عربي21:
2026-07-23@19:55:53 GMT

سوريا ولبنان بين اختبار الانفتاح وتراكم الأزمات

تاريخ النشر: 15th, August 2025 GMT

تتهيأ بيروت ودمشق لاستحقاق دبلوماسي غير عادي، مع الزيارة المرتقبة لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، وهي الأولى من نوعها منذ وصول الرئيس أحمد الشرع إلى الحكم وسقوط نظام بشار الأسد. أهمية هذه الزيارة لا تكمن فقط في كونها بداية التواصل العلني على هذا المستوى بين الحكومتين، بل أيضا في كونها تحمل أربعة ملفات شائكة ستختبر مدى استعداد البلدين لفتح صفحة جديدة أو الاكتفاء بالرسائل الرمزية.



على المستوى الإجرائي، يجري التحضير للزيارة على عدة خطوط متوازية. فالاتصالات بين وزارتي العدل في البلدين نشطة منذ أسابيع بهدف صياغة تفاهم مبدئي حول ملف الموقوفين السوريين في لبنان، وهو الأكثر حساسية من الناحية الإنسانية والسياسية. وبحسب التسريبات، يسعى الجانب السوري إلى ضمان الإفراج عن 375 معتقلا كبادرة حسن نية، على غرار ما فعله الرئيس الشرع في زيارته الأخيرة إلى الإمارات حين عاد برفقة المعتقل السوري مهند المصري. لكن خلف هذا الرقم، هناك واقع أكثر تعقيدا: أكثر من 2700 سوري ما زالوا في السجون اللبنانية منذ 2011، كثيرون منهم معتقلو رأي أو أشخاص موقوفون إداريا دون محاكمة، ما يعني أن أي خطوة جزئية لن تُقرأ إلا باعتبارها اختبارا للنيات لا حلا نهائيا.

أما الملف الثاني، وهو ضبط الحدود، فيحمل طابعا أمنيا بامتياز، إذ يشمل وضع آليات مشتركة لإغلاق المعابر غير الشرعية ووقف تهريب السلاح والمخدرات بين البلدين، وهي أنشطة تداخلت فيها مصالح شبكات سياسية وعسكرية واقتصادية طوال العقد الماضي. من وجهة نظر دمشق، فإن إحكام السيطرة على هذه الحدود لم يعد ترفا، بل ضرورة لوقف استهدافها سياسيا وأمنيا، خاصة بعد الاتهامات الدولية باستخدام بعض المناطق السورية كمراكز لتصنيع المخدرات وتهريبها. ومن وجهة نظر بيروت، فإن وقف تهريب السلاح من سوريا إلى الداخل اللبناني -أو العكس- جزء من الالتزامات التي تفرضها الضغوط الإقليمية والدولية، ولا سيما في ظل التوتر المستمر مع إسرائيل.

الملف الثالث، أموال المودعين السوريين في المصارف اللبنانية، يلامس صميم الأزمة الاقتصادية اللبنانية. منذ انهيار 2019، جُمدت ودائع تُقدَّر بمئات ملايين الدولارات تعود لسوريين، كثير منهم رجال أعمال كبار كانت لديهم حسابات تشغيلية أو استثمارية في لبنان. دمشق ترى أن استعادة هذه الأموال أو على الأقل إعادة جدولتها ضرورة اقتصادية، فيما يجد لبنان نفسه عاجزا عن تقديم ضمانات حقيقية في ظل أزمة مصرفية غير مسبوقة.

الملف الرابع، ملاحقة فلول النظام السابق الفارين من العدالة، قد يكون الأكثر إثارة للجدل سياسيا. فدمشق تريد تسلم شخصيات متهمة بارتكاب جرائم حرب أو فساد مالي، وتقول إنها تملك أدلة على نشاط بعضهم من لبنان ضد الدولة السورية الجديدة. غير أن هذا الطلب سيصطدم بجملة تعقيدات قانونية وسياسية داخل لبنان، من بينها الانقسام حول تعريف "شرعية" النظام السوري الحالي، والحساسيات الطائفية والسياسية المرتبطة بهذه الأسماء.

أما البعد الأمني غير المعلن للزيارة، فيرتبط مباشرة بملف حزب الله واستمرار حضوره كمصدر تهديد للأمن القومي السوري في عهد الشرع. فدمشق الجديدة ترى أن نشاط الحزب في بعض مناطق الساحل السوري -الذي كُشف أخيرا بعد إحباط تحركات عسكرية كانت تتم بالتنسيق مع شبكات محلية- يمسّ باستقرار بيئات تعتبرها القيادة السورية خط دفاع أول عن الدولة. كما تتهم الأجهزة السورية الحزب بلعب دور الوسيط والمموّل في إعادة تنظيم بعض فلول النظام السابق، وتوفير خطوط دعم لوجستي لهم، وهو ما تعتبره دمشق تقويضا لجهودها في تفكيك إرث الأسد. وفي أحداث السويداء الأخيرة، رصدت دمشق إشارات إلى استفادة بعض الفصائل المحلية من قنوات دعم أو تحريض غير مباشر مرتبطة بالحزب، ما عزز قناعة القيادة بأن ملف حزب الله لم يعد شأنا لبنانيا صرفا، بل مسألة أمن قومي سوري تتطلب معالجة مباشرة مع بيروت، ولو في إطار تفاهمات غير معلنة.

هذه الزيارة ستتضمن أيضا بعدا سياسيا داخليا لبنانيا، حيث سيلتقي الشيباني رئيسَ الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، الذي يملك قدرة على لعب دور الوسيط بين أطراف لبنانية متباعدة. وهناك أيضا مسعى لترتيب زيارة إلى طرابلس، استجابة لدعوات فعاليات سياسية واجتماعية محلية، تقديرا لمواقف المدينة المؤيدة للشعب السوري خلال الثورة.

لكن القراءة التحليلية للمشهد تكشف أن هذه الزيارة تحمل أكثر من رسالة. أولا، إعلان من دمشق أنها لم تعد تقبل بترحيل الملفات العالقة مع بيروت، وأنها تنظر إلى العلاقة مع لبنان بوصفها جزءا من إعادة تموضعها الإقليمي بعد الانفتاح على الخليج وتركيا. ثانيا، اختبار لمدى قدرة بيروت على التعامل مع الحكومة السورية الجديدة بمرونة أكبر، في وقت تضغط فيه قوى إقليمية، خصوصا السعودية والإمارات، باتجاه تطبيع تدريجي مع دمشق لكن وفق شروط سياسية واضحة. ثالثا، هي أيضا مناسبة لدمشق لتأكيد حضورها الدبلوماسي في ساحة إقليمية تتحرك بسرعة، ولتقديم نفسها كشريك في ملفات أمنية واقتصادية عابرة للحدود.

في المقابل، يواجه هذا المسار عقبات حقيقية. فملف الموقوفين لا يمكن فصله عن الانقسام اللبناني حول اللاجئين السوريين، وملف ضبط الحدود يتطلب تعاونا عسكريا واستخباريا غير مضمون، وملف الأموال رهينة أزمة مصرفية أعمق من أن تُحل بقرار سياسي، أما ملف الفارين فسينفتح على مواجهة داخلية بين حلفاء وخصوم دمشق.

ختاما، يمكن القول إن زيارة أسعد الشيباني لن تكون مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل محطة اختبار جدية لمسار العلاقات السورية-اللبنانية في عهد الشرع. نجاحها سيعني فتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون، وفشلها سيعيد تثبيت الجمود وربما يضاعف التوترات. وفي الحالتين، فإنها تعكس حقيقة أن دمشق، بعد سنوات العزلة والحرب، قررت أن تضع الملفات المؤجلة على الطاولة، وأن تفرض إيقاعها على جيرانها، بدءا من لبنان الذي يجد نفسه بين حاجته إلى التعاون مع سوريا، وحساباته الداخلية والإقليمية المعقدة.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء لبنان سوريا العلاقات سوريا لبنان علاقات قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة مقالات سياسة سياسة مقالات سياسة اقتصاد سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة

إقرأ أيضاً:

في احاطته أمام مجلس الأمن.. كوردوني: الفرص المتاحة أمام سوريا حقيقية

دمشق- أكدت الأمم المتحدة أن "الفرص المتاحة أمام سوريا حقيقية، شريطة بناء مؤسسات شاملة وخاضعة للمساءلة وقادرة على تلبية احتياجات جميع السوريين".

وفي إحاطة قدمها -عبر الفيديو- أمام اجتماع لمجلس الأمن الدولي بشأن الوضع في سوريا، أشار كلاوديو كوردوني نائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، وفق وكالة قنا القطرية،

إلى أنه من بين التطورات المؤسسية، تعيين الرئيس السوري أحمد الشرع مؤخرا أعضاء المحكمة الدستورية العليا، وبدء مجلس الشعب الجديد جلساته هذا الشهر. وقال: "يعد تشكيل هاتين المؤسستين محطتين بارزتين في العملية الانتقالية التي حددها الإعلان الدستوري الصادر في مارس 2025".

وشدد كوردوني على أن ترسيخ استقلالية المؤسستين التشريعية والقضائية عن السلطة التنفيذية يشكل مكونا هاما لعملية انتقال تتسم بالمصداقية والشمول والاستدامة.

وفي شأن آخر، أعرب المسؤول الأممي عن القلق العميق إزاء استمرار النشاط العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا، حيث استمرت عمليات التوغل والقصف وتحليق الطائرات المسيرة وفرض قيود على حركة المدنيين في محافظتي القنيطرة ودرعا.

وقال إن "ما يثير القلق بشكل خاص، ما وقع يومي 27 و28 يونيو الماضي، حيث أفادت التقارير بأن عناصر من الجيش الإسرائيلي قتلوا شخصين شرق خط وقف إطلاق النار قبل تنفيذ توغل بري في قرية عابدين، وأدت العملية إلى نزوح مدنيين، وتلتها عملية انتشار لقوات الأمن السورية بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي".

مقالات مشابهة

  • رسوم الأدوية الجنيسة.. اختبار جديد للمنافسة الأمريكية الصينية
  • لماذا يراهن العرب على الباكستان في الأزمات؟.. تعرف على قواها الضاربة
  • لطلاب الثانوية العامة .. كيف تحجز اختبار القدرات 2026 والأوراق المطلوبة للقبول؟
  • تركيا تستهدف حجم تجارة مع سوريا بقيمة 10 مليارات دولار
  • محمد شردي: كلمة الرئيس في ذكرى ثورة يوليو رسمت ملامح رؤية مصر للداخل والخارج
  • إحباط محاولات تهريب كميات كبيرة من الحشيش والكبتاغون من لبنان إلى سوريا
  • بتوجيهات محافظ بيروت.. حملة لتنظيم المرافق العامة في منطقة حي اللجا في المصيطبة
  • برلماني: تعزيز المخزون الإستراتيجي يحصن الاقتصاد المصري من تداعيات الأزمات العالمية
  • في احاطته أمام مجلس الأمن.. كوردوني: الفرص المتاحة أمام سوريا حقيقية
  • الأمين العام للأمم المتحدة يزور سوريا