهور إلى الاستماع للعمل ومساندة نجله في خطواته الفنية.

وتحمل الأغنية الجديدة عنوان «أحلى الحلوين»، وهي من كلمات وألحان عبدالله شبانة، فيما تولى التوزيع الموسيقي خالد إقبال، لتأتي ضمن محاولاته لترسيخ هويته الغنائية من خلال أعمال من تأليفه وتلحينه.

وكان عبدالله شبانة قد سجل أولى خطواته الغنائية خلال شهر يونيو الماضي، عندما طرح أغنية «أجمل صدفة»، التي جاءت أيضًا من كلماته وألحانه، وقدمها بروح شبابية، في إطار سعيه لتقديم لون موسيقي يعبر عن شخصيته الفنية، بعيدًا عن استنساخ تجربة العندليب الراحل عبدالحليم حافظ، وهو ما أكد عليه والده محمد شبانة في أكثر من مناسبة، مشددًا على أهمية دعم عبدالله في تكوين مسيرته المستقلة وإبراز بصمته الخاصة في عالم الغناء.

https://youtu.be/HgATbemnsfc?si=I0UpG3hKI98Rmofp

مقالات مشابهة

  • منير أديب يكتب: حين وصلت العقوبات إلى قلب التنظيم الدولي
  • منير أديب يكتب: مسافة الحرب الأخيرة بين واشنطن وطهران
  • عبدالله بن زايد: الإنسان أساس نهضة الإمارات
  • برج الثور| حظك اليوم الجمعة 24 يوليو 2026 .. إنجاز عملك
  • جمس تقدم سييرا 2026 الجديدة.. وهذا سعرها عالميًا
  • حفيد العندليب عبدالحليم حافظ يطرح «أحلى الحلوين».. ومحمد شبانة يدعمه: شجعوا عبدالله
  • حفيد العندليب يطرح أحلى الحلوين .. ومحمد شبانة يدعمه
  • بـ61 ألف توقيع.. جماهير الأرجنتين تطالب بإعادة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا
  • بيانُ الميدانِ يكتبُ معادلةَ الحصارِ بلغةِ النار
  • حزب الله باقٍ.. وهذا ما أعطاه ترمب للرئيس اللبناني