الأسبوع:
2026-06-02@21:57:59 GMT

عمان وهندسة السياسة الخارجية

تاريخ النشر: 20th, November 2025 GMT

عمان وهندسة السياسة الخارجية

تحتفل سلطنة عمان في 20 نوفمبر من هذا العام بعيدها الوطني، ذكرى مرور 281 عاما على تأسيس الدولة البوسعيدية، في ظل مسيرة رسخت مكانة السلطنة وهويتها التي حافظت عليها عبر قرون من الزمن.

في استحضار ذكرى اليوم الوطني العماني، يدفعني للوقوف عند ملمح هام وطابع فريد تتميز به الدبلوماسية العمانية منذ زمن بعيد،

وربما هذا الاستدعاء لا يرتبط بمجموعة من المواقف الآنية، بل أرى أن الأمر نتاج “هندسة” متراكمة ومستدامة للتوازن، تمتد جذورها بعمق في التاريخ منذ تأسيس الدولة البوسعيدية على يد الإمام المؤسس السيد أحمد بن سعيد عام 1744م، والتي تواصل نهضتها حتى اليوم نحو مستقبل مشرق.

حين أدقق في السياسة الخارجية للسلطنة ومواقفها منذ زمن بعيد، أرى ذلك الإرث التاريخي الذي أرسى مبادئ ثابتة للحكم والعلاقات الدولية، والتي تقوم على الاستقلالية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وحل النزاعات بالطرق السلمية، وكذلك العقاب الجماعي، وربما هذا ما ساهم في نجاح السلطنة في عديد من الوساطات وطبع صورتها الذهنية لدى الجميع، وأصبحت مصدر ثقة لدى جميع الأطراف.

قد يكون التعامل مع قضايا المنطقة منذ عقود بحاجة لتحركات دقيقة ومغايرة، وهو ما نجده في الهندسة الدبلوماسية العمانية والتي لم تتأت من منطق الحياد الإيجابي فقط، بل نتاج عمل وجهد واتصال وتواصل دقيق " كالقابض على الجمر"، وهي التي منحت الدبلوماسية العمانية صفتها المميزة كـ “قوة توازن” في منطقة تتسم بالاستقطاب والتحالفات الحادة والتعقيدات غير الهينة التي كان يصعب معها التوازن أو الحفاظ على مسافة تراعي المصالح الوطنية والإقليمية مع توازن هام تجاه قضايا المنطقة باستثناء القضية الفلسطينية التي تعد أهم القضايا بالنسبة للسلطنة.

برزت الهندسة الدبلوماسية العمانية في عدد من المواقف والقضايا الإقليمية، يستحضرني منها إدارتها للعلاقات مع مصر في مرحلة توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978م مع الاحتلال الإسرائيلي (والتي فرضتها طبيعة المرحلة، رغم أن هذا التطبيع لم ينتج عنه أي تطبيع شعبي بل اقتصر على وقف إطلاق النار) وفي ذلك الوقت أجمعت فيه الدول العربية، على مقاطعة مصر وعزلها ونقل مقر الجامعة العربية، في حين أن السلطنة اتخذت موقفاً مستقلاً ورافضاً لقطع العلاقات مع القاهرة حينها، وقد تبين بعد عقود صواب موقفها وعمق رؤيتها، الذي يستمد من ثقال تاريخها وحضارتها عبر قرون، حيث كانت ترى أن قطع العلاقات مع مصر سيضر أيضا بالقضية الفلسطينية والوحدة العربية، وظلت بمثابة جسر التواصل بين القاهرة والدول العربية الشقيقة.

لم يقتصر الأمر عند هذا الموقف مع القاهرة بل أن عبقرية السياسة الخارجية العمانية تكمن في قدرتها على التموضع خارج محاور الصراع، مما يمنحها مصداقية فريدة للوساطة النزيهة واتضح ذلك الدورفي أزمات إقليمية معاصرة مثل اليمن والعراق.

كان الحياد التام في الأزمة اليمنية ورفض المشاركة في العمليات العسكرية للتحالف هناك دوره فيما بعد حيث استثمرت السلطنة علاقاتها الهادئة مع كافة الأطراف، بما في ذلك جماعة الحوثي والحكومة الشرعية، لتصبح القناة الدبلوماسية الرئيسية للتفاوض وتبادل الأسرى وقد نجحت في هذا الدور بامتياز، حيث ساهمت في التخفيف من حدة الصراع، وتسهيل المباحثات غير المباشرة، والعمل على إيجاد حل سياسي شامل ومستدام.

وفي العراق أسهمت العلاقة المتوازنة في دعم جهود المصالحة الوطنية، كما كانت نقطة التقاء دبلوماسية بين العراق وجيرانه، خاصة في أوقات الأزمات، مما يعزز دورها كعامل استقرار إقليمي.

أما بالنسبة للقضية الفلسطينية فإن عمان ضربت مثالا فريدا، فهي التي تمسكت بموقفها تجاه الحق الفلسطيني دون مواربة أو خضوع لأي مغريات ولا ضغوط، وحافظت كذلك على صورتها وعلاقاتها مع أطراف غربية كانت داعمة لإسرائيل وأصبحت مؤيدة للحق الفلسطيني، وهو جهد يتطابق مع الجهد المصري وذات الرؤية التي جمعت بين البلدين منذ سنوات.

في المجمل يمكنك أن نرى نتاج الهندسة الدبلوماسية للسياسة الخارجية لعمان في كل علاقاتها مع دول الإقليم والعالم، وشخصيا أرى ذلك في كل تفاصيل الحياة في الداخل العماني، في التعاملات مع الزملاء الإعلاميين مع المسؤولين في الوزارات والهيئات، أرى أن النهج العام للدولة هو ذاته الذي ينتهجه الشعب العماني الذي يتسم بالهدوء الإيجابي مع فعاليته وعمله الدؤوب وتطلع للمستقبل.

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: الدبلوماسیة العمانیة

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • وزير خارجية إيران يبحث مع نظيره السعودي آخر المسارات الدبلوماسية لخفض التوتر
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • مصر تكثف تحركاتها الدبلوماسية .. وزير الخارجية يبحث مع إيران والمبعوث الأمريكي مسار المفاوضات النووية
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • "التعليم" تُوقع برنامج تعاون مع "العمانية للنطاق العريض" لدعم مبادرة البرنامج الصيفي
  • الدبلوماسية والحرب الإعلامية
  • بحثُ مجالات التّعاون في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية وموارد المياه بين سلطنة عمان وبيلاروس
  • انطلاق القمة الروحية في دار طائفة الموحدين الدروز.. أبي المنى: لن ننقل السياسة إلى الطاولة
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟