يبرز المشهد الإقليمي والدولي تسارعًا لافتًا في وتيرة الأحداث المرتبطة بالصراع في غزة، وسط تشابك واضح بين الأطراف الفاعلة، بحيث لم يعد من الممكن قراءة أي تحرك سياسي أو دبلوماسي بمعزل عن السياق العام أو عن الحسابات المتبادلة بين هذه الأطراف. فكل معطى جديد، سواء كان سياسيًا أو ميدانيًا أو إعلاميًا، بات يُحدث تأثيرًا مباشرًا أو غير مباشر في مسار الأزمة وتوازناتها.


وقد كشفت التطورات خلال الأسبوع الأخير من يوليو 2025 عن تحول واضح في مقاربات بعض الفاعلين الأساسيين في الملف الفلسطيني، لا سيما من حيث الخطاب والسلوك السياسي، وهو ما يتضح من خلال خمسة معطيات محورية تعكس تغيرًا في الأولويات وتباينًا في زوايا النظر تجاه الحرب في غزة، والكيفية المثلى للتعامل معها.
أولاً، افتتاحية نيويورك تايمز التي حمّلت إسرائيل المسؤولية المباشرة عن الكارثة، بسبب سيطرتها العسكرية على معظم أجزاء القطاع.، خاصة أن الصحيفة رفضت مبررات حكومة نتنياهو بشأن سرقة المساعدات من قبل حماس، معتبرة أن السبب الحقيقي هو ضغوط اليمين الإسرائيلي لوقف المساعدات عن المؤسسات الدولية.
تعكس هذه الافتتاحية في واحدة من أهم الصحف الأمريكية تحولًا تدريجيًا في الخطاب الإعلامي والسياسي الأمريكي تجاه الأزمة في غزة، ويشير إلى أن الحصار لم يعد يُنظر إليه كوسيلة ضغط سياسية، بل كجريمة أخلاقية وإنسانية.
ثانياً، في الوقت الذي تتفاقم فيه المأساة الإنسانية في قطاع غزة، وتتصاعد فيه الانتقادات الدولية لإسرائيل على خلفية الحصار والتجويع، تبرز أزمة سياسية من نوع مختلف تعكس حجم الارتباك الاستراتيجي داخل حركة “حماس”، والانعكاسات العميقة التي تترتب على خطابها المتجاوز لحدود اللياقة الدبلوماسية، لا سيما تجاه الدول العربية التي لطالما أدّت أدوارًا مركزية في دعم القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها مصر والأردن.
لم تكن التصريحات الأخيرة لخليل الحية، أحد أبرز قيادات “حماس”، والتي دعا فيها شعوب مصر والأردن إلى “التحرك ووقف الجريمة ومنع تقسيم الأقصى، سوى مؤشر على أزمة أعمق داخل الحركة، تتعلق بخلط واضح بين مقاومة الاحتلال وبين محاولة تصدير الأزمة عبر استعداء الدول الحاضنة للقضية الفلسطينية.
تلك التصريحات أثارت غضبًا رسميًا وشعبيًا في كل من القاهرة وعمّان، حيث تم اعتبارها تجاوزًا للخطوط الحمراء، خاصة انه مع استقراء السياق السياسي المصاحب، فقد يتبين أن هذه الرسالة لم تكن عبثية، بل بدت متماهية مع تحركات جماعة الإخوان المسلمين التي تحاول استغلال الأزمة لمهاجمة الأنظمة الوطنية، وتقديم مصر كطرف متواطئ في الحصار، وهي رواية تتهاوى أمام الحقائق الميدانية والدبلوماسية، والتي تبرز الدور المصري من خلال مسارات متعددة الأركان منها الدبلوماسي والسياسي وأيضا الإغاثي 
فقد شهدت بعض السفارات المصرية مظاهرات يقودها عناصر محسوبة على “الإخوان”، بهدف الاتهام بالتقاعس عن فتح معبر رفح، بينما تتجاهل هذه التحركات عمداً العراقيل الإسرائيلية.
ثالثاًـ، الأزمة في غزة في الحقيقة تتجاوز في جوهرها البعد الإنساني إلى كونها ورقة مساومة في لعبة سياسية كبرى ضمن الصراع الإقليمي والدولي. وفي هذا السياق، تتبدى محاولات إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لإعادة هندسة المنطقة عبر توسيع اتفاقيات إبراهيم، لتشمل دولاً مثل أذربيجان وبعض جمهوريات آسيا الوسطى، في وقت تتعثر فيه المفاوضات مع السعودية بسبب رفضها التطبيع دون وقف الحرب وتحقيق حل الدولتين.هذا التوسع في الاتفاقيات، رغم طابعه الرمزي، يعكس محاولة واضحة لتحويل اتفاقيات إبراهيم إلى منصة إقليمية لتوسيع النفوذ الأمريكي والإسرائيلي، مع تجاهل صارخ للأوضاع في غزة.

رابعاـ وهو ما يتزامن مع التقديرات التي تشير من قبل دوائر قريبة من ترامب لإعادة النظر في مواقفه. فقد زار مبعوثه ستيف ويتكوف غزة، في تحول رمزي، تبعه تصريح من مسؤول في البيت الأبيض يقرّ بوجود “مخاوف جديدة” بشأن الوضع الإنساني، رغم أن ترامب لم يغيّر موقفه الأساسي بأن “حماس مسئولة إلى حد كبير عن الأزمة ومع ذلك، تراجع الدعم الشعبي الأمريكي لإسرائيل بشكل غير مسبوق، حيث أظهر استطلاع مؤسسة “جالوب” تراجع نسبة الدعم إلى 32%، وهو الأدنى تاريخيًا.
كما أن ثمة مؤشرات التحول داخل البيت الأبيض وتفكك الإجماع حول إسرائيل والذي يعد ربما الأخطر بالنسبة لإسرائيل، وهو ما يتبلور من تحول داخل تيار “ماج MAGA” الشعبوي، الذي يمثّل قاعدة ترامب الصلبة. فقد بدأ رموز هذا التيار علي غرار ستيف بانون وتاكر كارلسون  بالتشكيك في جدوى العلاقة الخاصة مع إسرائيل، واعتبار أن الدعم غير المشروط لها يتعارض مع شعار “أميركا أولاً”.
هذا التحول داخل التيار اليميني المحافظ وخاصة في أوساط الشباب يؤشر على تآكل الدعم التاريخي لإسرائيل داخل المؤسسة السياسية الأمريكية، وهو ما يقلق الدوائر الإسرائيلية بشدة.
خامساً، في موازاة التحولات الأمريكية، كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت عن مؤشرات توافق عربي نادر يدفع باتجاه إجبار “حماس” على مغادرة غزة. وقد صدر عن مؤتمر أممي استضافته فرنسا والسعودية ما عرف بإعلان نيويورك”، الذي يدعو لإنهاء حكم “حماس” وتخليها عن سلاحها، بموافقة من قطر وتركيا وهما أبرز داعمي الحركة.
تشير هذه التطورات إلى أن الحركة باتت معزولة إقليمياً إلى حدٍ لم يعد بإمكانها تجاهله، خاصة مع تراجع شعبيتها ومقتل معظم قياداتها الميدانية، وعجزها عن تنفيذ ضربات نوعية.
لكن من غير المرجح أن تقبل “حماس” بهذه الترتيبات إلا تحت ضغط خانق وشروط تحفظ الحد الأدنى من نفوذها، وهو ما يفتح الباب أمام مماطلة سياسية أو رفض جزئي أو كامل.

ختامًا، بالنظر إلي أننا أمام مفترق طرق تاريخي في القضية الفلسطينية. فإما الانخراط في حل سياسي حقيقي بقيادة إقليمية ودولية، أو استمرار الحصار والمعاناة التي تهدد بانفجار أكبر، لن يكون في مصلحة أحد.
على “حماس” أن تدرك أن الزمن لا يعمل لصالحها، وأن الرأي العام العربي والدولي لم يعد يحتمل العبث بمصائر الناس، وأن الاستقواء بالمأساة دون رؤية سياسية واقعية لم يعد مقبولاً  
و على جيش الاحتلال الإسرائيلي أن يُدرك أن حسابات القوة لم تعد وحدها كافية لحسم مسار الصراع، وأن المجتمع الدولي بدأ يصحو من صمته الطويل أمام الكارثة الإنسانية المتفاقمة في غزة. فالمواقف تتبدل، والاصطفافات تتغير، والتأييد غير المشروط لإسرائيل بات موضع مساءلة حتى داخل أكثر الدوائر دعمًا لها.

وإزاء هذا التحول، لم يعد هناك من خيار سوى الذهاب نحو وقف شامل وفوري لإطلاق النار، يضع حدًا للحرب المستمرة، ويفتح الباب أمام معالجة سياسية جادة تستجيب لتطلعات الشعب الفلسطيني، وتحفظ ما تبقى من استقرار إقليمي يوشك أن يتهاوى.

طباعة شارك غزة إسرائيل قطاع غزة حماس

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: غزة إسرائيل قطاع غزة حماس لم یعد وهو ما فی غزة

إقرأ أيضاً:

تقرير: أزمة في خطة ترامب لغزة وإسرائيل تفرض واقعًا ميدانيًا جديدًا

كشف تقرير نشرته صحيفة "هآرتس" العبرية، أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تنجح حتى الآن في دفع خطتها لوقف إطلاق النار في قطاع غزة نحو المرحلة الثانية، رغم مشاركتها العسكرية إلى جانب إسرائيل في حربها ضد إيران وضغوطها على كل من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وحركة حماس لإتمام صفقة تبادل الأسرى كخطوة أولى ضمن المبادرة.

وأشار التقرير إلى أن إسرائيل أصبحت أقل تقييدًا في عملياتها داخل غزة بعد الإفراج عن الأسرى الأحياء، إذ تبقى الولايات المتحدة مانعًا نسبيًا لعودة الحرب الشاملة، لكنها —وفق المحلل العسكري عاموس هارئيل— تسمح لإسرائيل بمواصلة استهداف مناطق داخل القطاع بذريعة منع محاولات تقدم لعناصر حماس باتجاه "الخط الأصفر" شرق غزة.

خطة أميركية بلا تنفيذ فعلي

وأوضح هارئيل أن إدارة ترامب تبدو عاجزة عن فرض خطتها على الأرض، مشيرًا إلى وجود فجوة واضحة بين قدرتها على فرض الإجراءات الميدانية وبين التخطيط السياسي بعيد المدى، سواء في غزة أو في أوكرانيا. ويرى أن هذا العجز سيؤثر سلبيًا على مستقبل المبادرة الأميركية طويلة المدى في الشرق الأوسط.

ويواصل الجيش الإسرائيلي، وفق التقرير، محاصرة عشرات من مقاتلي حماس داخل شبكات أنفاق في رفح وخانيونس، وسط اشتباكات يومية متواصلة.

مفاوضات متجمدة وتباينات واسعة

وأكد هارئيل أن المفاوضات المتعلقة بخطة ترامب ما تزال متوقفة، مع صعوبة رؤية أي تقدّم في المرحلة المقبلة، في ظل إصرار حماس على عدم تسليم سلاحها، ورفض إسرائيل الانسحاب من "الخط الأصفر" داخل غزة.

وأضاف أن واشنطن كانت ترغب في انتشار قوة الاستقرار الدولية في القطاع قبل نهاية العام، إلا أن التنفيذ تعثر؛ فإندونيسيا لم تُرسل القوة التي وعدت بها، ودول الخليج لم تتعهد بعد بتمويل مهمات تلك القوة، فيما لا ترغب أي دولة بالمخاطرة بنشر قواتها في المناطق التي ما تزال توصف بـ"غزة القديمة" الخاضعة لسيطرة حماس.

تداعيات الجمود

وفق التقرير، يمنح هذا الجمود حركة حماس فرصة لإعادة بناء جزء صغير من قدراتها العسكرية، بينما لا يلحظ سكان غزة أي تغيير جذري في ظروف حياتهم سوى تراجع عدد الغارات نسبيًا.

وأشار هارئيل إلى أن تجاوز حالة الركود يتطلب تدخلًا مباشرًا من الرئيس ترامب، غير أن ذلك لا يحدث حاليًا، في ظل انشغال مبعوثه ستيف ويتكوف بالأزمة الأوكرانية ومواجهته انتقادات بسبب علاقاته المرتبطة بروسيا.

الدور السعودي

كما لفت التقرير إلى أن إدارة ترامب كانت تعوّل على ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لإحداث اختراق سياسي بعد زيارته واشنطن الأسبوع الماضي، لكن يبدو أن الرياض لن تتقدم نحو التطبيع مع إسرائيل دون تحقيق تقدم حقيقي في غزة، وهو ما لا يظهر في الوقت الراهن.

المصدر : وكالة سوا - عرب 48 اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد المزيد من الأخبار الإسرائيلية صحيفة عبرية: فرص الانتقال للمرحلة الثانية من اتفاق غزة تتراجع الكشف عن موعد وصول القوة الدولية إلى غزة والانتهاء من نزع السلاح قناة تكشف عن التحضيرات الأولية لبناء "منطقة خضراء" لسكان غزة شرق رفح الأكثر قراءة  إصابتان برصاص الاحتلال في المغير شرق رام الله 300 مليون دولار خسائر قطاع الفنادق في بيت لحم منذ العدوان على غزة بعد القبول والرفض: قرار مجلس الأمن 2803 اختبار جديد للحكمة الفلسطينية الجبهة الشعبية: الضفة على أبواب انتفاضة ثالثة عاجل

جميع الحقوق محفوظة لوكالة سوا الإخبارية @ 2025

مقالات مشابهة

  • انخفاض مفاجئ في درجات الحرارة.. كتلة باردة تضرب البلاد وتغيّر ملامح الطقس
  • أستاذ علوم سياسية: قرار ترامب بتصنيف فروع من الإخوان كمنظمة إرهابية “واضح ومباشر”
  • اغتيال الشبح.. عبد الله والمهمة السرّية التي مهّدت طريق الموساد إلى عماد مغنية
  • "حماس": أغلب الشاحنات التي تدخل غزة تجارية ولا تحمل مساعدات
  • عربستان… الدولة التي أُطفئ نورها غدرًا: مئة عام على جريمة سياسية غيّرت وجه الخليج
  • غزة تحت الحصار الغذائي….”التجويع المدروس” يفتك بالمدنيين بصمت
  • تفّعيل المواقف المدارة المجانية لسكان أحياء السليمانية وشرق العليا بالرياض
  • لتنظيم السيارات والحد من الوقوف العشوائي.. “مواقف الرياض” تفعّل المواقف المدارة المجانية بحيَّي السليمانية وشرق العليا
  • سلاسل الإمداد تتكيف مع الرسوم الأمريكية.. والشحن الجوي يحقق أعلى نمو منذ 2022
  • تقرير: أزمة في خطة ترامب لغزة وإسرائيل تفرض واقعًا ميدانيًا جديدًا