الثورة نت:
2026-06-03@01:38:20 GMT

عظمة الشهداء ودورهم في انتصار الشعوب

تاريخ النشر: 3rd, November 2025 GMT

عظمة الشهداء ودورهم في انتصار الشعوب

 

 

الشهداء هم أنبل البشر وأعظمهم تضحية، فهم الذين وهبوا أرواحهم رخيصة في سبيل الله والوطن والحرية. إنهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فلم يخافوا الموت، بل واجهوه بثبات وإيمان، لتبقى أوطانهم حرة عزيزة مرفوعة الرأس.
ولذلك فإن دورهم في انتصار الشعوب على أعداء الأمة والوطن لا يُقدّر بثمن، فهم الشعلة التي تضيء درب الحرية، والقدوة التي يتعلّم منها الناس معاني الشجاعة والصبر والإخلاص، بدمائهم الطاهرة تُرسم ملامح النصر، وتُكتب صفحات المجد في تاريخ الأمم، فكل شهيد يسقط في ميدان الشرف، يُوقظ ضمير الأمة ويبعث في أبنائها العزيمة على مواصلة الطريق حتى يتحقق النصر.


إن الأمم التي تكرم شهداءها وتحافظ على ذكراهم هي أمم لا تموت، لأنها تستمد من تضحياتهم القوة والإرادة للاستمرار في مواجهة الظلم والطغيان، ولذلك يبقى الشهيد حيًّا في قلوبنا، خالدًا في وجداننا، ورمزًا للحرية والكرامة والعزة.
ولقد أبدع الكثير من الشعراء والأدباء في وصفهم لتضحيات الشهداء وشجاعتهم ونتطرق إلى ما بعض أبيات بعض القصائد لعدد منهم:
الشهيدُ الصمّاد
يقول الشاعر الراحل/ حسن الشرفي في قصيدة: “الشهيدُ الصمّاد”:
قِفْ خَاشِعاً في حَضْرَةِ “الصّمّادِ”
واشْرحْهُ للنّاديْ وَغَيْرِ النّادِيْ
وإذا نظرتَ إلى السّماءِ وَجدتهُ
فيها مَجَرة فِطنةٍ وجهادِ
طلب الشهادة فاصطفته لأنها
رجواه للأبناءِ والأحفادِ
وبذمة الشمم الذي في قلبهِ
جاءَ الخلودُ به على ميعادِ
كمْ “صالحٍ” في الأرض ما ابتهجت بهِ
دُنياهُ عِند الموتِ والميلادِ
فمضى وليس أمامه ووراءهُ
إلا غبار الباطلِ المعتادِ
ولكل ميدانٍ خلاصته هنا
وهناك في الإصدار والإيرادِ
ويظلُ (صمّادُ) الرجولة حاضراً
في وجهها كالكوكب الوقادِ
في برّها.. في بحرها ، في أرضها
وسمائها ، في المجد والأمجادِ
قتلوه؟ لا والله ما قتلوه ، بلْ
أحيوهُ كالأعراسِ والأعيادِ
يا سيدي، وأنا أقول قصيدتي
لتقول أين رصيدها في الصادِ؟
لاحت أمامي فيك تقرأُ نصها
في مشهد متماوج الأبعادِ
قل إنها مثلي مع النبأ الذي
وافى كإعصار المحيطِ الهادي
رج السماوات الطوال وشاءها
((صعدية)) الأغوار والأنجادِ
وهناك كان الخالدون أمامها
ووراءها للهول بالمرصادِ
دعني معيْ.. ومع القصيدة في الذي
ما عادَ من “إرمٍ ولا من عادِ”
هذا خيار الملك والملكوتِ في
موسوعةِ الآباءِ والأجدادِ
ولأن رب البيت أدرى بالذي
فيه رجعت لعدتي وعتادي
كانت أمامي أمنياتٌ كلها
عجبٌ،، ومنها ما يفوق مراديْ
لكن “صالح” لم يدع لي فرصة
لتُطِلَّ في المضمار بعضُ جيادي
ماذا أقولُ لموته وحياته؟
ماذا أقولُ لأبجدي ومداديْ
يا “صالح” الشرف الرفيع وليتني
أرضيك في شعري وفي إنشاديْ
ليت الشواطئ كلها في مدها
أو جزرها ظلت على استعدادِ
ليت المنيعات الذرى تبقى لما
أملت من زحف ومن إسنادِ
لله أنت جمعت شمل صمودها
يا قاهر الماسون والموسادِ
وتمر فيك الأربع السنوات من
صبر إلى بذل إلى استشهادِ
والصائرون مع الغزاة هوادجا
وقعوا بمصيدة من الأحقادِ
لم ينصروا ديناً ولا دنيا ولا
سلموا من الترحيل والابعاد
كالبعض يهذي بالحياد وفجأة
أبصرتُ خنجره مع الجلادِ؟!
قلنا لطابور العمالة إننا
أقوى من الإبراق والإرعادِ
لم تغنموا غير الهوان لأنه
بمقاسكم في سفحه والوادي
وهنا دم الصماد يرفع صوته
ويقول عاشت ثورتي وبلادي
قالوا انتهى الصماد، قلت متى انتهى؟
وبخاطري ما فيه من آمادِ
إن كان موت العز يشغلكم فلن
تجدوا بأنفسكم سوى الأحقادِ
أنا ما استفدت ولا ريالاً واحداً
معه ولا كثّرت منه رماديْ
لكن صورته وسيرته أتت
للكل في الجمهور والأفرادِ
حمل الأمانة ثم أداها بلا
صلف ولا عسف ولا استبدادِ
فكأنه “الحمدي” في مشروعه
وهناك تبدو روعة الروادِ
قف خاشعاً واطرح سؤالك لاذعاً
للرائح المفجوع أو للغادي
ما بال هذا الحزن ظل كأنه
فوق القلوب مطارق الحدادِ؟
وهنا تقول لك المسيرة إنه
كان الحكيم بها وكان الحاديْ
ذكرى النفير
ويقول الشاعر/ معاذ الجنيد في قصيدة “ذكرى النفير”:
إن لم تكُن ذكرى الشهيدِ نفيرا
فلقد أسأنا الذِّكرَ، والتذكيرا
فليغدُ أسبوع الشهيد تحرُّكًا
نحو الجهادِ، وجسِّدُوه حضورا
الحفل في الجبهات يا شعب الإبا
يكفي احتفالاتٍ، كفى تصويرا
زُوروا متارسهُم لتحييوا ذكرهم
ليس الوفاء بأن نزورَ قُبورا
لا تفتحوا في كل حيٍّ معرضًا!
من كل حيٍّ حَرِّضوا جمهورا
وإذا فتحتم معرضًا من أجلهم
فضعوا بنادقهُم بهِ تقديرا
خُذْ بُندقًا يا كلّ حُرٍّ وانطلِق
أكمِل بهِ درب الشهيدِ مسيرا
زُوروا (المخا) ذِكرًا لأبطال (المخا)
مُدُّوا معَ أحرار (نِهم) جُسورا
الاحتفاءُ هوَ اقتِفاءُ جهادِهِم
حتى نُشاهد دينهم منصورا
لا أن نُعلِّقهُم على جدراننا
صِّوَرًا، ونقعدُ حسرةً، وفُتورا
ما ذا يُفيد بأن نُقيمَ لذكرهم
حفلا، ونترُكَ دربَهم مهجورا
لِنكُن بشارتِهِم إذاv انتظروا لمن
لم يسبقوهم نضرةً وسُرورا
ما لم نُعبِّر بالنفيرِ عن الوفاءِ
فنحنُ شعبٌ أخطأَ التعبيرا!
ما لم تكُن (ذوباب) قاعة حفلنا
وتصير (ميدي) معرضا مشهورا
وندُكُّ جيش المعتدين تيمُّنًا
بالمؤمنين الصادقين شعورا
ونرى أهاليهم وقد وجدوا بنا
شهداءهم مُتجسِّدينَ حُضورا
من في (عسير) استشهدوا من أجلنا
فرضوا علينا أن نزور (عسيرا)
ولقد غدا درب الشهادة عزَّنا
وغدا الشهيد لشعبنا دستورا
شهداؤنا العظماء، أربابُ العطا
نُعطي زهورًا، يبذلون نُحورا
ونقيمُ حفلا، هُم أقاموا ديننا
وهُمُ استعادوا مجدنا المطمُورا
ساروا بنهج نبيِّهم، وعليّهم
وولِيِّهم، نورًا يُعانِقُ نورا
بذلوا النفوسَ، وقدّموا أرواحَهُم
لم يخلقوا لقعودهم تبريرا
التائبون، العابدون، الحامدون،
الصابرون، الذاكرون كثيرا
حملوا هدى القرآن وانطلقوا وقد
رشفوا مع (ابن البدر) منهُ سُطورا
“وَلَئِن قُتلتُم في سبيل الله أو
مُتُّم لَمَغفِرةٌ” تلوحُ أخيرا
ما قالَ قائلُهُم: أأُقتلُ في الوغى
ويعيشُ غيري سالِمًا وقريرا!
بل قال: يا ربَّ البرية خُذ دمي
واشفي بهِ للمؤمنين صدورا
يا رب واقبلني لوجهكَ خالصًا
ولْتَشْرَبيني يا بلادُ طهُورا
شربوا رضا الرحمن في الفردوس من
كأسٍ وكان مزاجها كافورا
وثقوا بنصر الله، واعتصموا به
“وكفى بربك هاديًا ونصيرا”
الشهداء
يقول الشاعر عبدالقوي محب الدين في قصيدته “الشهداء”:
صدحوا بصرخة عزّنا ،فأضاءوا
عمرا،، توزّع نورَه الأصدااااءُ
زرعوا ضِفاف الليل -رغم جفافه-
صبحاً، لتثمر بالسنا الأنحاءُ
صرخوا فكانوا،،، والشعار هويةٌ
ونوافذٌ،، منها إلينا جاءوا
جاءوا وصوت المشتهى يحدوهمُ
جاءوا،، لتسمعه المنى الصماءُ
.من كل سنبلةٍ تدلّوا أمةً
ورؤوسنا ورؤوسها شماءُ
هم نحن في أسمى أمانينا ، بهم
فقنا الذي شئنا وسوف نشاءُ
هم نحنُ ، والتاريخُ يكتبنا بهم
ضوءا، ويُحني رأسه الإمضاءُ
فجرا سيعجز أن يجيئ بمثله
آتٍ،، ويخجل أن يُقص وراءُ
ثرنا بهم ، واللهُ نبضُ عروقنا
والنصر وعدٌ صادقٌ ووفاءُ
****
“الله أكبر”، والطغاة تفتتوا
والشعب يزأر ، والرصاص ثغاءُ
لن ننثني مهما أسال جفوننا
غاز،، وسالت للمضيّ دماءُ
إنّا انتصرنا بالخروج،، وزادنا
نصرا، وتعدادا -هنا- الشهداءُ
الشعب كل الشعب محتشدّ، وإن
صفّت قذاها الجارة الرقطاءُ
فغدا ستلدغ -بالتحالف – نفسها
وغدا.. تخلّد فجره الأنباءُ .
قصيدة الخلد
يقول الشاعر حسن المرتضى في قصيدته “قصيدةُ الخُلْد”
قصيدةٌ غادرتْ في داخلي السّجْنا
قصيدةٌ منْ دمِ الشهداءِ لا تفْنى
قصيدةٌ لا ترى الأحزانَ غامضةً
هل يفهمُ الشّعرَ من لم يعرف الحُزْنا
قصيدةٌ عنْ سَماواتٍ وَعَنْ رُسُلٍ
وَعَنْ دَمٍ صَارَ وَحْيَاً عَنْ دَمِ المَعْنى
عن الشّهيْدِ الّذي صَارَتْ ملَامِحُهُ
قصيدةً.. لوحةً.. أقصوصةً.. لحْنا
عن الذي صارَ معنى كلّ قافيةٍ
وصارَ وزْناً لمن لم يمْتلكْ وزْنا
وللذي ما لهُ ليلى ولا خَطَرتْ
بِبالهِ صارَ ليلى كلّ من غنّى
قصيدةٌ من وصاياهم قد اكتملتْ
ولمْ تجدْ غيرَ أبياتي لها سُكْنى
همْ بابُها، سقفُها، حيطانُها طُلِيتْ
من ضحكةٍ صارت الأضواءَ للمبْنى
هم مشتلٌ للأماني في السّما انزرعوا
والأرضُ تهوي إليهمْ مسْكَناً.. حُضْنا
هم من أضافوا إلى اللاشيء من دمِهم
شيئاً إلى كلّ معنى كانَ مستثنى
من قبلِهم لمْ نَكُنْ إلا خُطىً عَبَرتْ
إلى المتَاهاتِ.. يا الله كم ضِعنا
مِنْ بعدهمْ ما الذي لم يَتركوهُ لنا؟
من بعدهم نحنُ ندري الآنَ من صِرْنا
نُصغي إلى روحِ عطْرٍ فاحَ من دَمِهمْ
كأنّهُ الوحيُ فازدادوا به حُسْنا
صوتُ السماواتِ ما لاقى له وَطنَاً
إلّا بشريانِ من صاروا لهُ أذْنا
فيا شرايين كل الأرضِ هل سَعُدتْ
أرضٌ سوى روضةِ الشهداءِ أو تَهْنى؟
ويا أرائكَ شعري لا أراكِ لهم
إلا بلاداً فرادى…ما لها مثنى

المصدر

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • اليوم.. أمسية أدبية بالإسماعيلية احتفاء بالشاعر مدحت منير
  • الاحتلال يعلن إصابة 4 جنود في انفجار مسيرة أطلقها حزب الله
  • اغتراب الذات والقصيدة في "ظل يرتسم على المياه البعيدة"
  • إعلام عبري: حزب الله شن اليوم 10 هجمات بمسيرات
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • غدا.. قصور الثقافة تحتفي بمسيرة الشاعر مدحت منير بالإسماعيلية
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • “الأحرار”: ربط إيران المباحثات مع واشنطن بوقف العدوان على غزة ولبنان موقف مسؤول وانتصار لحقوق الشعوب
  • "حماس" ترحب باعتماد نقابات العمال الأيرلندي وفورسا سياسة شراء الأخلاقية
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟